الأربعاء, 11 كانون1/ديسمبر 2019  
13. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

سؤال الكتابة والاجابة الناقصة !

 

 

 

خيري منصور

 

 

 للكتابة اسئلة عديدة وليس سؤالا واحدا بدءا من السؤال التقليدي لماذا نكتب ؟ حتى السؤال الفضولي المتلصص على اسرار مهنة تصاهر فيها المقدس والمدنّس واتسعت للملاك والشيطان وللرب والقيصر، هذا السؤال هو كيف وأين تكتب ؟.

 

وقد مرّ زمن ازدهرت فيه الاجابات على تباين جدواها وجديتها على هذا السؤال، وصدرت عدة كتب منها سير ذاتية وأخرى مُتخيّلة عن طقوس الكتابة، لكن سرعان ما تخطى القارىء هذه المسألة، ولم يعد يعنيه كم هي عدد السجائر التي يدخنها ستيفن سبيندر وهو يكتب كي يخترق حاجز التركيز، وكم هو حجم او لون التفاحة المتعفنة التي يضعها شيلر تحت وسادته، وكم هو عدد جلود الحيوانات التي يفرشها همنغواي في الطابق العلوي من منزله كي يبقى على اتصال بافلوفي مع براري افريقيا .

 

ولم اكن اتصور ان هناك شعراء مشاهير يصدقون مثل هذا الاقتران البافلوفي والطقسي في مجال الكتابة الى ان اتيح لي ان ألتقي تيد هيوز في نهاية الثمانينات من القرن الماضي في العاصمة البنغالية دكّا، وفي مهرجان آسيوي رعاه الجنرال حسين ارشاد الذي كان شاعرا ثم انقلب على الشعر والحرية، يومها سمعت هيوز يطلب من الجنرال ان يتيح له مشهد سلخ نمر، لارتباط هذا المشهد في ذاكرته او خياله بقصيدة يود كتابتها، ولم اشهد ما رغب الضيف الانغلوساكسوني في مشاهدته لأنني لا اطيق رؤية سلخ أرنب او حتى ذبح دجاجة، وحين عرفت فيما بعد ما عانته زوجته سيلفيا بلاث ‘التي انتحرت عام 1963′ من ساديته ادركت على الفور ان هناك بشرا ومنهم شعراء يعيشون ازدواجية جيكل وهايد. والسؤال الاهم من كيف وأين نكتب هو لماذا نكتب، وقد وفرت صحيفة الليبراسيون الفرنسية عام 1985 فرصة نادرة للاجابة على هذا السؤال، حين طرحته على اربعمئة كاتب وكاتبة من مختلف القارات والثقافات، وبادر الشاعر الباقي محمود درويش يومئذ الى اختيار نماذج من تلك الاجابات ترجمتها نجوى بركات في مجلة الكرمل التي كان يرأس تحريرها، وقد تستغرق الاجابة على سؤال اشكالي كهذا كتابا كاملا كما فعل جورج اورويل بمعزل عن سؤال الليبراسيون، لكنها ايضا قد تستغرق ثلاث كلمات فقط كما في اجابة لورنس داريل، الذي اكتفى بوصف السؤال بأنه غبي.

تتيح لنا هذه العملية التي تراوح بين الاستفتاء ومحاولة الكشف مقارنات مثيرة بين الاجابات خصوصا حين يكون من بينها عدة اجابات لكتّاب عرب، منهم نجيب محفوظ ويوسف ادريس ومحمود درويش والطيب صالح وأدونيس.

 

الاجابة الأقصر عربيا هي لأدونيس الميال دائما نحو تضييق العبارة لصالح اتساع الرؤيا، على غرار النفّري في مواقفه ومخاطباته والتي طالما أشاد بها أدونيس، يقول انه يكتب ليدوّن ما قاله الله، اما محمود درويش فيحيل سؤال الليبراسيون الى احدى قصائده وهي حوارية بين المحقق الذي يسأل المغني لماذا يغني؟ فيجيبه لأني أغني!

 

ويستطيع القارىء ان يحزر بعض الاجابات من خلال قراءته لنصوص اصحابها، فعلى سبيل المثال يجيب نجيب محفوظ قائلا انه لم يعد يميز بين الكتابة والحياة ولكي يقول لماذا يكتب عليه ان يقول في اللحظة ذاتها لماذا يعيش، ويجيب توفيق الحكيم على السؤال ذاته بأنه كتب مئة كتاب كي يدفع القارىء الى التفكير لكنه فشل في ذلك، وحين ننتظر اجابة على هذا السؤال من كاتب واقعي كجورج امادو فإن ما نتوقعه على الفور هو الرسالة الاجتماعية والهدف السياسي، وبعكس ذلك يتوقع القارىء اجابة شاعر مثل ‘ألن غنزبرغ’ صاحب القصيدة الشهيرة في هجاء امريكا والمهجوس بقلق ميتافيزيقي، يقول انه يكتب الشعر لأنه ما من سبب لذلك!

 

* * * * * * *

الاجابة التي تبدو واقعية بالنسبة لقارىء يتصور ان الكتاب تحول الى سلعة واخضع لمعايير الكسب هي اجابة وليم فولكنر الذي قال بأنه يكتب ليكسب مالا. أطرف الاجابات وربما اكثرها غرابة هي اجابة مارغريت دورا التي رفضت الاجابة بتهذيب ثم اضافت ان الكتابة في العالم سوف تتوقف عام 2027 أي بعد ثلاثة عشر عاما فقط من الان وليس من تاريخ الاجابة.

 

وتأكيدا لما قلته عن العلاقة السياقية بين نصوص الكتاب واجاباتهم يقدم روب غرييه وهو من رواد ما يسميه سارتر الرواية المضادة نموذجا حين يقول بأنه مضطر لرواية القصص للآخرين بعد ان توقف عن روايتها لاطفاله الذين كبروا وانصرفوا عنه، وهذا التبسيط هو ذاته ما دفع روب غرييه ذات يوم للاجابة على سؤال حول الرواية الجديدة التي يكتبها والتي شهدت انقلابا للمكان على الزمان وللأشياء على الكائنات حين قال ان الرواية هي كما هي الان او كما اكتبها ولا شيء آخر وكأنه يذكرنا بما قاله المتبني قبله بقرون وهو:

‘انام ملء جفوني عن شواردها’

 

وماركيز الذي نشر مذكراته بعنوان معكوس هو ‘عشت لأروي’ لم يجعل الكتابة ندّا او توأما للحياة كما فعل نجيب محفوظ، فقد قال انه يكتب كي يحبه اصدقاؤه اكثر، وهذا ما حدث بالفعل بعد فوزه بجائزة نوبل حين احتفل كل اصدقائه بدءا من فيدل كاسترو بفوزه وكأنه الناطق باسمهم.

 

* * * * * * * *

 

ميلان كونديرا الوريث التاريخي لا الميتافيزيقي لفرانز كافكا والذي حاول ان يعثر على قرائن لواقعية وكوابيس سلفه يقول ان دافع الكتابة وهم سخيف هو شهوة قول ما لم يقله احد من قبل وبالتالي معارضة الجميع ! لكن كونديرا صاحب المقالة الشهيرة والفاضحة لمزاعم الشفافية في عصرنا وهي كثافة الدولة وشفافية الفرد يعيد انتاج كافكا بعد ان يفرغ في نصوصه كل معارضته الراديكالية للظلام الذي تتلألأ داخله نصوصه.

 

انها اجابات تراوح بين تكريس مجانية الابداع وتحريره من كل ما علق به من الزامات لأن الالزام خارجي ومضاد للالتزام الذاتي وبين شحن الكتابة برسالة يحملها الناشر بدلا من ساعي البريد الى المرسل اليه، والذي قد لا يكون موجودا او غيّر عنوانه كما توحي اجابة توفيق الحكيم اليائسة !

 

ولا اظن ان هناك كاتبا في العالم لم يمرّ بخاطره ولو مرة واحدة سؤال الكتابة، لكنه يداوي الداء بالداء، وتكون الاجابة على كتاب ما هي كتاب آخر يضيف او يستدرك او يعتذر، لكن نادرا ما تكون الاجابة على غرار ما قالته فرانسواز ساغان صاحبة الرواية الشهيرة ابتسامة ما وإمرأة في الخمسين، فقد حوّلت الكتابة الى معبود لا يناقش عباده بما يؤدون من طقوس في حضرته.

 

ان اهم ما في هذه البانوراما التي لم تتكرر هو حشد اربعمائة اجابة لأربعمئة من اشهر مبدعي عصرنا وبعد اكثر من ربع قرن مرّ على مبادرة الليبراسيون مات العشرات وربما المئات من هؤلاء، كما ولد مئات آخرون يمارسون الكتابة الآن بمختلف انواعها، لهذا فالسؤال المتكرر لن تكون الاجابات عليه متكررة لأنه اشكالي واجابته دائما مؤجلة لفرط ما تحمله من التباس وقابليات للتأويل !!

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب