محمود المسعدي: شاعر ضلّ طريقه إلى النثر

 

 

 

منصف الوهايبي

 

 

لا نظنّ أنّ أيّا من قرّاء الكاتب التونسي الراحل المسعدي يماري في أنّه إزاء لغة فنّية من طراز عال تتمثّل على نحو لافت لغة القرآن ونثر التوحيدي والمعرّي والاصفهاني من جهة والشعر العربي القديم من أخرى.وقد لا يجد من يقرنه به من كتّاب العربيّة وأدبائها في النصف الأوّل من القرن الماضي،ماعدا الكاتب المصري من أصل لبناني بشر فارس في ‘جبهة الغيب’. ومع ذلك فإنّ القارئ المتمرّس بأساليب العربيّة ولطائفها لا يكاد يطمئنّ إلى هذا الرأي حتى تساوره ، من أمر هذه اللغة،ريبة غير يسيرة. فهي تقول هذا القديم ولا تقوله في آن .

ولعلّ هذا ما يزيد من صعوبة البحث فيها ،فهي تطلّ برأسين اثنين:قديم وحديث يتواصلان فيها جنبا إلى جنب، فلا الأوّل انقطع بذيوع الثّاني، ولا الثّاني حلّ محلّ الأوّل. بل الأصوب أن نقول إنّ هذا وَصِيل ذاك.

فهما ونحن لا نقصد الجانب الشكلي أو المظهر البصري وإنّما الخطاب نفسه، باعتباره الإيقاع على نحو ما يذهب إليه هنري ميشونيك في مصنّفه الشهير’في نقد الإيقاع؛ مترافقان لا يكادان يتفارقان إلاّ في النّدرة من النصوص؛ بل في النّدرة من الجمل التي تباين القديم في أخيلته ومعانيه، وإن على نسب تتفاوت ومقادير تتفاضل؛ بل أنّ القاعدة في هذا المحدث أو المستحدث اللغوي، إنّما هي في الحفاظ على التّقليد وخرقه في آن،وما يفضى إليه ذلك من مراوحة بين الوظيفة المرجعيّة المنوطة بمحتوى الخطاب والفكر الذي يحيل عليه،والوظيفة الجماليّة حيث اللغة غاية في ذاتها أو هي تقول اللغة. ولعلّ ذلك كان سببا من أسباب حفاوة الكاتب بالتعبير الكنائي أو الرمزي الذي لا يقاوم القراءة ولا يحول دون استعادة المعنى، لما تقوم عليه الكناية من المجاورة ومن الوظائف التي تعلق بها سواء أكانت إفهاميّة أم إخباريّة مرجعيّة، بل جماليّة أيضا ترجع إلى إيقاع الائتلاف بين المختلفات؛ أي ‘تأليف الغريب’ أو ما يمكن أن نسمّيه ‘جماليّة المفاجأة’.

ومن هذا الجانب فإنّ ظاهرة كهذه أبعد من أن تفسّر بطغيان وظيفة دون أخرى، فثمّة في كلّ هذه النصوص التي تخيّرتها من ‘من أيّام عمران’ مراوحة لا نخالها تخفى بين ماهو ‘جماليّ’ وما هو ‘مرجعيّ’، وليس لنا أن نستثني من ذلك أيّا منها، فالكاتب يصدر في كتابته عن تينك الوظيفتين في أداء الصّورة والفكرة حيث الانتقال من الطّرف الأوّل إلى الثّاني لا يعني إلاّ انتقالا من مرجعيّ إلى جماليّ، إمّا لتأكيد الأوّل وإبرازه أو لإخراجه غير مخرج العادة، بعبارة أسلافنا، أو لذلك كله معا؛ ولكن في تلطّف وعدم إفراط، حتى تحتفظ اللغة بقدرتها على التمثيل والتّبليغ أو ما نسمّيه ‘شفافية التّوصيل’. ومثال ذلك :يوم اللقاء المستحيل ص352

‘نزلت تقول:

ـ كيف ألقاك بعد لياليّ العجاف؟فقام لها في طريقه فارّا إلى الجبال،فوقفا وجها لوجه وقالت:

ـ أين الطريق التي لا نهاية لها فألقاك؟ قال:

ـ لعلّها على اليمين؟ قالت:

ـ أو لعلّها على اليسار؟…’

فهذا النص إنّما يقدحه هاجس الموت بالمعنى الصوفي للكلمة،ولذلك تغدو فيه اللغة في الخاتمة مظهرا للقول والذّهاب رأسا إلى المعنى حيث يلمّ الكاتب وقد أسند الكلام إلى الذات الإلهية، بالصّورة في خطف كالنبض،ثمّ يفصّلها أكثر ليصبّ معناها في قالب محكم من الكلِم واللّغة :’وقال الله: تلك مأساة اللقاء المستحيل بين عبادي في الحياة.لا لقاء إلاّ عندي في اتحاد الفناء بعد الممات.’ .فهذه لغة ذات مرجعيّة صوفيّة لا تخفى نوهي من لطف النّظم الذي يجاري الطّبع إلى معنى تسيغه النّفس أو يرقّق من حواشيها ويصالحها مع الموت على نحو ما نجد في المدوّنة الصوفيّة القديمة. ولا نخال صورة كهذه إلاّ مظهرا لمعنى ناجز تامّ سابق على النّصّ، أو أنّ النّصّ ينشأ بناء على معنى معطى من خارجه وإن كان ذلك لا يحول دون أن ينشئ معنى أو فضل معنى إبّان قراءته.

على حين أنّ نصوصا أخرى تتمثّل نفس الموضوع أي موضوع الموت، ولكن في حيّز التعبير الاستعاري مثل يوم الخلود ص.361:

‘اجلسي إليّ أحدّثك حديث فنائك وفنائي أو تحدّثيني حديث انتفائك وانتفائي.ألم يبلغك أنّ الخلود عَوْد على بدء؟’

أو يوم النزول إلى الأرض ص.362:

‘عمران ودانية: ألا مناص من فناء الحيّ مرتدّا إلى ما لم يكن؟ إلى عبث السماء يهزؤ بالكون على أنغام لحن العدم؟ ألا رحمة من ــــ إن كان موجودا ــــ من الله؟’

أو يوم الجسر ص.367:

‘قالت[دانية]: إذن تتعطّل الحياة ويجيء الحقّ الصّمد.الموت.’

 

فالاستعاريّ في هذه النصوص وأضرابها يفترض معطى من خارج اللّغة أو من خارج القول نفسه. والاستعارة، حسب هذا الإجراء، لا تدرك من حيث هي عدول عن دلالتها اللّغويّة إلاّ إذا وقفنا فيها على معنى هو لا يتعلّق بها، ولكنّه راجع إليها. وهو بما هو ذو طبيعة مختلفة مردّها إلى الاستعمال من جهة، وإرادة المتكلّم من أخرى. وبعبارة أوضح فإنّ إجراء الاستعارة على هذا النحو حيث تتظافر المفردات في صياغة صورة الموت أو الفراق الأبدي، يقتضي شرطا أساسيّا ‘خارجيّا’ هو مااسماه بلاغيّو العرب ‘الأصل’ أو ‘الحقيقة’ أي المادّة الواقعيّة التي لا تستوجب بنية فنّية على حين يستوجب تشكيل البنية الفنّية إعادة بناء هذا ‘الأصل’ أو هذه ‘الحقيقة’ على مقتضى القوانين الجماليّة؛ ومن أظهرها قانون المشابهة أو حسن المحاكاة.وهذا إنّما يكتنه في تقديرنا على ضوء التراكيب بالإضافة عند المسعدي أو التراكيب النعتيّة. من ذلك مثلا ‘عبث السماء’ أو ‘أنغام لحن العدم’ فهذه تردّ إلى فكرة أكثر ممّا تردّ إلى مشابهة، وكأنّها استعارات تقول ذاتها بذاتها.

لعلّ في بعض هذا الذي سقناه ما يؤكّد أنّ قراءة هذه النصوص وغيرها تستوجب ثقافة شعرية وأدبية وفلسفية واسعة وإلماما كبيراً بخلفية النص الأدبي، وهذا ليس بالمتيسّر للقارئ العادي بحكم تعامله مع النص من منظور معياري. فقد لا يخفى أنّ المسعدي لا يتوانى عن ‘تعقيد’ اللغة كلّما نزع إلى التجريد حتّى ليجعل صورها عزيزة الإدراك، و لكنه بقدر ما يعقّدها يغنيها ويكاد يجعلها صورة من اعتباطيّة اللغة أو هي تكوّن نظاما في نظام اللغة وتنطوي على تنظيم داخلي وغرابة غير متوقّعة، بل هي كسر في اللغة لا يختزل وشرخ لا يجبر،كقوله مثلا في ‘يوم الوهاد ‘ص.363: ‘الجبال سماء كاذبة’ أو في ‘يوم البحر’ ص.364: ‘زرقة السماء الصمد’…وربّما كان علينا أن ندرك أنّ الصورة عند المسعدي، ولعلّها من أثر ثقافته الشعريّة الحديثة ذات الأصول الفرنسيّة، يمكن أن تكون تمرّسا باللغة واستكشافا لمدى استجابتها للخيال أو استجابة الخيال لها بحيث لا تقول إلاّ نفسها أو أنّ المعنى فيها ـ إذا كان لابدّ من اعتبار القراءة نتاج المعنى ـ لا يعدو أن يكون حالة أو موقفا من اللغة وافتتانا بقوّة الكلمة على خلق الصورة، وربّما تعذّرت، بسبب من ذلك، على الإدراك.

غير أّنا نقف في مواضع غير هذه على لغة وصور تنهض بنقل المعنى أو تمثيله تمثيلا حسّيا أو ‘قلب السّمع بصرا’، أي جعل الصّوت في خدمة العين، حبث الصّورة ترجع إلى هيئة من شأنها أن ترى وتبصر أبدا. ولا مسوّغ لذلك في الظّاهر سوى أنّ ‘المسموعات تجري من السّمع مجرى المتلوّنات من العين’ بعبارة حازم .ومثال ذلك:يوم تجاوز المدى ص.382 :

‘أغدقتْ عليه الفاكهة ألوانا وأُتيَ عصفا وريحانا…’

ويوم القطيعة ص.387:

‘قال عمران لأمّه، وقد جاءها يوما يبكي كما كان يبكي قديما في مهده:

ــ أيا أمّي أحبّيني…

فعطفت عليه ولا نت يدها على وجهه،وضاءت منها له ابتسامة…’

ويوم الشوق ص.391:

‘قال: عشت عيش الجبال. ونمت على الحديد إلى أن عضّ الحديد لحمي،وكلّمت صدى الوادي تحتي، واتّخذت الصخور رفقة واليراعة نورا، والكهف خلوة…’

ولا نخال صورة كهذه إلاّ محكومة بسلطة المنطوق أوالشّفوي، فما يلتقط سماعا ويدرك في وقعه أو إيقاعه لا يستبين ولا يتوضّح إلاّ إذا ظهر وتكشّف في مجلى الرّؤية أو البصر. أي أنّ احتواء الشّيء المسموع بحاسّة النّظر إنّما هو احتواؤه بالحسّ والعلم والفهم وبالتّوهّم أيضا (انظر اللّسان، ‘بصر’ و’نظر’ و’حسّ’ وما تحيل عليه من معاني علم وفهم…). فيكون للصّورة ما جرى السّمع والبصر في جدليّة واحدة، من سيولة الإيقاع أوماء الشّعر بعبارة العرب ما يجعلها قادرة على أن تجاري الرّؤية في سيولتها.من ذلك قوله ص.392: ‘قال وقد عوى الذئب:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى…’

فهذا استحضار دالّ لشعر اللصوص (الأحيمر الأسعدي)، تعمّد فيه الكاتب أن لا يكمل البيت، واقتصر على النقاط الثلاث المسترسلة؛ وكأنّه يحيلنا بذلك على أنّ المقصود بهذا الاستحضار هو عجز البيت: وصوّتَ انسان فكدتُ أطيرُ.

أو يوم الجسر ص.370 حيث يحضر الموشّح الصوفي. وهذا نادر في أدب المسعدي، لأنه أمسّ بالعاميّ واللغة المحكيّة:

‘ويأخذ الطريق في شطحة مولانا جلال الدين الرومي…وهو يغنّي:

شيخْ من بلدْ فاس رايحْ بين الناسْ

يغنّي: وآش عليّ من الناسْ

وآش على الناس منّي’

ففي هذه النصوص نلاحظ كيف أنّ الإشارة لا تنفصل عن الصّوت ولا الصّوت ينفصل عن الشّيء المرئيّ. ونقدّر أنّ كلاّ من اللغة والصّورة بهذا المعنى لا تعدو كونها ظلاّ للأشياء، ودليلا على واقع شاخص ماثل للعيان، وعلامة على طريقة المعنى؛ والقرينة فيها أشبه بعلامة تُنصب حتّى يُهتدى بها إلى المعنى المضمر ويستدلّ، برغم أنّ غياب القرينة ليس قرينة غياب أي غياب المعنى المجازيّ في شتّى الاستعمالات الرّاجعة إلى ما نسمّيه ‘شعريّة اللّغة’. وما نخال أثر هذه الشّعريّة في لغة مثل العربيّة إلاّ حاسما في صناعة الأدب عند المسعدي، أو في إنشائيّة خطابه. وبالتّالي لم يكن بالمستغرب أن ينيط باللغة وبشتّى الصور والهيئات التي تتخذها، تمثيل المعنى تمثيلا حسيّا يكاد لا يتعدّى الشخوص المتلفّظة التي نجهل جهلا يكاد يكون تامّا ملامحها أو لباسها؛ما دامت وظيفتها من وظيفة المنطوق الذي يتمثل مقصدا تواصليّا أو هو يرجع بالقارئ إلى الحضور التّواصليّ أو ما يسمّيه البعض الذاكرة الموشومة. وبالرّغم من أنّ النص الذي نحن فيه، نص مكتوب، فإنّ ذلك لا يغيّر كثيرا من نمط الإدراك والتمثّل المأخوذ عند الكاتب بسطوة الشعريّة القديمة وسلطتها.

ونقدّر أنّ المسعدي يفترض في كلّ أدبه أو جلّه على ‘المقدّس اللغوي’ افتراضاته الخاصّة ممّا كان له أثر كبير في صياغة مفهوم خاصّ للإيقاع باعتباره تنظيما لحركة الكلام في الكتابة. وقد لا يتسنّى الإحاطة به إلاّ على ضوء أحدث البحوث في الإيقاع كما هو الشأن عند هنري ميشونيك في مصنّفه الشهير ‘في نقد الإيقاع′. و ينهض لها سند من العربيّة القرآنيّة التي لم تعرف التعارض الشائع بين الشعر/النثر على نحو ما نجد عند علماء الإعجاز مثل الباقلاني الذي ينفي مثل هذا التعارض إذ يقرّر أنّ القرآن شعر لا بمعنى القصيدة وإنّما بمعنى الصنعة اللطيفة في نظم الكلام.

إنّ ما نعدّه شعرا عند المسعدي، إنّما هو تحويل شكل لغويّ إلى شكل من أشكال حياة اللغة، وتحويل شكلٍ من أشكال الحياة إلى شكل لغويّ. ولكن في سياق التعارض بين اللغة العادية واللغة الشعريّة وليس بين الشعر والنثر. ولعلّ هذا ما يسوّغ رأينا في أنه ‘أبو قصيدة النثر التونسيّة’

لنستحضر هنا ما قاله ميشونيك من أنّ الروايات العظيمة، هي روايات لأنّها تحمل قصيدا في مطاويها وأنّ الآثار الفلسفيّة العظيمة يجري فيها القصيد هي أيضا. وإذ نعرّف الشعر على هذا النحو، وهو الذي ‘يُعرف ‘ولا يعرّف’ فهذا يفضي بنا حتما إلى نقد التعريفات الشكليّة

والقرآن في هذا المستوى نصّ مثل أيّ نصّ استثنائي، بخواصّه الشعريّة والثقافيّة.

ولكنّ هذا مشكل الدّيني والدّيانات، تلك التي لا ينبغي الخلط بينها وبين العلاقات [التضمينيّة] الخاصّة بالقصيد. ليكن القرآن نصّا دينيّا كما يريد له عامّة المسلمين. ونحن نقدّر أنّ هذا من سوء حظ الشعراء. ولكنّ الأمر جرى هكذا تاريخيّا، ولا نستطيع حياله شيئا على نحو ما نجد عند ميشونيك في كلامه على التوراة. فهذا جزء من النصّ لا فكاك منه. وعلى كلّ فليس هذا ما يعنينا فالمسعدي ــ وهذا وجه جدّة أدبه أو طرافته ــ ينهض بتجديد فكر اللغة، ةومن ثمّ فكر المجتمع، أو لعلّ هذا ما كان يطمح إليه بواسطة نظريّة الإيقاع التي يستخلصها من القرآن والنصوص الذي تدور في فلكه من حيث هي تنظيم لحركة الكلام الذي تؤدّيه ذات متلفّظة خاصّة.