الخميس, 12 كانون1/ديسمبر 2019  
14. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

ومن الحب ما نقد!

 

 

إبراهيم عيسى

 

سمعتُ العملاق نجيب محفوظ وهو يتحسر على أنه رمى مسوَّدات رواياته وتَخلَّص منها بنفسه، وكانت إحدى دور النشر الأوروبية قد عرضت عليه رقمًا كبيرًا من العملة الصعبة لشراء مسوَّدات رواياته. محفوظ حكى أن نشر الرواية لم يكن ليؤكِّل عيشًا، فكيف كان سيعتقد أن مسوَّدات الرواية ستساوى ثروة؟ كان يرميها ويتخلص منها حتى لا تشغل مكانًا ولا تكون عبئًا على البيت وأهله (جاء الكمبيوتر الآن فلم يعُد لِخَطّ وشخبطة الكاتب وجود، وإن كانت المسوَّدة لها علاقة بالتغييرات داخل النص لا طريقة الكتابة ولا شكل الخط وتعبيره عن شخصية كاتبه)، لكن الغريب أن الأدباء المصريين يندر أن يحتفظ أحد منهم بمسوَّدات أعماله، والأكثر ندرة أن يقوم بنشرها، إشفاقًا على نفسه من نتائج الدراسة النفسية والنقدية المقارنة بين أصول الأعمال وصورها النهائية.

 

عموما ربنا ما يورِّى أديبًا ما رآه أديبنا الكبير الراحل يوسف إدريس، فقد تناول أحد الباحثين بالدراسة والتفحيص والتفعيص كل قصصه فانتهى إلى شىء لم يكن يودّ إدريس أن يعرفه أحد ولا كان يتمنى أحد أن يعرفه من وعن إدريس، اكتشف هذا الباحث أنه منذ وقت مبكر جدا كان يوسف إدريس يغيّر عناوين بعض قصصه، حين ينشرها للمرة الثانية فى مجموعة، وقد تكون قصة «فراق» أولى القصص المنشورة التى أجرى عليها تعديلًا، لتصبح «المكنة» فى مجموعة «أرخص ليالى»، وتليها قصة «الحالة الرابعة»، لكن النص المعدَّل احتاج إلى تسع سنوات ليظهر بعنوان «الزحف» فى مجلة «بناء الوطن». ثم توالت بعد ذلك القصص المعدلة، والمنشورة لأكثر من مرة فى أكثر من دورية، وأحيانًا فى الدورية نفسها بعد أشهُر أو سنوات.

 

نشر يوسف إدريس قصة «فوق حدود العقل» فى جريدة «الجمهورية» عدد 14 يناير 1961، ثم عدّل نصها وغىَّر عنوانها إلى «الدم القاتل»، ونشرها فى مجلة «بناء الوطن» عدد يناير 1963، وىُورِد الباحث أمثلة كثيرة ومستفيضة تعنى أنه كان ينام الليل وكل ما كتبه يوسف إدريس فى حضنه، ومن الحب ما قتل، ومن الحب ما نقد، وما كشف، وما انفكّ وما انحلّ كذلك، ويبدو أن نشر القصة فى كتاب لم يكن يبدد قلق إدريس بشأنها، ليتوقف عن تعديلها وإعادة استخدامها، فقد غىَّر عنوان قصة «لعبة البيت» المنشورة فى مجموعة «آخر الدنيا» 1961، إلى «الخناقة الأولى»، ونشرها فى مجلة «حواء» عدد 3 فبراير 1979، وتكرر هذا الشكل من التعديل مع قصة «الحالة الرابعة» فنُشرت للمرة الأولى فى جريدة «المصرى» عدد 8 مايو 1953، ثم نُشرت فى مجموعة «أليس كذلك؟» فى سنة 1957، ثم هذّب إدريس النص المنشور فى الكتاب بتعديلات محدودة كتغيير تعبير «كله ماشى» إلى «كله سيان» وحذف اسم مطعم «الإكسلسيور» والاكتفاء باسم «جروبى»، أو كتابة اسم مجلة «المرأة» بحروف أجنبية، مع تغيير العنوان إلى «الزحف» ونشرها فى مجلة «بناء الوطن» عدد مايو 1962.

 

لم يقتصر ولع إدريس بالتغيير على القصص المفردة، بل تَعدَّاها إلى المجموعات، إذ غىّر عنوان مجموعة «الندَّاهة» التى نُشرت فى سلسلة «روايات الهلال» بالقاهرة فى سبتمبر 1969، إلى «مسحوق الهمس» ونشرها دون قصة «ما خَفِىَ أعظم» فى دار «الطليعة» ببيروت، فبراير 1970.

 

وغيّر عنوان مجموعة «أليس كذلك؟» 1957، فجعله «قاع المدينة»، ونشرها مع دار نشر جديدة، وقد يعدّل النص نوعىًّا كتحويل القصة القصيرة إلى مسرحية «جمهورية فرحات»، أو يعيد كتابته مرة أخرى «أكبر الكبائر»، و«أكان لا بد يا ليلى أن تضيئى النور؟».

 

ومن الأمثلة كذلك أن يوسف إدريس كتب فى سنة 1957 قصة قصيرة ونسيها، ثم نشرها بعنوان «قصة منسية» فى مجلة «الهلال» فبراير 1965، وأعاد نشرها فى «الهلال» أيضا يوليو 1977 بعنوان «من المخلصة جدًّا»، وقد قام إضافة إلى تغيير العنوان بحذف كلمات وجمل وفقرات كاملة، ثم نشر النص المعدَّل فى مجموعة «لغة الآى آى» 1965، بعنوان «الورقة بعشرة» مع إلحاقه بتاريخ كتابته فى يناير 1957، وأخيرًا استقرَّت القصة بالعنوان الأخير فى مجموعة «العتب على النظر» 1987.

 

ماذا يعنى هذا كله؟ هل هو قلق المبدع الذى يطارده ويطرد عنه الراحة، أم أنها الرغبة فى الظهور على ساحة النشر مهما كان الإبداع عصىًّا، أم أنها طلبات السوق والشهرة وشهوة النشر، أم أنها إغراءات المال وضغط الأصدقاء والناشرين والمطبوعات؟ يصلح كل هذا سببًا، لكن يبقى أن يحمينا الله ممن يحبنا حتى يطاردنا، فبعض الحب كشف، وبعضه فضح!

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب