الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019  
11. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

الرؤية النقدية في رسوم ناجي العلي

 

 

 

 

الدكتور  حاتم الصكر

 

كانت مهمة الفنان الشهيد ناجي العلي كرسام كاريكاتير أكثر صعوبة من الآخرين الذين اتخذوا وسائل فنية معبّرة ، كالشعر والسرد والسينما والمسرح والتشكيل ، فهو يقاوم بوسيلة ابتدعها الإنسان للتعبير الفكاهي والسخرية والإضحاك ، فكيف يلامس من خلالها وهي تتركب من التشكيل والكوميديا ، موضوعاً من أكثر القضايا الإنسانية المعاصرة ألماً وحزناً، يمس مصير شعب وأرضه وحقوقه وحريته؟.. هنا ستضاف صعوبة أخرى لمهمة ناجي العلي الفنية والوطنية تتمثل في الموازنة بين تحقيق الطابع الانتقادي الساخر للكاريكاتير ، وتوصيله دون شروح وكتابات لشريحة يعول عليها كثيراً وينتصر لها فكرياً هم أولئك الفقراء الذين عاش وسطهم في المخيم، ورأى أنهم عصب الثورة والقضية الوطنية .واختار تعبيراً عنهم وترميزاً شخصية حنظلة.

 

لقد وجدت في رسم شخصية حنظلة عدة مراجع سأبينها هنا:

 

1- واقعية المنهج التصويري الذي آمن به ناجي العلي انبثاقاً من اعتقاده بالصلة بين الفن والواقع وخدمته للقضية التي كرس حياته لها واكتوى بنارها وعانى شخصيا التشرد من وطنه وحكى كثيراً عن مغادرة قريته والهجرة للعيش في مخيمات البؤس والفقر والحرمان وذلك ألهمه شخصية الطفل المُعاني..

2- أفاد من مبدأ الاسم ودلالة التسمية على المضمون الداخلي للشخصية ، فكان ( حنظلة ) اسماً مناسباً لمسمى يوافق في أبعاده السردية وصفاته ما يثير الحنظل في الذاكرة من مرارة المذاق والنشأة الصحراوية وما يرتبط في الحس الشعبي العربي من دلالات على العناء والقسوة في الحياة.وأضاف التأنيث شيئاً من العاطفة والمحبة للشخص وطفولته .

3- استثمر دلالة الطفل البريئة لجعله فضّاحاً وكاشفاً للدسائس والمكائد والخيانات وكذلك للعجز والنفاق والخوف لدى الآخرين ، وهو ما تأكد في معتقدات الشعوب وحكاياتها كحكاية ملابس الإمبراطور الجديدة حيث يغش الخياطان المحتالان الإمبراطور والشعب مدعيين بأن خيوط الملابس التي خاطاها للإمبراطور لا يراها إلا ذو عقل ونظر، ولكن الطفل الذي صادف وجوده مع أمه في استعراض الإمبراطور بملابسه الجديدة يهمس لها بأن الإمبراطور عار تماماً ، ولا ثياب على جسده!.

4- حاول أن تتطابق شخصيته زمن التهجير الصهيوني للفلسطينيين ومغادرته قريته بالقوة وبداية عذاب اللجوء وحياة المخيمات مع شخصية حنظلة فجعل عمره متوقفاً طيلة سنوات رسمه عند العاشرة وتمنى ألا يكبر إلا عندما يعود إلى وطنه.

5- عند التدقيق بهيئة حنظلة ستلفت نظرنا قدماه المنفرجتان بتباعد واضح عن بعضهما ما يذكرنا بشخصية شارلي شابلن السينمائية التي كانت نموذجاً انتقادياً ساخراً شائعاً زمن صعود وعي ناجي العلي ، فضلاً عن الجانب التحرري والديمقراطي في خطابه وانتقاده للتوزيع غير العادل للثروة وتهميش الفقراء والضعفاء . . هكذا خلق شخصية حنظله من ثقافته وما تمده به قضيته التي عاش وعمل ومات من أجلها.

الشخوص تكمل الطابع السردي لكاريكاتير ناجي العلي، إنه يجعل بينها علاقات عضوية فتستدعي بعضها بعضاً ، الأب المضحي المعاني والعارف والمراهن على فشل الخطاب الرسمي، وفاطمة الطيبة التي يتحدث عنها بحب ، والبدين الذي يتناسخ منه عدة أفراد يجتمعون ويقررون أو يسهمون في خواء الروح الفلسطينية المقاوِمة أو يمتهنون الحريات.

 

فهاهو الخنزير كأي عدو للإبداع يهوي على شجرة الكلمات أو الفكر الذي يخافه بفأس كبيرة بينما تنبت الأقلام عبر الأغصان التي جعلته يقف محدقاً بها بانزعاج

ولا يريد ناجي العلي لنفسه أن يصنف ضمن قبيلة أو جماعة محددة لذا يعلن مراراً أن الفقر يوحد المسلم والمسيحي ويجعلهما معاً هدفاً لأعداء وطنهم وحريته.

في أحد رسومه التي تعتمد التحوير كما أسلفت نجد السيدة العذراء بسمات فلسطينية وقد انحنت عليها نخلة تسقط عليها ووليدها رصاصاً لا رطبا ، وفي أخرى نرى السيد المسيح يقتلع مسامير صليبه ويقوم ليقذف أعداءه حجراً، لقد استعان ناجي العلي بثقافته ليعدل المأثورات والعبارات الشهيرة ويعطيها مدلولات جديدة، وكأنه يؤسس لحروفية كاريكاتيرية نظيرة لجهود التشكيليين الحروفيين العرب، ولكن بالإفادة من التعديلات الساخرة المقصودة على القيمة الدلالية للكلمات والتراكيب وهذا نموذج لها.. فتصبح عبارة كل متهم برئ حتى تثبت إدانته: كل مواطن متهم حتى تثبت إدانته، فهو منتظر ساعة إدانته، وحياته ليست إلا مظنة ذنب تعاقبه على أساسه الأنظمة .

وفي رسم آخر يخطب المسؤول بالناس فيحور المقولة القديمة عن طلب الخليفة أن يقوّمه الناس بسيوفهم إذا وجدوا فيه اعوجاجاً بالقول:

من رأى منكم اعوجاجاً فيَّ بدّي ألعن أبو اللي خلّفه!

 

أما الكوجيتو (أنا أفكر فأنا موجود) فيصبح ملصقاً ساخراً موضوعاً على قبر محاط بصخور في مكان مقفر يتأمله حنظلة وحيداً كعادته شابكاً ذراعيه الهزيلتين خلف ظهره متباعد الساقين. لقد توفرت للشهيد ناجي العلي شروط كثيرة أهلته لا ليخلد في الذاكرة العربية كمقاوم وطني باسل بل كفنان وظّف الفن برقي ووعي للتعبير عن قضية العدل والحرية والكرامة، وأعطى لحرية فلسطين وحق أهلها في الاستقلال ما يقوي شرعيتها ويضيف رصيداً روحياً لها لا يقل عن ذاك الذي أضافته أشعار محمود درويش وروايات غسان كنفاني وقصصه والرعيل الكبير من المبدعين الفلسطينيين نساءً ورجالاً وقبلهم جميعاً من ضحوا بحياتهم لتأكيد حق شعبهم في الحياة والعدل والحرية.

 

 

*جزء من دراسة مقدمة لندوة مركز الدراسات والبحوث اليمني عن ناجي العلي.

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب