«الفاجومى».. من السجن لأول مرة بتهمة تزوير مستندات.. إلى زبون دائم بسجون عبدالناصر والسادات

 

 

 

عماد الغزالى:

 

ثمة ما يغرى فى سيرة أحمد فؤاد نجم الشخصية ومسيرته الشعرية.

 

فالشاعر الراحل الذى أقض مضاجع السلطة طوال عهدى عبدالناصر والسادات، لم يكتب شطرا فى قصيدة قبل بلوغه الثانية والثلاثين، وكان اكتشافه لملكاته الشعرية قد بدأ فى السجن، الذى دخله لأول مرة فى عام 1960 متهما فى جريمة تزوير استمارات حكومية، يحصل بمقتضاها على بضائع يبيعها لحسابه، وقد حكم عليه بثلاث سنوات، إلا أنه خرج فى مايو 1962 «لحسن السير والسلوك».

 

وقتها كان «نجم» يعمل بوزارة المواصلات، التى عينته حكومة الوفد بها بعد انسحابه من العمل بمعسكرات الاحتلال ضمن 80 ألف عامل غادروها، بعدما ألغى النحاس باشا رئيس الحكومة معاهدة 1936 فى عام 1951.

 

يقول نجم فى مذكراته «ثلاث سنين قضيتها فى سجن أراميدان بتهمة التزوير، غيرت خط سيرى وقلبت حياتى، وخلقت منى كائنا جديدا، كائنا إيجابيا أصبحت له اهتمامات عامة تأثر بها وأثر فيها فى حدود إمكانياته، ثلاث سنين اكتشفت فيها الشاعر اللى أصبح بعد كده حديث الناس من المحيط إلى الخليج، أو فى أى مدينة أو قرية فى كوكب الأرض فيها ناس بيتكلموا عربى».

 

وإذا كان الأستاذ صلاح عيسى يؤرخ فى كتابه «صورة الشاعر والوطن فى ملفات القضاء» لبدايات نجم فى القصيدة السياسية بقصيدة «يعيش اهل بلدى» التى كتبها كما يقول فى ربيع 1967، فإنه يؤكد فى المقدمة التى كتبها لمذكرات نجم «الفاجومى» أنه «لم تكن له أى صلة بالسياسة أو بشئون الحكم، ولم يكتب فى أيهما شعرا قبل 5 يونيو 1967».

 

والحقيقة أن نجم أتبع «يعيش أهل بلدى»، بقصيدة سياسية أخرى عكست مدى وعيه السياسى والاجتماعى الذى كان لسنوات السجن أكبر الأثر فى تكوينه، إذ التقى فى سجن مصر العمومى عددا من الكتاب كانوا محبوسين على ذمة قضايا «خلايا شيوعية»، بينهم الناقد الراحل سامى خشبة والأديب الراحل عبدالحكيم قاسم، وسمع منهما لأول مرة شعرا لفؤاد حداد الذى كان معتقلا هو الآخر فى سجن الواحات.

 

كان أكثر ما أجج وعى نجم السياسى فى المرحلة الأولى، هذا التناقض الحاد بين طبقة الأثرياء وطبقة الفقراء، والفساد الذى استشرى فى النظام وقيادات القطاع العام الذين نهبوا ثرواته، وتناولتهم الرسوم الكاريكاتورية لرسامى روزاليوسف وخصوصا حجازى، وكان هذا الفساد احد مؤشرات الهزيمة التى جرت بعد ذلك بشهور.

 

يقول نجم فى قصيدة «التحالف»: يعيش التنابلة فى حى الزمالك/ وحى الزمالك مسالك مسالك/ تحاول تفكر تهوب هنالك/ تودر حياتك بلاش المهالك/ لذلك إذا عزت توصف حياتك/ تقول الحياة عندنا / مش كذلك.

 

وفى مقطع آخر من القصيدة:

 

يعيش الغلابة فى طى النجوع/ نهارهم سحابة وليلهم دموع/ سواعد هزيلة لكن فيها حيلة/ تبدر تخضر جفاف الربوع/ مكن شغل كايرو/ مايتعبش دايره/ لا ياكل ولا حتى يقدر يجوع.

 

كان نجم يتندر من الاتحاد الاشتراكى الذى يضم «تحالف قوى الشعب العامل» من فلاحين وعمال ومثففين وجنود ورأسمالية وطنية، ورأى أن هذا التحالف ينسفه تناقض حاد بين طبقتين: الأثرياء الذين يزيد ثراؤهم وتتكدس ثرواتهم بفعل الفساد والرشوة، والفقراء الذين يرزحون تحت أنياب البؤس والمهانة، وقد عبر عن الطبقة الأولى بساكنى حى الزمالك، والثانية بهؤلاء الذين يعيشون فى طى النجوع، لكنه لم ينس المثقف، أحد أقسام التحالف الخمسة، والذى كان لتخاذله وانتهازيته بالغ الأثر فى ذيوع الفساد والتمهيد لأجواء الهزيمة التى جرت بعد ذلك بشهور قليلة، فهذا المثقف على مقهى ريش: محفلط مزفلط كتير الكلام/ عديم الممارسة عدو الزحام/ بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح/ يفبرك حلول المشاكل قوام/ يعيش المثقف يعيش يعيش يعيش.

 

والحقيقة أن هذا النقد للمثقف لم ينفرد به نجم وحده، بل تواتر فى عديد من الأعمال الشعرية والقصصية لتلك المرحلة وما بعدها، وربما كانت «بروتوكولات حكماء ريش» للمسرحى والشاعر الراحل نجيب سرور هى الأشهر بينها.

 

يقول سرور: نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش/ من شعراء وقصاصين ورسامين/ ومن النقاد سحالى الجبانات/حملة مفتاح الجنة/ وهواة البحث عن الشهرة/ وبأى ثمن/ والخبراء بكل صنوف الأزمات/ نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش/ قررنا ماهو آت/ لا تقرأ شيئا.. كن حمال حطب/ واحمل طن كتب/ ضعه بجانب قنينة بيرة/ أو فوق المقعد/ واشرب وانتظر الفرسان/ سوف يجىء الواحد منهم تلو الآخر/ يحمل طن كتب.

 

ويقول أيضا: ياذؤبانا لاكت شرف الكلمة/ ياصبيان السوق الحرة/ حيث يباع الله بكأس زبيب/ ما أرخص فى السوق الإنسان.

 

وأيضا: لاتصمت أبدا.. إن الصمت جهالة/ واحذر أن تتكلم فى الموضوع/ لا موضوع هنالك/ لكن خذ سمة الأستاذ/ وحذار أن تنسى البايب/ والكلمات الخرز اللاتينية/ قل فى الواقع واصمت لحظة/ قل لاشك واصمت لحظة/ ثم مقدمة محفوظة فى فذلكة المنهج/ حسب الموجة والتيار.

 

حتى هذه اللحظة لم يكن هناك ما يسىء بين نجم والسلطة، بل تم تعيينه عقب خروجه من السجن عام 1962 فى منظمة التضامن الأفروآسيوى، وطبع ديوانه الأول فى المجلس الأعلى للفنون والآداب بمقدمة للدكتورة سهير القلماوى، وقدمه الإذاعى القدير طاهر أبوزيد فى إحدى حفلات الإذاعة بوصفه موهبة شعرية ساطعة تستحق التشجيع، وكان ديوانه الأول «من الحياة والسجن» هو المناسبة التى تعرف من خلالها على رفيق دربه الشيخ إمام عيسى، الشيخ الضرير الذى كان يسكن حجرة فقيرة فى «حوش قدم» بالغورية، برفقة صديقه الفنان التشكيلى التلقائى محمد على، وقتها كان نجم التقى ببنت الحلال صاحبة البيت الذى كان يقيم بإحدى غرفه فى بولاق الدكرور، وبدأ يعد العدة للاستقرار وتكوين عش الزوجية، لكن لقاءه بمحمد على والشيخ إمام، قلب المخطط كله رأسا على عقب، وقرر أن يقيم معهما، وقذف بفكرة الاستقرار من دماغه، وبمفتاح غرفة بولاق الدكرور من أقرب نافذة.

 

يقول نجم عن الليلة التى جمعته بالشيخ إمام: «الليلة دى أنا مش فاكر تاريخها، كل اللى فاكره انها كانت ليلة صيفية من عام 1962، وكانت ليلة ولا كل الليالى، ليلة ماتحسبهاش من العمر، رغم إنها كانت أهم وأخطر ليالى العمر على الأقل بالنسبة لى، وبالنسبة للشيخ إمام، وبالنسبة للماريشال المتعجرف الأليط الأسطى محمد الصايغ الشهير بمحمد على.

 

فى تلك الأثناء بدأت الظاهرة الفنية (إمام / نجم) فى السطوع، وتحول المنزل رقم 2 بحارة «حوش قدم»، إلى كعبة يحج إليها المثقفون والأدباء والفنانون من كل بلد عربى، وتحولت غرفتهما الفقيرة إلى منصة إطلاق قصائد مناهضة للنظام بما يمثله من فساد واستبداد، تصبح بعدها بلحظات أغنيات يرددها المصريون جميعا، طلبة وعمالا ومثقفين، وهذا بالضبط ما حرك السلطة فى اتجاه هذه الظاهرة الفنية السياسية المؤرقة، إذ لم تهتم كثيرا بشأنها طالما بقى تأثيرها فى دائرة المثقفين والأفندية، لكنها انزعجت جدا حين تجاوز تأثيرها إلى العمال والطلبة.

 

جرى ذلك كله بعد يونيو 1967، حين شاعت أغنيتهما الشهيرة «بقرة حاحا» وصارت على كل لسان، وقد مثلت هذه القصيدة صرخة غاضبة، ضد النظام والفساد والاستبداد، وكشفت بوضوح عن المقدمات التى قادت إلى الهزيمة، إذ انشغل الجميع بحلب البقرة، ولم يهتم أحد بحمايتها...

 

وفى يوم معلوم/ عملوها الروم/ زقوا الترباس/ هربوا الحراس/ دخلوا الخواجات/ شفطوا اللبنات/ والبقرة تنادى/ وتقول ياولادى/ وولاد الشوم رايحين فى النوم/ البقرة انقهرت/ فى القهر انصهرت/ وقعت فى البير/سألوا النواطير/ طب وقعت ليه/ وقعت م الخوف/ والخوف ييجى ليه/ من عدم الشوف/ وقعت م الجوع ومن الراحة/ البقرة السمرا النطاحة/ ناحت مواويل النواحة/ على حاحا وعلى بقرة حاحا.

 

وقد كتبت هذه القصيدة بعد ثلاثة أيام من هزيمة يونيو 67، أما حين تكشفت الأمور، وصار خبر الهزيمة أكثر ذيوعا من أن يخفى، كتب نجم قصيدته التى وضعته ــ ومعه الشيخ إمام ــ فى مواجهة مباشرة مع نظام عبدالناصر، وهى قصيدة «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا/ يا محلا عودة ظباطنا من خط النار... والتى تنتهى هكذا: وكفاية أسيادنا البعدا / عايشين سعدا/ بفضل ناس تملا المعدة/ وتقول أشعار/ أشعار تمجد وتماين/ حتى الخاين/ وان شالله يخربها مداين/ عبدالجبار.

 

بهذه القصيدة عرف نجم الطريق إلى سجون عبدالناصرل مدة عامين من 69 إلى 71، كسجين سياسى هذه المرة.

 

وفى عهد السادات تضخمت ملفاته القضائية، إذ لم يكن قد مر على خروجه والشيخ إمام من المعتقل أسابيع قلائل، حتى انخرطا بسرعة فى حركة الطلاب المناهضة للرئيس السادات،والمطالبة باسترداد الأرض وتنفيذ وعوده بعام الحسم، وكانت أشعاره تنتشر بسرعة البرق بين الطلبة، وألقى القبض على زعماء الطلبة وعلى نجم بالطبع، حيث أمضى فى المعتقل تسعة شهور كتب خلالها ثمانى قصائد هى: صباح الخير على الورد اللى فتح فى جناين مصر، الفوازير، القواد الفصيح، على الربابة، شيد قصورك، كلمتين لمصر، فات الهوى.

 

وبعد خروج نجم من المعتقل بأسبوع واحد قامت حرب أكتوبر 1973، كتب عدة قصائد لحن بعضها للإذاعة، وبعد أسابيع قليلة كان نظام السادات أفصح عن توجهاته، فحرب أكتوبر هى آخر الحروب، وأمريكا تملك 99% من أوراق اللعبة، كما أعلن السادات عن نيته عقد سلام مع إسرائيل، واقتصاديا، أعلن أنه آن الأوان لهيكلة الاقتصاد المصرى والعدول عن الاشتراكية.

 

لم يعجب ذلك نجم بطبيعة الحال فلم يسكت، ولم يسكت النظام عليه، فأعيد إلى السجن فى سبتمبر 1974، خصوصا بعد قصيدته الشهيرة «نيكسون بابا»، التى انتقد فيها الحفاوة البالغة بزيارة الرئيس الأمريكى، باعتبارها بابا لتدفق المعونات والنعيم المقيم، أما نجم فقد قرر أن يلقى بكرسى فى الكلوب، ويحيل الفرح إلى مأتم...( عزموك فقالوا تعالى/ تاكل بمبون وهريسة/ قمت انت اكمنك مهيف/ صدقت ان احنا فريسة/ طبيت لحقوك بالزفة/ ياعريس الغفلة ياخفة/ هات وشك خد لك تفة/ شوبش من صاحب البيت).

 

وتعكس التحقيقات مع نجم فى قضية «نيكسون بابا» رؤيته لشعره ودوره النضالى.

 

يقول نجم فى بعض ردوده على المحقق: لا أكتب شعرا مناهضا للسلطة إلا إذا كانت السلطة تناهض الشعب المصرى ــ قصائدى تتضمن نقدا موجها للأحداث والتصرفات والانحرافات الموجودة بالفعل داخل جهاز الدولة، وهذا النقد يدعم السلطة ولا يقوضها ــ اعتقادى أن السلطة وطنية رغم كل أخطائها، التى منها اختفاء السلع الضرورية للشعب ومهزلة المواصلات التى تشكل مهانة للشعب المصرى ــ أنا مع الاشتراكية ومع الميثاق وبيان 30 مارس ومع الاتجاه لتعميق الحريات وإرساء سيادة القانون.

 

صار نجم زبونا معتمدا فى كل سجون مصر، ومع كل انتفاضة جماهيرية أو مظاهرة طلابية يتم اقتياده إلى السجن حتى لو لم يكن بين المتظاهرين، وهو ما جرى فى يناير 1975 حين اقتيد وزوجته صافيناز كاظم إلى السجن بتهمة الانضمام إلى تنظيم «كتاب الغد» الشيوعى.

 

وعلى الرغم من تبرئته فى قضية أحداث 18 و19 يناير 1977، فقد حوكم امام المحكمة العسكرية بسبب قصيدته «بيان هام» التى سخر فيها من الرئيس السادات، وحكم عليه بالسجن لمدة عام، لكنه ظل هاربا لمدة ثلاث سنوات، إلى أن ألقى القبض عليه فى أحداث سبتمبر 1981 ضمن مئات من الفنانين والمثقفين والمفكرين، لينفذ عقوبة الحبس، وكان الاتهام الذى وجه إليه هو إهانة الرئيس...

 

يقول نجم فى «بيان هام»: هنا شقلبان/ محطة إذاعة حلاوة زمان/ يسر الإذاعة ومايسركوش/ بهذى المناسبة/ ومابندعيكوش/ نقدم إليكم/ ولاتقرفوش/ شحاتة المعسل/ بدون الرتوش/ شبندر سماسرة بلاد العمار/ معمر جراسن للعب القمار/وخارب مزارع/ وتاجر خضار/ وعقبال أملتك/ أمير الجيوش/ماتقدرش تنكر/ تقول ما اعرفوش/ ماتقدرش أيضا/ تقول ماسمعوش/ شحاتة المعسل حبيب القلوب/ يزيل البقع/ والهموم والكروب/ يأنفس/ يأفين/ يبلبع حبوب/ ويفضل يهلفط/ ولاتفهموش.

 

بطبيعة الحال، لم يكن شحاتة المعسل هنا سوى الرئيس السادات شخصيا.

 

وعلى الرغم من أن نجم لم يعتقل فى عصر مبارك، فإنه شارك فى كل الفاعليات التى ناهضت فكرة التوريث وسعت إلى كشف مثالب النظام واستبداده وفساده، خصوصا من خلال نشاطه فى حركة كفاية وتجمعات المثقفين والفنانين الرافضين للحقبة المباركية، وإن لم يثمر ذلك عن قصائد نالت القدر ذاته من الذيوع والشهرة، التى نالتها قصائده عن عصرى السادات وعبدالناصر.