الخميس, 12 كانون1/ديسمبر 2019  
14. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 عن الأدب الشعبي ومقوماته

 

 

د.علي حداد

 

 

 

(1)

         يتداول الدارسون العرب لهذا النوع من التجارب الإنسانية الخصيبة مسميات اصطلاحية عدّة، فيسميه البعض ( التراث الشعبي) ويسمه آخرون بـ (المأثور الشعبي)، في حين يستخدم سواهم مصطلح  (الموروث الشعبي ) . و ينأى غيرهم بنفسه عن ذلك كله، فيحبذ المصطلح الغربي ( الفولكلور ) متجاوزاً ما يراه من ترادف في المسميات العربية.(1)

 

وعندنا فإن هذه التعددية في المصطلحات وما يمكن لها أن تؤشره وتكتنفه من آفاق تعبيرية وجمالية مثيرة، إنما تؤكد قيمة هذا العطاء وثرائه، واتساع رقعة ما يتمثله وحيويته.

 

وإذا كنا نتمسك باستخدام مصطلح (التراث الشعبي) الذي تداوله قبلنا أكثر من دارس فمن منطلق أن التراث عامة فاعلية إنسانية متسعة لها حيويتها الممتدة من الماضي، لتتنفس ضوء الحاضر وروحه، بما يجعلها مؤثرة في الوعي والسلوك والاستجابة.(2)

 

وفي هذا الجزء منه المصطلح عليه (التراث الشعبي) ما يتيح للدارس المتأمل الوقوف عند فاعلية إنسانية خصيبة، يراها قريبة في الزمان، حية في البيئة ، تأخذ سمات خاصة، وتنتج حدوداً تعبيرية وفاعلية ذهنية وأدائية، وتفصح عن مستوى من التجارب والفعل الإنساني في حدود بيئية وممارسة لهجية معبرة، فيستنطقها، ويبين عن منجزها الإبداعي بقيمه التعبيرية والجمالية والمواضعات التي أنضجت له حضوره في بيئته الشعبية، ليصبح ـ بالذي نراه فيه وبيقين موضوعي ـ جزءاً أصيلاً ينضوي في إهاب تراثنا . ونحن نتكلم هنا عن تراثنا العربي الممتد على حد الزمان والمكان ، الموسوم بهويتنا القومية ، لا ينال منه ما يجده البعض فيه من مباعدة عن المقومات الكبرى لذلك التراث في موضوعته وأساليب تعبيره عنها. إنه أدب الفئات الأوسع من الشعب ، تلك التي وجدت فيه تحسساً لهمومها ومكابداتها والمعتقد الذي تعايشه ، فأحالته ـ في أحايين كثيرة ـ إلى ممارسة يومية، وأعلنته هويتها، وحصتها من قيم تراث أمتها الأكبر، فصبت فيه مجمل الفعاليات الإنسانية التي تمارسها ، بعيداً عن الثقافة الرسمية وقوانينها واشتراطاتها، فجاء مستوعباً لكل ما ينشغل به الوعي الشعبي ويعايشه سلوكاً وذائقة وأداء في البيئة وسماتها، وما ينتج عنه من آداب وفنون وأساليب عمل وعادات وتقاليد.

 

       يعلن (التراث الشعبي) عن نفسه بحيوية خاصة عبر طرائق تجسيد وممارسات كلامية وصيغ أداء، تتأطر بقيم المكان وأساليب العيش فيه، بما يمنحها ملامح للتميز عن البيئات الأخرى، التي تصنع أدبها الشعبي الذي سيختلف ـ بالضرورة ، لعوامل في البيئة والوضع الاجتماعي ـ عن سواه. وبذا يمكننا أن نركن إلى القول بأن (التراث الشعبي) هو : " كل ما يتصل بالتنظيمات والممارسات الشعبية غير المكتوبة وغير المقننة والتي لا تستمد خاصية الجبر والإلزام من قوة القانون والدستور الرسمي للدولة، أو السلطة السياسية وأجهزتها التنفيذية المباشرة بقدر ما تستمدها مباشرة من خاصية الجبر والإلزام الاجتماعي غير المباشر، سواء ما يتصل منها بالعادات والأعراف والتقاليد والمعتقدات المتوارثة أو ماتفرضه الظروف والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية المتغيرة " (3). وعبر هذه الرؤية يحقق هذا الأفق الإنساني حيوية التواصل معه ليصبح "عالماً متشابكاً من الموروث الحضاري والبقايا السلوكية والقولية التي بقيت عبر التاريخ، وعبر الانتقال من بيئة إلى أخرى ، ومن مكان إلى مكان في الضمير العربي للإنسان المعاصر " .(4)

 

 

(2) 

         لكي تستكمل هذه القراءة أبعادها الموضوعية فلابد من ملاحقة ـ قد تبدو عليها الاستفاضة ـ لما استتب (للتراث الشعبي) من آفاق معرفية وما قدم فيه من اجتهادات بحثية مهمة على مستوى عالمي ومن خلال تداول المصطلح الغربي : (الفولكلور)(5).

لقد أخذ هذا الأفق من العطاء الإنساني مساحة متسعة من الاهتمام، و أنجزت فيه دراسات علمية لا حصر لها، منذ أن أطلق مصطلحه وروج له في مقالات وبحوث وتقص ميداني لما يمكن أن ينهض عليه من مادة  تستوقفه ليتفحصها ويقدم أطروحاته عنها، بما أصبحت الدراسات الفولكلورية فيه مفهوماً " يطلق على التراث الروحي للشعب .. كما يطلق كذلك على العلم الذي يدرس هذا التراث، فهو اسم العلم واسم موضوعه في الوقت نفسه".(6)

       يواجه من يذهب إلى تأمل الدراسات التي اهتمت بالفلكلور بحالة مثيرة من اشتجار المواقف والأفكار واتجاهات الرؤية وجدلها في تبني هذه المفاهيم أو تلك عنه، وعن حدود المادة الشعبية التي تنضوي تحت مفهوميته، وهو ما أنتج مجالات من التنظير في تقديم المسميات وتبويب موضوعاتها على نحو ترك آثاره في الممارسة الميدانية وهي تذهب إلى مناحي العطاء الشعبي، لتضعها تحت مفهوميته أو تخرجها عنه.

لقد رأت بعض الدراسات أن (الفولكلور) أفق متسع لكل ما أنجزته الفاعلية الشعبية وبقي حياً في ذاكرتها، فهو " يشمل كل المعلومات والمهارات والمفاهيم التي يكتسبها الفرد بشكل حتمي، نتيجة لتأثير البيئة التي نشأ فيها، حيث لا يسعى الفرد وراء اكتساب هذه الأشياء سعياً مقصوداً ـ كالسعي إلى التعليم مثلاًـ ولكنه يتشبع بها، وهو لا يخترعها عن عمد، ولكنها تنشأ بشكل طبيعي ، ودونما تكلف أو افتعال".(7) وعلى وفق هذه الرؤية فإن (الفولكلور) مشتمل على كل جوانب الإبداع الشعبي المتمثلة في الأدب بمختلف فنونه ، وفي المعتقدات والممارسات والحرف وأنماط السلوك الشعبي وطرائق تعبير الإنسان في بيئته.

 

وفي المقابل فإن هناك اتجاهاً آخر ـ نميل إلى تمثل رؤيته ـ يذهب إلى تكريس مفهوم الفولكلور لما هو في حدود المنجز الشفاهي وحده، أي في ذلك العطاء الشعبي الذي يستخدم الكلمة أداة لتعبيريته، وهو ما تبنته الاتجاهات الأنثروبولوجية ، ولاسيما المدرسة الأمريكية ، ومن يميل إلى أفكارها(8)، من المتمسكين بفكرة أن (الفولكلور) هو: " دراسة المادة القولية بمختلف أشكالها"(9) ، أو أنه " ذلك الشكل الفني الذي يضم أنماطاً مختلفة من الحكايات والأمثال والأقوال والأغاني والرقص وغيرها مما يستخدم اللغة المنطوقة أداة له ".(10)

وستقود هذه القناعة كثيراً من المتمسكين بها إلى ترديد بعض العبارات التي تحمل في طيات دلالتها تحديداً للفولكلور عن مثل أنه (الأدب الشفاهي)، و(الفن القولي)، و(الأدب غير المدون)، لينتهي يقين أصحاب هذا الرأي إلى القول: بأن (الفولكلور) ما هو إلا (الأدب الشعبي) وليس سواه، ومن منطلق أن هذا الأفق من المعرفة كان في مراحل تطوره يقوم أولاً وأخيراً على دراسة الأدب الشعبي، وأن هذا الأدب : " هو المجال الرئيس لاهتمام دارسي الفولكلور، وأن العادات والمعتقدات (سمات) أو آثار ثقافية كانت مرة ولكنها لم تعد كذلك إحدى مجالات اهتمامه .(11)وعلى ذلك حدد بعضهم مجالات الأدب الشعبي التي يقصدها، فهي عنده: " المرقصات التي تغني للأطفال، سواء لملاعبتهم أو تعليمهم ،وهو الحكايات والأمثال والرقصات والألعاب الشعبية والأغاني التي تغنى في مناسبات معينة. وهو أيضاً الأساليب المأثورة (الحكم والأمثال) التي تنتقل بها معرفة الأجداد والآباء وخبرتهم إلى الأبناء والأحفاد، ومن دون الاعتماد على الكلمة المكتوبة أو الكتاب المطبوع. (12)      

 

وعلى وفق هذه الرؤية فإن مهمة الباحث الفولكلورية الأولى ستكون دراسة الأدب الشفاهي الخاص بالجماعات الإنسانية من دون بقية المواد التي تبدعها تلك الجماعات.

ولعل محض الأدب الشعبي هذه القيمة وعده أس ما يتشكل منه (الفولكلور) إنما يقع في القيم التعبيرية والجمالية التي يعلن عنها وتفيض من إناء تشكلاته المتعددة بعفوية وصدق، كما تتجلى في تلك المقدرة الفاتنة على البقاء، متجدد الفاعلية والتأثير في بيئته، على الرغم من الوسيلة الشفاهية التي يتم تداوله بها، والإصرار على عدم تدوينه أو محدودية ذلك، يضاف إليه اكتنافه لكثير من مجالات تشكل الوعي الشعبي، وفنونه ، بما يمكن عده فيه وعاءً تعبيرياً لمجملها.

         كما حصل مع الفولكلور فإن تحديد مفهوم الأدب الشعبي وما ينهض عليه كان عرضة لتباين في المواقف بين من يراه أدب عاميتها المتوارث ـ بما يسقط عنه أدب العامية الحديث ـع ، والاتجاه الثاني الذي يرى في الوسيلة الفنية (اللغوية) التي ينتج هذا الأدب بها سمته الأساس ، الأمر الذي يجعل كل ما يأتي باللهجة العامية ـ طبقاً لهذا الرأي ـ منظوياً تحت مساحة الأدب الشعبي وتعبيريته ، سواء أكان شفاهياً أو مكتوباً ، وبغض النظر عن السمات المركزية التي تمحض ذلك الأدب هويته الشعبية ، والتي سنتطرق إليها لاحقاً.

 

ويبقى هناك اتجاه ثالث يتجاوز في مفهومه للأدب الشعبي السمات الفنية   ـ ومنها اللغةـ فيراه شعبياً حين يفصح محتواه لا شكله عن ذلك(13)     

وإذا أردنا مناقشة تلك الاتجاهات الثلاثة واتخاذ موقف منها فلعلنا سنكون مع اتجاه رابع ينبني على تأمل أفكارها مارة الذكر وتناول بعض قيمها وطرح بعضها الآخر.

فالقول: بأن الأدب الشعبي هو أدب عاميتها التقليدي ربما لا يتوقف بموضوعية، فيحدد مساحة ذلك الأدب في عاميته ومدى الأهمية التي يمكن له أن يتمتع بها ليثير متلقيه المعاصر أو دارسه، إذ ليس تداوله من قبل بيئته وحده هو ما يمنحه سمة الأهمية، فتلك البيئة تتداول كل شيء من خلال ذلك النزوع الشعبي.

وربما كان في الرأي الذي مثل اتجاهاً ثانياً بعض الوجاهة فقد يتحول الأدب المقال أو المكتوب من قبل شخص ما يعرفه أهل مرحلته إلى مستوى الأدب الشعبي مع مرور الزمن، ولما يتصف فيه من قيم جمالية وتعبيرية، وستكون سبباً في بقائه وتناسي منتجه الأول وعوامل إنتاجه.

وعبر منظار الأهمية والقيمة الذي نضعه منطلقاً لاحترام الذائقة الشعبية وما تنتجه وتنشغل به ، وعلى مساحة اليقين التي ترى الإبداع - سواءً أكان شعبياً أم سواه ـ لا يتحقق وصفه كذلك إلا من خلال التماثل الخلاق بين موضوعته ومنافذ تشكله الجمالي، فإن الاتجاه الذي يفصل بينهما  ـ وهو الاتجاه الثالث ـ لا نعتد به كثيراً للرؤية مارة الذكر. ومن منطلق التواشج بين الفكرة وجمالياتها التي تتجلى مثيرة من خلالها: لغة وعاطفة وتشكلاً من تفاعل الواقع والخيال والتناغم الإيقاعي الذي يحتوي ذلك كله، لعلنا سنذهب بعيداً لنرى في الشعر الشعبي الفاعلية المثلى التي تتجلى فيها النزعة الشعبية وتترسم عوالمها الفاتنة، فالشعر ـ طبقاً لرأي أحد الباحثين الذي نتبناه بعده: " لعب دوراً كبيراً في نقل هذه الموروثات الشفوية ، لسهولة حفظه وتداوله في الألسن ، ولسهولة ترديده بألحان وأهازيج مختلفة ، بخلاف النثر الذي تمثل في رواية الأساطير والحكايات الشعبية والخرافات والخوارق فقط  . وما عدا ذلك من مواضيع التراث الشعبي، فقد صيغت كلها بالشعر حتى الرقص الشعبي منها، والألعاب الشعبية والنصائح ، وفي استعمالات الطب الشعبي التي أدرجت بالشعر في أشكاله المختلفة "(14) .

إننا ننظر إلى الشعر الشعبي ـ بمختلف صياغاته التعبيرية ـ فنعده الصورة المثلى للأدب الموصوف بالشعبية، من حيث حيويته وغناه التعبيري والجمالي والاكتمال المعبر عن عاطفة الإنسان في بيئته وبقيمها ومستلزمات الانشداد إليها، وهو من أكثر فنون الأدب مواجهة لعاديات الزمن التي يمكن لها أن تنال من الذاكرة فتمحو ما تكتنزه، أو تعرضه ـ في أهون الظروف ـ إلى التبدل والتحوير والانتحال .

هذا كله إلى جانب اندساسه المثير في مختلف أنواع الأدب الشعبي التي تأتي في النثر، فمعظم ـ إن لم نقل كل ـ الحكايات والخرافات والأمثال والمواعظ لا تكاد ترد من دون أن يكون للشعر حصة فيها.

 

(3)

         يجمع المهتمون بالأدب الشعبي على جملة مقومات متلازمةـ بمعنى أن ذكر أي منها يستدعي سواها ـ يضعونها اشتراطات موضوعية لتحديد هوية الأدب الذي يمكن له أن ينضوي تحت عباءة الشعبية.

        كان الدكتور ( أحمد رشدي صالح ) من بين أوائل الباحثين العرب الذين اهتموا بالتراث الشعبي.(15) وقد رأى أن أول سمات نصه الأدبي أن يتصف (بالعراقة والحيوية) اللتين أبقيتاه متواصل الحضور في ذاكرة الناس جيلاً بعد جيل، إذ كانت الآداب الشعبية " عامة للجماعات البشرية المتساوية على الفطرة .. وكان ذلك الأدب يكفي حاجاتها الفنية والروحية. وكان شعبياً دارجاً في محتواه ولغته وطرائق تداوله وكان يتداخل مع السحر والدين  والأخلاق والتشريع ولنا ـ دون حرج ـ لأن نؤرخ لهذا الأدب الشعبي العام باستخدام الإنسان اللغة وسيلة للتعبير عن خلجات النفس وإيصال انفعالات الإنسان وخواطره وأفكاره إلى الآخرين، في شكل  أصوات ترمز لها وتلك فترة أقدم بكثير من اختراع الكتابة.( 16)

وكان الباحث الفولكلوري الجاد الأستاذ( حسين قدوري ) من بين من نادوا بسمة العراقة أيضاً بوصفها  إحدى مقومات الأدب الشعبي فعنده أن المأثورات الشعبية: " يعود نشوء معظمها إلى عهد  سحيق من حياة الإنسان.. ولنا أن نجعل بعضها تبدأ مع طلوع شمس وجوده الاجتماعي، وبقيت تنحدر من جيل إلى آخر هي هي لم يتغير جوهرها، وان أصاب التغيير بعض مظاهرها. (17)

وما تعنيه سمة (العراقة) في جوهرها امتلاء الأدب الشعبي بحيوية تعبيرية عالية أهلته لاستيعاب مشاعر أبناء البيئة الشعبية التي هو فيها على مر أجيالهم بما أبقاه ماثلاً في الذاكرة الجمعية لهم ومتناقلاً بواسطة الأداء الشفاهي بينهم على امتداد أزمنة وجودهم.

         تمثل سمة ( الشفاهية ) أساساً في نظر دارسي الأدب الشعبي يجمعون عليها ويضعونها في أوليات توصيفهم له، فما الفلكلور عند كثير من الباحثين الغربيين إلا الأدب الشعبي الذي ينتقل عن طريق الرواية الشفوية ويجمع ( الأنتربولوجيون الأمريكيون ) على قناعة واحدة في كون (الشفاهية) هي الوسيلة الوحيدة التي أتيح للأدب الشعبي فيها أن يتحرك عبر الأزمنة. (18)

وحين يعرف الدكتور ( محمد الجوهري) الفلكلور بوصفه التراث الروحي للشعب فإن الخاصية الشفاهية هي أولى مرتكزات ذلك التعريف عنده. (19)

أما الدكتور ( أحمد مرسي) فتستوقفه تلك السمة وهي تصبح إقراراً ثابتاً يقول به الباحثون الغربيون، فيسعى ـ من وجهة نظره ـ إلى إزالة ذلك التناقض بين  ما استقر في الأذهان من ارتباط الأدب عامة بالكتابة وما تعبر عنه هذه الرؤية فعنده :" أن اصطلاح الأدب  الشفاهي في الثقافة الغربية قد يبدو متناقضاً ذلك لأن الأدب سواء أكان شعراً أم نثراً يرتبط في الأذهان بالكتابة عادة ولكن الحقيقة ـ كما أثبتها الأنتربولوجيون ـ أنه يوجد فعلاً لدى الشعوب غير المتعلمة أشكال عديدة للفنون الشفاهية :كالأساطير والحكايات والأغاني والأمثال  وغيرها من الأشكال التي يمكن أن تجد مقابلاً لها في الآداب المدونة للمجتمعات المتحضرة ". (20)

ويرى باحث عربي آخر هو الدكتور ( صلاح الراوي) أن الشفاهية في التراث الشعبي مرتبطة بداهة بالمادة القولية وحدها: " فلا شفاهية مثلاً في تشكيل المادة أو في الحركة أو في جوانب من الممارسات الطقوسية، فضلاً عن العادات والتقاليد والتصورات ، وغير ذلك من العناصر غير المنطوقة ". (21) وكأنه بذلك يؤكد مدى الترابط بين الأدب الشعبي والشفاهية التي هي وسيلة إنتاجه وآلية الاشتغال التوصيلي الذي تلقفته جيلاً بعد جيل.

وإذا كانت الشفاهية سمة قارة في الأدب الشعبي فأن ما نود مناقشته هنا متعلق بأفق هذه الشفاهية ومدى تأثيرها في إنتاج الأدب الشعبي ومسببات ذلك ، وهو أمر ربما تدفعنا إليه هيمنة السمة (الكتابية) على عصرنا الذي لا يكاد ليحيد عنها في مجمل انشغالاته الثقافية، مع تفاوت المستويات المعرفية بين الفئات الاجتماعية المنتمية إلى زمانيتنا الراهنة.

أفتعني الشفاهية اتصاف البيئة والمرحلة الزمنية اللذين أنتجا ذلك الأدب بالأمية وانعدام الكتابة ووسائلها  تماماً ؟ .

لعل الأمر لا يبدو ـ بصورته هذه مقنعاً ـ فلا يمكن لأحد الادعاء بأن عصور إنتاج الأدب الشعبي وبيئاته كلها هي مما سادته الأمية بمعنى أنها خلت تماماً ممن يجيدون القراءة والكتابة. ونحن نتأمل المنتج الأدبي الشعبي وهو يتراكم في أزمنة ومراحل متلاحقة وينضاف إليه ، وتتسع مساحاته التعبيرية عبر حيوية الحس الشعبي وتفاعله مع وجوده في البيئة وظروفها . فلا شك في وجود كمّ من المتعلمين في تلك البيئات الشعبية وهؤلاء ليسوا في حالة من القطيعة مع أدبهم الشعبي ـ بل مع تراث بيئتهم كله غالباً ـ بمعنى أنهم متواصلون تعبيرياً وجمالياً مع مجتمعهم المحلي من خلال أدبه الشعبي والانشداد إليه بالمستوى نفسه ـ إن لم يكن أكبر منه ـ الذي يقرؤون فيه أنواع الأدب غير الشعبي ويهتمون بها وعلى هذا الأساس نرى أن مبررات عدة هي التي منحت الشفاهية مساحة مؤثرة في تداول الأدب الشعبي ـ ليست الأمية وحدها سبباً فيها ـ مع اعترافنا بمحدودية مجالات التعليم ووسائله التي تجعل الممارسة الكتابية متيسرة لجميع أبناء تلك البيئات الشعبية الفقيرة والمكدودة والمنقطعة في غالب الأحيان عن التواصل مع مستجدات الحياة وأساليبها ، الأمر الذي أعطى للوسيلة الشفاهية مبررات التداول ومشروعيته. ولنا أن نستعيد هنا ما كان عليه الشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام ، فمع مكانة كثير من شعرائه المتميزة ، وتأكد حضورهم عبر انتساب شعرهم إليهم ـ وهو ما أفقده واحداً من الشروط الأساس لكي يكون شعبياً : ( مجهولية المؤلف) التي ستوقف عندها لاحقاً ـ  فإن محدودية وسائل التدوين وصعوبة الحصول عليها جعلت التداول الشفاهي لذلك الشعر السمة الغالبة على ذلك العصر .

إن طموح المبدع الشعبي وهو ينتمي إلى الجماعة مكتنز برغبة الانتشار في بيئته وأن يكون نصه حاضراً على كل شفة فيها ، وهو يجد في (الصوت) ما يحقق له ذلك أكثر من أية وسيلة أخرى. كما أن للبيئة أساليبها في الأداء الصوتي وطرائق الغناء والترنم الذي يسعى إلى تشخيصها في أدبه ولا شك في أن خصائص نصه لن يتاح لها أن تعلن عنها إلا وهي تتمسك بالصوت وسيلة لها.

إن النص الأدبي الشعبي، وبمجرد أن يتخطى عتبة إنتاجه الأولى يصبح ملكاً مشاعاً لكل من يردده من أبناء بيئته ، تحدو منتجه الرغبة في أن يأخذ مداه من الحيوية والتجدد وتواصل الحضور، حدّ التساهل في إجراء بعض التغييرات في مفرداته المؤدية للمعنى ذاته، بل والإضافة إليه عبر حركيته في الزمان وتنقلاته المكانية ، ليأخذ النص الشعبي توصيفه في كونه نصاً مفتوحاً على كل ما يمده بالحيوية والنماء التعبيري من تجليات الحس الجماعي لبيئته. ولعل هذه الفاعلية من الخصوبة والانفتاح التعبيري ما كان لها أن تتحقق لو لم يكن النص الأدبي الشعبي شفاهياً. (22)

        تبرز في الأدب الشعبي جلية سمة (غياب المؤلف الأول) للنص أو مجهوليته. وهي مما تواترت الإشارة إليه في معظم الدراسات الفولكلورية. فنحن لا نقع على أية إشارة لمبدع النص الأدبي الشعبي الذي بين أيدينا، مثلما لا يمكننا غالباً أن نضع الإصبع على المرحلة الزمنية التي صدحت حنجرته بنصه فيها.

ويمكن للمتأمل في جانب من الإنتاج الأدبي الشعبي بأن يراه وليد لحظة في الانشداد التعبيري إلى ممارسة عملية أو تهيج شعوري لهما السمة الجماعية، ليكونا فيه الدافع لأن يأتي النص الأدبي من خلال تلك الفورة التعبيرية المشتركة لأكثر من شخص ، وبما يجعله منتمياً إليهم جميعاً . غير أننا لا نستطيع أن نقول ذلك عن كل المنتج الأدبي الشعبي. فنحن لا نتخيل نأيه عن موهبة الفرد المبدع وجهده ، والتوهج الشعوري الذي اشتجر في ذات متحمسة ، فأطلقته بنبرة مفردة أولى، تلقفها من هم حولها ورددوها بعدها أو معها، لتحال في شفاهم جميعاً إلى تفوهات جماعية مبدعة.

إن الأدب الشعبي ـ وإن بدت عليه سمات الواقعية والبساطة والتمسك باشتراطات البيئة المحلية في تعبيريته ـ مفعم بقيم دلالية وجمالية غاية في الإثارة والإخبار عن فعل الموهبة المتميزة التي لا يمكن تخيل وجودها عند جميع من هم ضمن مكونها الاجتماعي وظرفها البيئي، وإلا سنكون بالضد من الوقائع الإبداعية والممارسات الشعورية التي تضع للذات الموهوبة امتياز أن تصبح قطباً لتعبيرية تتسع دائرة تأثيرها فيما هو حولها ، وبذا يصبح العمل الأدبي الشعبي مجهول المؤلف : " لا لأن دور الفرد في إنشائه معدوم ، ولا لأن العامة اصطلحوا على أن ينكروا على الخالق الفرد حقه في أن ينسب إلى نفسه ما يبدع ، بل لأن العمل الأدبي الشعبي يستوي أثراً فنياً بتوافق ذوق الجماعة ، وجرياً على عرفهم من حيث موضوعه وتشكله . ولأنه لا يتخذ شكله النهائي قبلما يصل جمهوره ـ شأن أدب المطبعة وأدب الفصحى عامة ـ بل يتم له الشكل الأخير من خلال الاستعمال والتداول "(23). وبذا تتساوى فيه حصة المرسل والمتلقي الذي سرعان ما يتحول مرسلاً له ـ وعلى هيئة جماعية ـ متناسياً فيها الشفة الأولى التي ترنمت به وحضور المبدع الأول وملامحه الفردية. وعندها وحين يردد الإنسان الشعبي نصاً أدبياً ـ شعراً أو حكاية أو مثلاً ـ لن يسأل نفسه أو غيره عن مصدره، وشخصية قائله. إنه يردده بيقين أن من قاله أولاً كان يتكلم بلسانه ويعبر عن دواخل شعورية جماعية مشتركة. حتى ليتقمص ذلك المتحدث ـ في أحايين كثيرة وبعاطفة لافتة ـ هيئة القائل الأول وسمته، بادعاء معرفي، يكاد يوحي لمتلقيه أن هذا الذي ينطقه هو نضح تجربته وفعل مكابدته وانتماء تجربته إلى وعيها الإنساني ومقدرتها على البوح.

       تؤدي بنا سمة مجهولية المؤلف في الأدب الشعبي إلى انفتاح هذا الأدب على أفق ( الجماعية ) التي أعلت من شأنه ووضعته في عين التقدير لكل ما يعبر عنه من محمولات دلالية وقيم تشكل أنتجتها وانتمت إليها ذائقة الجماعة ووعيها.

إن تغييب الفرد حالة واضحة التشكل في الجماعات الشعبية لصالح كيانها الأكبر، فهي تنأي بنفسها عن سطوة الفرد ـ قدر إمكاناتها ـ وتتمسك بقيم جماعيتها، وتشترطها على أفرادها . وهي بذلك على النقيض من فكر ( النخبة ) التي ترهن نفسها لسطوة الفرد وتعلي من شأنها، مغيّبة حصة المجموع ودورها، ولاسيما في الوقائع والإنجازات الكبرى ـ الحروب والعمران وسواها من المواقف التاريخية المهمة ـ التي كثيراً ما تم تجيير المتحقق فيها لحساب الفرد وتخليده . و يبدو أن هناك صراعاً دائماً ـ ولكنه غير معلن ـ بين جموع الشعب وتلك النخبة التي راحت تطلق عليهم وصف ( السواد الأعظم ) و ( الرعاع )، أو ( العامة ) في حال أن أرادت أن تذكرهم بتهذيب. أما جموع الشعب فتمارس دورها الإنساني من خلال رفض الفردية وكل ما تعبر عنه من نوازع تسلط ، وترفع يد التمثل الجماعي تعبيراً وسلوكاً، بما يحيل أية ممارسة فردية إلى حالة من التشكل الجماعي، سواء بطرحها إلى خارج ذلك الوجود الجمعي ـ حينما لا تتناسب قيمه أو يجد فيها ما يمكن أن يلحق الضرر المادي والمعنوي به، أو بالتمسك بها وإعلاء شأنها عندما تكون نافعة لأبنائه أو لمعظمهم في الأقل.

ومن خلال هذه الرؤية يمكن الذهاب إلى ما ينهض عليه الأدب الشعبي من قيمية جماعية ينشد إليها  ويعلن عن تفوهاته بها . فعلى العكس من أدب النخبة ـ أدب اللغة الفصيحة الذي تطبعه الذاتية ومكانة المبدع الفرد الضاجة فيه  ـ يتمسك الإبداع الشعبي بما للجماعة من حضور أساس في مجمل ما يتأسس عليه من تعبير ومقيدات فنية ، من دون أن يغيب عن البال أن السمة الجمالية له لا تبرز في ترديده واستعادته على نحو غريزي، أو بنوع من الانشغال الذي لا يمتلك مبررات عميقة التمثل في وعي الجماعة ووجدانها، إذ : " لا يتميز الفن الشعبي عن غيره بمجرد إسناد الأفعال التي يتضمنها إلى ( الجماعة الشعبية ) وإنما يميز هذا الفن أن هذه الجماعة تتجانس في التقائها أو تواطئها أو اجتماعها على إبداعه وتؤكد به تجانسها . وتأكيد التجانس يمثل عندنا بعداً أساسياً من أبعاد وظيفة هذا الفن.. وإذ يقدم المبدع الفرد مبادرته الفنية في إطار النمط التعبيري المعين بتقاليده الفنية المأثورة فانه يعكس توجهات الجماعة واستجاباتها الايجابية والسلبية للكون والواقع ومفرداتهما المختلفة، من خلال صورة أو صور محددة للقيم والتقاليد الفنية التي اختبرتها الجماعة وطرقتها عبر أجيال من مبدعيها وقبولها النقي ذي الحساسية العالية لإبداعهم " (24). وسوف تقود هذه النزعة الجماعية الأدب إلى حالة (ديمقراطية) لها نبلها المتميز حين تمنح الفئات الاجتماعية كلها حصة متميزة.

         يستخدم المبدع الشعبي ( اللهجة ) السائدة في بيئته وسيلة اتصالية يقدم من خلالها رسالته الأدبية ، وتلك واحدة من سمات الأدب الشعبي المهمة التي أطرته بمواصفات أدائية وجمالية لها آفاقها من التنوع وحيوية التجربة، وانشدادها إلى المكان وتعبيرها عن خصائصه وطرائق الأداء القولي فيه .(25) ـ وقبل ذلك ومعه ـ عن الفعل الاقتصادي الممارس في ذلك المكان وأنماطه والمحددات الاجتماعية والاعتقادية، وأبعاد التعالقات الثقافية ومقدار حضورها ونوعيته.

وتتجلى في الأدب الشعبي ـ وهو ينشد إلى قوانين الأداء اللغوي في بيئته ـ جملة من المواضعات التعبيرية التي تمنحه قيمة وتفرداً ، فهو يحقق انتماءه الجغرافي والاجتماعي والتاريخي لبيئته، وبما يمنحه ملامح وهوية ينماز بها عن آداب البيئات الأخرى وفنونها.وهو ـ عبر تلك اللهجة ـ إنما يبرز استجابته لمؤثرات بيئته وقيم التمثل اللفظي فيها، وما يمكن لها أن تعلن عنه من خصوبة أدائية وجمالية ، تصلح للإنتاج الأدبي.

وكتحصيل حاصل لذلك فإن مساحة من الفعل الحيوي المتبادل ـ بين الإبداع الأدبي ولهجته ـ تسفر عن حضورها المثير ، فحين ينال الإبداع وقائله مجالاً للتميز والحضور التعبيري الذي يفصح عن قيمه من خلال اللهجة وتواصل المتكلمين بها مع ذلك الإبداع ـ ترنماً وحفظاً واستعادة ـ تنال اللهجة حصتها من التثبت التعبيري، والتواصل الأدائي من خلال  الأدب الشعبي المتمسك بها وسيلة لتقولاته ، بما يبقيها حية وحاضرة في بيئتها ـ وكذلك في سواها من البيئات اللهجية ـ عبر حيوية الإبداع المستعادة ، وحضوره الدائب.

لقد أتاحت اللهجة الشعبية ـ وهي تنتج أدبها، متمسكة بالأدائية الشفوية وبقيم التمثل الجماعي للنص الأدبي ـ آفاقاً من الحيوية عبر ذلك الانشداد  الحميم الذي يتبادله مع أفراد بيئته، وامتلائه الشعوري والأدائي بما يشغلهم ، حد منحهم فرصة الادعاء بأن كلاً منهم هو منتجه وصانعه، والمتمكن منه، بما يشرعه له من إمكانية التمثل والتعديل والإضافة ، وهو يستجيب لمشاعر الفرد ويتماهى معها. ويقترب من مقدراته المعرفية والمتاح له من الوعي والإمكانات الثقافية ذات المقدار الذي لا يكاد يتفاوت كثيراً بين ما يمتلكه أبناء تلك البيئة وما يعلنه النص منها.

وعبر انفتاح اللهجة على سواها من اللهجات التي تستوطن الإقليم الواحد، أو تتحرك في آفاق مكانية متقاربة، أتيح للنص الأدبي الشعبي أن يتحرك بحيوية واستجابة بين لهجة وأخرى، وبما أمده بحيوية مضافة وانفتاح تعبيري متسع، وصنع له روايات شفاهية متعددة ، في إضافات لهجية تستجيب لقيم النص المثيرة من جهة ولاشتراطات الأداء اللفظي في بيئتها من جهة أخرى.

ولعل تلك واحدة من تمايزات الإبداع الأدبي الشعبي ونصه ، فحين ينغلق النص المكتوب باللغة الفصيحة على واحدية التشكل اللفظي المنتمي إلى مؤلفه وحدود وعيه اللغوي وإمكاناته امتلك النص الشعبي ـ عبر شفاهيته  ـ حركيته المشرعة أبوابها لقراءات متعددة تستجيب لمواصفات المكان اللفظية ، وتحقق له ـ بقبول تعبيري وتواضع أدائي ـ صوراً متعددة، هي في حقيقة أمرها التلونات التعبيرية التي أمدته بها سيرورته في الأمكنة والأزمنة التي أتيح له أن يعايش فاعليتها.

         يحيلنا أمر اللهجة وفاعليتها في محض الأدب الشعبي مواصفاته اللفظية والقيمية الخاصة إلى تأشير حدود سمة أخرى فيه، تحدث عنها أكثر من باحث فولكلوري ، تأتي في سياق تحديد ( مجتمع الأدب الشعبي) وتوصيفه المكاني الذي يتحقق فيه وينتمي إليه، حيث يولد ويترعرع وينضج ويعطي أكله التعبيري الخصيب، وهو أمر يمكن تمثله في السؤال الآتي:

ـ ما مجتمع الأدب وبماذا ينماز عن سواه ؟ و هل ينحصر في حدود مجتمعية خاصة لا يند من خلالها إلى غيرها ؟. ويلحق به سؤال آخر يصب في مساحة التحديد الإجرائي الذاهب إلى الأدب الشعبي، عبر تأمل المؤثرات المكانية ـ بتوصيفاتها الاجتماعية والثقافية ـ في صيرورة ذلك الأدب، وما يمكن له أن يؤول إليه ، فما الذي يحققه المكان بمواصفاته الخاصة والمباينة اجتماعياً ـ وكذلك في طبيعة العمل ونوعيته ـ من حضور مؤثر في مسارات إنتاج الأدب الشعبي وشيوعه ؟ .

يرى الدكتور ( أحمد مرسي ) أن هذه القضية غاية في الأهمية عند دارسي الفولكلور . و يناقش المسألة من زاوية ما وضعه بعضهم من ربط لمفهوم الشعبية بالمجموعات الريفية وحدها. فيرد عليه بقوله: " إذا قبلنا هذا المفهوم الضيّق للشعب فإن علينا عند التعريف أن ننتهي إلى أن ساكني المدن الحاليين لم يكونوا يوماً من الشعب أو أنهم أصبحوا يشكلون مجتمعاً خارج إطار الشعب.. وأنهم ليس لهم فولكلور".(26)

ولا يغيب عن بال الباحث وهو يقارن بين سكان المدن والفلاحين ـ سكان الريف ـ أن يرد على تلك الفكرة القائلة : " بأن المعاصرين ينسون فولكلورهم يوماً بعد يوم، وأنهم لا ينتجون شيئاً جديداً يمكن أن نسميه فولكلوراً "(27)، ولاسيما في المدن، وهي الفكرة التي يراها غير صحيحة وغير علمية، إذ التراث ـ في حدود الإقليم الواحد ـ طبقاً لرؤية الباحث ـ يكاد يكون مشتركاً في الغالب عليه، وهو ما يعبر عنه بقوله: " إن الفلاحين ـ مثلاً ـ أكثر قدرة من غيرهم على أن يحتفظوا لمدة أطول بالعادات والأغاني والحكايات، وما إلى ذلك، وان يتذكروها أكثر من ساكني المدن، حيث تنشأ أشياء جديدة كل يوم، يتم قبولها والتعامل معها بسرعة. و لكننا يجب أن ننتبه إلى أن ما يحتفظ به الفلاحون ليس ملكاً لهم وحدهم تماماً، فهم يشتركون فيه مع الآخرين ".(28)

        يؤسس الدكتور( أحمد رشدي صالح ) رؤيته من منطلق تأمله للأدب الشعبي المصري الذي يراه مجسداً في نمطين ـ أداتهما التعبيرية هي اللهجة الشعبية، فيسمي أحدهما الأدب الشعبي ، وهو عنده أدب القرية، ويطلق على الآخر اسم ( الأدب العامي) ، ويحصره في أدب المدينة المكتوب باللهجة المحلية.

ولا يفوت الباحث أن يضع أولاً جملة من المحددات لرؤيته في هذه المسألة، بدءاً من التأكيد أن " موطن الأدب هو مراح استخدامه وقبوله" (29)، وأن ما يحق لنا وسمه بالأدب الشعبي هو ذاك الذي يتمثل مجموع السمات المؤكدة للهوية الشعبية :  الشفاهية ومجهولية المؤلف والتوارث . و من خلال ذلك يصل إلى تحديد المجال البيئي والاجتماعي لكلا الأدبين: الأدب الشعبي، والأدب العامي حيث موطن الأول القرية، إذ هو أدب الفلاحين وموطن الآخر المدينة، كونه الأدب المذاع بوسائل النشر الحديثة.

ومع قوله بوجود حالة من التداخل بين الأدبين فإنه يضع حدوداً للتمايز بينهما، ابتداء من الفئة أو الطبقة التي أنتجته، فإذا كان الأدب الشعبي هو ما جاء من بيئة الريف وعلى ألسنة الفلاحين فإن الأدب العامي هو من إنتاج الطبقة الوسطى في المدن الكبرى.

و يردد الأدب العامي بعض الأفكار والنزعات الوطنية القادمة من الخارج، ولاسيما أوروبا، في حين ينبت الأدب الشعبي إلى مشكلات الإنسان الريفي ومشاعره وانشغالاته. ويأتي الأدب العامي بأسلوب يكاد يقترب من اللغة الفصيحة في كثير من مفرداته وصياغاته.أما الأدب الشعبي فهو منشد إلى لهجة بيئته تماماً.

ومن خلال القضايا التي يعالجها الأدبان، يرى الباحث ن الأدب العامي منشغل بقضايا مباشرة وهموم يومية لا تكاد تمنحه مساحة من التضمينات الأسطورية والخرافية، كما هي الحال في الأدب الشعبي.(30)

          تستوقف الشاعر (عبد الله البردّوني) الخصوصيات التي تطبع التراث الشعبي بالفروق بين المدينة والقرية ، فيجعل عيّنة تفحصه ما تتوافر عليه البيئتان من أنماط الغناء الشعبي فيهما الذي يؤشر اختلافه البيّن، فحين تكون حصة المدينة من ذلك الفن الشعبي بحدود يصفها البردوني بأنها " اقرب إلى التفكه، أو أقرب إلى التلطف " (31) تأتي أغاني الريف مفعمة بقيم مجتمعها وهمومه: " لأن حياة القرى مزيج من الصفاء والمكابدة، ومن الفطرية النقية، ومن تعقد الموروثات واضطرابها مع الطوارئ الجديدة . وقد لاحظنا أن اغلب أغنيات الريف تعبر عن معتقدات وعادات " (32) ، وهو ما تطيل أغاني المدن الوقوف عنده غالباً. ويرد البردوني ذلك الاختلاف إلى طبيعة متلقيي الفن الشعبي وتمايزهم بين البيئتين، إذ " يتكون جمهور المدينة فنياً من أربعة جماهير : جمهور السياسة، جمهور التجارة، جمهور الثقافة، جمهور اللهو، أما جمهور الكدح فموزع على الأربعة . على حين يتكون الريف فنياً من جمهور واحد، وإن تفاوتت طبقاته اقتصادياً كل الجمهور يعمل في الأرض، وينتظر المطر ويرتقب الحصاد، ويعارك التراب والصخور، ولهذا يغني لكل ما يخضر على التراب، ولكل إيناع ولكل بارق " (33).

إن تأملاً للذي مر ذكره وسواه مما استوقف الباحثين الفولكلوريين بصدد هذه المسألة، قد يمنحنا فرصة أن نقول بوجود أكثر من بيئة تنتج التراث الشعبي وبخصوصيات خاصة ، سوى هاتين البيئتين ( القروية والمدينية )، إذ يمكن إضافة بيئتين أخريتين هما: البيئة البدوية والبيئة الساحلية التي تعايش البحر وترتبط بتعالقات وجودها الاقتصادي وقيم الممارسة الاجتماعية معه، وبذا يصبح لدينا أربع بيئات جديرة بالتفحص لمجمل الفعاليات الإنسانية فيها، ومن أبرزها الخصوصيات الادائية في الكلام وأساليبه وحدوده اللفظية ربما كان المبرر في المعاينة الدائبة التي استوقفت الباحثين لثنائية( القرية – المدينة ) وحدها منطلقاً من حالة اللا خلاف على كون البيئات الثلاث : ( الريفية والبدوية والبحرية ) تنتج تراثاً يجمعون على وسمه (بالشعبية) التي عرفها أحد الباحثين بأنها : " محدد نوعي للجماعة المتصفة أو الموصوفة بها، موقفاً عاماً وتجليات ثقافية وفنية " (34) ، كما أن مفهوم ( القرية ) يكاد يشمل هذه البيئات جميعها كون مجتمعاتها عبارة عن تكوينات إنسانية متجانسة تتمسك بصلات القرابة غالباً، وتعيش علاقات اجتماعية متصلة بتلك الروابط التي تشدها إلى بعضها، متمسكة بممارسات وقيم ومعتقدات وتأسيس ثقافي مشترك، الأمر الذي سيجعل تلك البيئات تنتج ( تراثاً ) يتوافر على جملة الاشتراطات التي تجعله (شعبياً).

وستبرز أنصع تشكلاته في (الأدب) الذي تترنم به شفاه أبناء تلك البيئات بفاعلية شعورية تكاد تكون واحدة أو متقاربة في أدنى التصورات.

ومن خلال ذلك يمكن الركون إلى تلك المعاينة التي تضع التراث الشعبي ـ ومنه الأدب ـ الذي تنتجه تلك البيئات بإزاء ما للمدينة، والذي أخذ توصيفه غالباً بأنه ( أدب عامي ) وهو ما نجده جديراً باستيقاف رغبة التأمل وإبداء تصوراتنا عنه، التي نبدؤها بلفت الانتباه إلى ضرورة عدم الاتكاء على الدراسات الغربية وما قدمته في هذه المسألة، إذ حين يتحدث الفولكلوري الغربي عن ثنائية ( المدينة ـ القرية ) فإنه منتم إلى يقينه بالتفاوت بينهما، وطبيعة المشغلات السلوكية والقيمية التي ينماز فيها مجتمع كل منهما عن الآخر، حتى لا مجال للمقارنة ـ بحثاً عن مساحات التقارب ـ بينهما ، أما في واقعنا العربي فإن المسألة تأخذ مساراً مغايراً ، حيث تواجهنا حالة الانشداد والتداخل بين مجتمعي ( القرية والمدينة )، وما يتحقق من تأثير بيِّن للأول في الآخر، حد أننا لن نجانب الصواب إذا ما رددنا هنا تلك المقولة الشائعة في ثقافتنا العربية المعاصرة من أن مدننا العربية ما هي إلا قرى كبيرة، بما يحتكم إليه أبناؤها من قيم وسلوكيات وممارسات تعبيرية ـ أدباً وفناً ـ لم تستطع كل المنجزات العصرية والحضارية المتداولة فيها أن تخفي وجه القرية وأخلاقياتها وما ينتمي إلى عوالمها.

 

إن أبناء المدن العربية ـ في الغالب عليها ـ هم خليط غير متجانس جاءوها من البيئات الأخرى التي مرت الإشارة إليها، وهم محملون ـ بما أصبح في بعض صوره ـ سلوكاً غريزياً لما هو سائد في تلك البيئات من فاعليات إنسانية، سيكون للتراث الشعبي حضوره المعلن فيها، بالدرجة التي تجعله يزاحم كثيراً مما في المدينة من قيم وإنتاج ذي طبيعة حديثة في مختلف مجالات الحياة المدينية ومنها الأدب، ولاسيما ما كان منه متداول باللهجة المحلية السائدة في المدن العربية، والذي تتبناه المؤسسات الثقافية فيما يقدم عبر وسائل الاتصال والإعلام الحديثة.

إن كثيراً من أبناء المدن العربية يعيشون في حالة من ازدواجية التمثل القيمي والسلوكي، بين حس (مديني ) وآخر يسحب وعيه إلى حيث الانتماء البيئي الأساس الذي قدم هو منه، أو قدم أسلافه، ذلك الانتماء المتأصل في نفسه

 و سلوكه. و هو ما حدَّ ـ في أحايين كثيرة ـ من مقدرة الفرد على استقبال مستجدات الحياة العصرية واستيعابها.

ومن خلال هذه السلوكيات متداخلة المصادر وما تعكسه على الفعاليات الثقافية التي يتداولها أبناء المدن والتي بدت ـ في تشكلها الأدبي والفني ـ متداخلة المقومات بين ما هو تراث شعبي، وما هو فاعلية جديدة أتيح لها أن تتطلع بإحدى عينيها إلى ذلك التراث وبالأخرى إلى ما تعايشه المدينة من مستجدات وفاعلية إنسانية. لتنتج أدباً ـ باللهجة العامية غالباً ـ راح يأخذ من حصة الأدب الشعبي في الأذهان والنفوس، ويحل محله في اهتمامات الفرد المديني وذاكرته، بما يتجلى فيها من تعبيرية جديدة، ربما تحولت مع مرور الزمن ـ وهي تتردد على الألسن وتستقر في الذاكرة والنفس ـ إلى تراث شعبي يمثل تلك البيئة المدينية. و عبر هذه القناعة لن نكون مع القائلين بأن المدينة لا تنتج أدباً شعبياً.

لقد مثل الأدب الشعبي في أي من بيئاته حاجة إنسانية وتواصلاً إنسانياً مع البيئة ومؤثراتها في النفس والوعي والفاعلية التعبيرية وحين ظهرت وسائل الاتصال الحديثة وأدوات اللهو والتسلية المتنوعة، فضلاً عن طرائف التربية والتعليم، ومستلزماتها المكتوبة وأدواتها المختلفة أثرت في مساحة التعامل مع التراث الشعبي عامة ومنه الأدب ـ ليس في المدينة التي تبدو فيها الصورة جلية ـ فقط بل في البيئات الأخرى جميعها، بما نال من صداح الإبداع الشعبي وفاعليته التي كانت ـ قبل خمسين سنة أو اقل من ذلك ـ ذات حيوية لا تجارى حينها.

إن التصور الذي يردده بعض الباحثين  ـ من أن المدينة لا تنتج تراثها الشعبي الذي يمكن محضه شيئاً من الاهتمام ـ لا يمتلك المصداقية كلها. فمثلما لا يمكننا القول إن البيئات الأخرى قد جف نبع العطاء التراثي فيها، تكون الحال في المدنية كذلك فهي تصنع الوقائع الكثيرة بإزاء منجز تراثي له مجمل سمات التراث الشعبي. ولكننا لا نلاحظ صيرورته ومسارات تشكله إلا وهي بحدود تبدو لنا ضيقة، وغير لافتة لعين التأمل بسبب أننا ننظر إلى منجزها ـ نوعاً ومقداراً ـ من خلال عين الموازنة بينها والتراث الشعبي الذي تراكمت أمثلته في مسيرة متواترة عبر حركية للزمان والمكان أخذت مداها كاملاً، حتى وصلت إلينا بهذا الامتلاء النوعي والكمي الذي هي عليه.

إن من يمعن النظر في الواقع الشعبي الذي تعيشه فئات اجتماعية متعددة في المدن العربية سيجدها وهي تواصل إنتاج أدبها الشعبي، وبمواصفات صحيحة الانتماء إلى قيمه(35) ـ وإن بدا بحدود ضيقة ـ ولكنه في كل الأحوال نتاج وجودها الإنساني ومكابداتها لظروف حياتها وانشغالاتها  فيها، وحسها الصادق في تلمس المساحة التعبيرية المخبرة عن ذلك كله.

         ننظر إلى ( الإيقاعية ) على أنها واحدة من السمات التي يتصف بها الأدب الشعبي. ونقصد بالإيقاعية، نسيج التلاؤم بين الألفاظ وما تحمله من معنى، وتألفهما وتناسق التعبير واحتكامه إلى فاعلية صوتية مؤثرة، لعلها ـ عند مبدع الأدب وكذلك متلقيه ـ مقدرة الأداء الصوتي الأمثل الذي لم يكن للفكرة أن تأتي على ما هو أفضل أداءً منه . كما نرى تلك السمة دالة على قيمها في ذلك الاحتكام التعبيري المتناسق والمترابط في وحداته البنائية وجمله الدلالية.

وعلى ذلك فإن الإيقاع حالة تعبيرية وجمالية تنتظم الأدب الشعبي بكل فنونه ـ وليس الشعر وحده ـ وهو ما تبنته دراسات متعددة ذهبت إلى تفحص مجمل فنون الأدب الشعبي في نظامها الدلالي وتسلسل وحداته. (36)

إن ما يتحقق للأدب الشعبي بعامة ـ سواء أكان شعراً أم نثراً ـ تلك التمثلات الإيقاعية التي لا يمكن تخيله بدونها، إذ هي قارة في بنيته بفعل قيم شعورية وانفعالية لها طابعها الأدائي الذي تتبنى الإفصاح عنه عبر فاعلية صوتية لها طرائق أدائها المحددة التي ترتبط بسمة ( الشفاهية )، ليكون تقديم هذا الأدب من خلال المقدرة الصوتية وطرائقها الأدائية .  وبذلك ينضاف إلى البنية الإيقاعية للأدب الشعبي إيقاع آخر يبرز وجود هذا الأدب صوتياً ، ويتجلى في التقديم وأساليب الأداء الصوتي والحركات الإشارية والجسدية المصاحبة له ، والدرجة التي يمتلكها صوت المترنم أو المتحدث في سكناته ومجالات الوقف، وغير ذلك من طرائق التقديم.

        إذا كنا قد عددنا الشعر الشعبي أبرز مجالات الأدب الموصوف بتلك السمة وأكثرها التماساً لقيم الروح الشعبية وحضوراً في الوعي الشعبي بعامة ـ كما هو حاضر في مجمل  الممارسات الأدبية الأخرى  ـ فإن الحديث عن السمة الإيقاعية لا يكاد يكون له من التشخيص كما هي الحال عليه فيه.

إن للشعر الشعبي إيقاعاته المنضبطة على وفق قياسات موسيقية تختلف عن إيقاعات الشعر الفصيح وأوزانه في كثير من تشكيلاتها ، وهو أمر يضع في الذهن تساؤلاً عن مصدرية تلك الإيقاعية المغايرة والمسببات التي جاءت بها على تلك الصيغ، وهي تعايش الموسيقى والإيقاعات الشعرية الفصيحة في البيئة العربية ذاتها، وتنظر إليها بعين التقدير المؤسسة على قناعة تامة في وعي الإنسان الشعبي ونظرته إلى اللغة الفصيحة ـ وما تحقق لها من انجازات تعبيرية وأشكال جمالية، وقيم ثقافية واسعة ـ على أنها أفضل من هذا الذي بين يديه من الثقافة الشعبية وأرقى في المستوى والتأثير، كون اللغة الفصيحة وآدابها ممثلة لكثير من قيم الثقافة العربية العليا المرتبطة بالكتابة، لتكون أداة التعليم والدرس المعرفي في مختلف مجالاته، والوسيلة التي ترقى بوعي الفرد الشعبي ـ إذا ما أتقنها ـ إلى آفاق الثقافة الأوسع والانجاز المعرفي الأرقى.

لقد أنتج الحس الشعبي العربي ـ في عصوره القديمة ـ تلك الخصوصيات الإيقاعية التي جاء عليها الشعر العربي المكتوب بالفصحى في أوزانه الشعرية المعروفة، عبر مسيرة من التطور والإضافات والتذوق الجمالي ـ الذي ربما بدا عند العربي فاعلية غريزية ـ حتى استقرت تلك الإيقاعات على ما هي عليه وتداولها الشاعر العربي في مراحل النضج التي تحققت لها، وإذن فهذه الخصوصية الإيقاعية التي يتصف بها الشعر العربي  ـ وهي علامته الفارقة عن شعر الأمم الأخرى ـ نتاج معايشة شعورية وذوقية  لتعالقات ذات الإنسان العربي مع كل الذي حوله، وليس لأحد ـ من الشعراء أو سواهم ـ أن يدعي إبداعه لها. وهو ما يمنحها السمة الشعبية.

وهنا يستعاد التساؤل ثانية: ما الذي تغير في ظرف الإنسان العربي الشعبي وتحسسه لما هو حوله من ظروف مكانية ومؤثرات وجوده الإنساني،  فراح ينتج إيقاعات شعبية جديدة غير تلك التي توارثها عن أسلافه في اللغة الفصيحة وتجذرت قيمها التعبيرية في بيئته العربية، حتى أصبحت سمة لها ؟ . ربما سيقال أن البيئة التي أنتجت ـ من بين ما أنتجته ـ تلك الإيقاعات الشعرية الخاصة هي الجزيرة العربية ، وبواديها خاصة ـ بما هي عليه من خصوصيات مؤثرة للظرف المناخي وطبيعة العمل الذي يمارسه الإنسان، وما يستدرج إليه من انشغالات وطرائق تعبير عن الذات ونوازعها الشعورية .

ولكن تلك لن تكون إجابة يقينية قاطعة، لاسيما حين نجد أن هذه البيئة ـ البادية- قد أسست لأنماط من الأدب الشعبي خاصة بها، لعل الشعر البدوي أبرزها، ذلك الذي ستكون له إيقاعاته وأنظمته التعبيرية التي تباعد ما بينها والشعر الفصيح في الغالب من تشكلاتها الادائية. مع أنها نتاج بيئة واحدة معه.

وستكون هذه الحقيقة هي ما يحابه القائل بتأثيرات الممارسة الاقتصادية وأساليب العمل وطرائقه التي يقوم بها الإنسان في بيئته في طبيعة الممارسة الأدبية والفنية ـ ومنها الشعر ـ التي تنهض برغبته في التعبير عن وجوده الإنساني.

وعلى هذا الأساس فلم يبق أمامنا إلا القول بتأثيرات اللهجة المحلية ومقاييسها في التعبير ـ بمستوييه اليومي المباشر أو الفني الذي تتمثل أعلى إمكاناته في الشعر الشعبي ـ وقيمها الصوتية في إنتاج تلك الإيقاعات، لاسيما أن اللهجة الشعبية  ـ بمختلف صورها في البيئات الشعبية ـ تأتي خالية من الحركات الإعرابية، بما يمنحها مساحات لفظية وأدائية ربما جانبت ـ في الغالب عليها ـ اللغة الفصيحة. وهو ما لا يتيح للأوزان الشعرية المتداولة في هذه اللغة إمكانية لممارسة المستوى الإيقاعي نفسه مع اللهجة المحلية.(37) وسيقود ذلك ـ على وفق ما نتصوره ـ إلى سبب ثان متصل بما مر ذكره، ذي طبيعة نفسية، يتأسس على نزوع الفرد الشعبي إلى تحديد ملامح هوية إيقاعية خاصة به يواجه بها سطوة اللغة الفصيحة وترانيمها ( أوزانها ) الشعرية، ويؤكد مقدرته على أن يصنع ما يتمثل مشاعره ومقومات وجوده الإنساني في بيئته.

وتستوقفنا مسألة لاحقة ـ ربما يمكن عدّها سبباً ثالثاً في هذه المجادلة لخصوصية الأداء الشعبي في إيقاعاته ـ وتتمثل في حالة التصاقب بين الشعر الشعبي والغناء ، حداً يندر فيه وجود أنواع من ذلك الشعر بعيدة عن الفاعلية الغنائية . يقول البردوني : " إن الملكة الغنائية أولى الأصالات الفنية في الإنسان.. فكل إنسان مخلوق غنائي، لأن الغنائية فيه من طبيعة المهد الذي استقبله بالوشوشة والزغاريد. بل ومن طبيعة المنبت الأمومي.. ومن الملكة الغنائية الصوتية، أو النفسية تتفرع كل الملكات "(38). وكان الرصافي قد سبقه إلى القول بأن الغناء ـ ومثله الرقص ـ غريزة من غرائز النفس البشرية، مثلها مثل النطق (39)، ليصل إلى القول بكون الشعر نتاجاً لالتقاء هاتين الغريزتين:" فإن النطق وهو أسمى مظهر من مظاهر الشعور، لما اقترن بالغناء تولد الشعر" (40)، وهي الفكرة ذاتها التي قالها الزهاوي حين رأى أن الشعر والغناء :" شقيقان قد تولدا من إحساس واحد " (41)، ولعلها سمة تميز الشعر الشعبي عن الفصيح الذي لم يقف شعراؤه طويلاً لتأمل هذه الصلة.

لقد تطور الغناء الشعر الشعبي وصنعت فيه أنماطا وصياغات تعبيرية لا نكاد نجدها إلا فيه. كما أمدّ الشعر الشعبي الغناء بفاعليات من التشكل في أطوار وأشكال أدائية مؤثرة، فتحقق بينهما مستوى من الترابط الخصيب الذي صار سمة للشعر كما هي للغناء، " فأمست الأغنية الشعبية متميزة بكونها تحتوي على عنصرين أساسيين يندمج كل منهما في الآخر، ليشكلا وحدة متكاملة: النص الشعري واللحن الموسيقي بكافة مقوماته "(42). ومثله فلم يعد ممكناً الإحساس بطاقة النص الشعري وعمقها الشعوري مؤثراً، مجردة من إيقاعات اللحن الموسيقي وأنغامه، والشجن المعبر عنه في صوت من يؤديه ليمسي النص ـ في الشعر الشعبي ـ عاطفة مؤججة طرفاها الكلمة المفعمة بالتعبير الصادق ، والأداء الممعن في تلمس أقصى الإمكانات الموسيقية في تقديمه إذ : " إن الأراجيز الشعبية تنبت من الأرض ، كالزروع والرياحين، وينظمها النزوع الإنساني إلى الخلق، لكي يعيد صياغتها من فوضى الرياح إلى قانونية الفن الغنائي".(43)

 

الهوامش:

(1) يذهب المهتمون بالتراث الشعبي من الباحثين العرب إلى استخدام المسميات جميعها

       بيقين أنها مترادفة في الدلالة على مفهوم واحد. ولتأكيد جانب من ذلك نشير إلى

      بعض من عنوانات كتبهم:

            - من تراثنا الشعبي، عبد الحميد العلوجي.

            - مدخل إلى دراسة الفولكلور الكويتي. د صفوت كمال.

           - المدخل إلى الفولكلور العراقي ، عبد الحميد العلوجي.

            - علم الفولكلور ، د. محمد الجوهري

             - في علم التراث الشعبي، لطفي الخوري.

             - في التراث الشعبي اليمني ، حسين سالم باصديق.

             - مقدمة في علم الفولكلور ، احمد علي مرسي.

       وتصدر  منذ سنوات طويلة في العراق مجلة باسم (التراث الشعبي) كما تصدر في قطر

        مجلة باسم (المأثورات الشعبية).

(2) يعرف علماء الاجتماع التراث بأنه: " مجموعة النماذج الثقافية التي يتلقاها جيل من

      الأجيال السابقة، وهو من أهم العوامل في تطور المجتمعات البشرية، لأنه هو الذي

      يدفع المجتمع إلى السير خطوة جديدة في سبيل التطور، ومن دراسة ذلك التراث يصل

     العلماء إلى التجديد والابتكار. وكل فيلسوف وعالم وفنان مدين في تجديداته

     ومبتدعاته إلى الإرث الذي يمكنه من تلك التجديدات . ( نخبة من الأساتذة، معجم

     العلوم الاجتماعية، القاهرة 1975، ص139 ).

(3) حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية ، بيروت 1986، ص71.

(4) فاروق خورشيد، الجذور الشعبية للمسرح العربي، القاهرة 1991م ، ص31.

(5) يتفق دارسو الفولكلور على ترجمته إلى (حكمة الشعب) ويؤرخون لظهوره

       الاصطلاحي بمنتصف القرن التاسع حين استخدمه ( وليم جون تومز) لأول مرة وصاغ له

        مفهومه ومحتواه من دون أن يكون ذلك بداية لجمع المادة الشعبية، فقد كانت

        هناك جهود كثيرة متقدمة على التداول للمصطلح يشار منها إلى ما قدمه الأخوان

       ( جريم ) في  هذا المجال.

(6) محمد الجوهري ، علم الفولكلور ، القاهرة 1977، ص13.

(7) أحمد علي مرسي مقدمة في علم الفولكلور، القاهرة 1981م، ص16. وينظر مصدره.

(8) المصدر نفسه وينظر مصدره.

(9) المصدر نفسه.

(10) المصدر نفسه، ص411.

(11) المصدر نفسه، ص08 ،وينظر مصدره.

(12) المصدر نفسه.

(13) أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي، القاهرة 1971، ص91.

(14) حسين سالم باصديق في التراث الشعبي اليمني، صنعاء 1993، ص51.

 (15) صدرت الطبعة الأولى من كتابه ( الأدب الشعبي ) عام 1954م.

 (16)احمد رشدي صالح، ص22.

(17)حسين قدوري لعب وأغاني الأطفال في الجمهورية العراقية، بغداد 1984م ، ص 36.

      ويبدو أن الأستاذ قدوري ، وقبله د. احمد رشدي صالح كانا يستعيدان رأي(الكسندر

      كراب) صاحب  كتاب (علم الفولكلور) الذي وضع سمة  ( العراقة ) على رأس ما رآه من

      مقومات التراث الشعبي.

(18) ينظر: مرسي، ص 72 .

(19) الجوهري، ص 31 .

(20)(مرسي، ص 113 .

(21) صلاح الراوي، الشعر البدوي في مصر، القاهرة 2000، ص36.

 (22)-ينظر: احمد رشدي صالح، ص29.

(23) المصدر نفسه .

(24) الراوي، ص 32 ـ 35.

 (25) كان الجاحظ قد أدرك قيمة هذه الخصوصية التعبيرية فدعا إلى رواية الكلام

         الشعبي بصيغته التي هو عليها: " إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة

         والطغام فإياك أن تستعمل فيه الإعراب أو تتخذ لها لفظاً حسناً ، فان ذلك يفسد

          الإمتاع ويخرجها من صورتها. (الجاحظ ، البيان والتبيين1: 146).

(26) مرسي، ص 99.

(27) المصدر نفسه.

(28) المصدر نفسه.

(29) صالح ، ص 32 .

(30) ينظر : المصدر نفسه.

(31) البردوني ، فنون الأدب الشعبي في اليمن، دمشق 1995 ، ص176.

 (32) المصدر نفسه .

 (33) المصدر نفسه .

(34) الراوي، ص 31 .

 (35) يمكن لمن يرصد ما يترنم به العمال في أثناء عملهم ـ ولاسيما أصحاب المهن الحرة

         : البناء والنجارة والحدادة وسواهم. وكذلك الأطفال، وبعض الفئات الشعبية الفقيرة

         في المدن ـ أن يقف على أدب شعبي مستحدث فيه مجمل المواصفات التي تجعله إضافات

         متواترة لهذا الأدب.

 (36) نتذكر هنا ما صنعه ( فلاديمير بروب) في دراسته للحكاية الشعبية وتحديد

         وظائفها: ( ينظر: مورفولوجيا الخرافة ، ترجمة إبراهيم الخطيب، الدار البيضاء

          1986). وكذلك دراسات كلود ليفي شتراوس في الأنتربولوجيا على وفق المنهج

          البنيوي.

(37) لا نقول بوجود قطيعة تامة بين إيقاعات الشعر الشعبي وما عليه الشعر الفصيح، فقد

          ترد بعض النصوص الشعبية مستجيبة لما هي عليه أوزان شعرنا العربي التي استنبطها  

         الخليل بن احمد الفراهيدي،ولكن ذلك لا يأتي بقصدية واعية من المبدع الشعبي

          بقدر ما هي استجابات غير محددة لتلك الإيقاعات التي سيضع إلى جانبها إيقاعاته

          الشعبية المختلفة بأنظمتها الموسيقية عنها.

(38) البردوني، ص320 .

(39) علي حداد، الخطاب الآخر، دمشق 2000م، ص 217، وينظر مصدره.

(40) المصدر نفسه.

 (41) المصدر نفسه.

 (42) حسين قدوري، لعب وأغاني الأطفال الشعبية في الجمهورية العراقية، بغداد 1988

          الجزء الثالث ص 17.

 (43) البردوني ، ص 174 .

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب