الإثنين, 24 أيلول/سبتمبر 2018  
13. محرم 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

مسيرة الشعر الفلسطيني في ميزان النقد

 

 

 

بقلم: د. حسن الباش

 

قليلة هي الدراسات النقدية الأدبية التي تناولت مسيرة الشعر الفلسطيني . وإذا كان ثمة دراسات فإنها امتازت بالتحيّز لهذا الشعر كونه بشكل عام شعرا مقاوما منذ بروزه في القرن الماضي .

 

وإذا أردنا فعلا أن نقيم هذا الشعر في بدايته أي منذ النصف الأول من القرن العشرين لا نستطيع أن نفصله عن حركة الشعر العربي بشكل عام آنذاك .

 

وبشكل عام نرى الشعر التقليدي من حيث الشكل لا يخرج عن إطار الشكل الشعري العربي بوجهه العام . فمن المعروف أن فلسطين شهدت بروز عدد من الشعراء لم يخرجوا عن مدرسة الشعر التقليدي العربي . لقد عرفنا إبراهيم طوقان وأبا سلمى وعبد الرحيم محمود وغيرهم بالعشرات ممن كتبوا الشعر وتمكنت فيهم ملكته .

 

وجاءت موجة الشعر الحديث أي شعر التفعيلة منذ خمسينيات القرن الماضي على يد درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم كثير من الصف الثاني والثالث ممن كتبوا هذا الشعر ونشروه .

 

وفي ميزان النقد الأدبي لا بد أن نعترف أن هناك ناحيتين لا بد أن تدخلا في أي مقياس نقدي . وهما الشكل والمضمون . وحقيقة أن أكثر النقاد لا يفصلون بين هاتين الناحيتين كونهما ترتبطان ببعضهما وتخدم كل منهما الأخرى .

 

فالشكل هو المبنى الفني إن كان شعرا عموديا أو كان شعر تفعيلة ويلحق بذلك كل ما يرتبط به من موسيقى داخلية أو خارجية (أي القافية) وكل ما يرتبط به من صور بيانية أو أسلوب لغوي من استفهام أو نداء أو تعجب وما إلى ذلك من هنا كان لابد من السؤال كيف نقيّم الشعر الفلسطيني في ميزان النقد التقليدي وكيف نقيمه في ميزان الشكل الفني الحديث أو المعاصر؟ .

 

هل تستطيع أن نفصل المبنى عن المعنى أي الشكل المضمون. وبأي مقياس يمكن أن نحاكم قصيدة ما لشاعر ما . هل ندرسها بمعزل عن مسيرة الشاعر وتجربته الشعرية أم ندرسها في سياق الشاعر بشكل كلي باعتبارها تجربة متكاملة ؟

 

عشرات الأسئلة النقدية تُطرح في هذا الإطار . ولا شك أن الجواب عليها يستلزم الدراسة المتأنية والهادئة والشمولية حتى نصل إلى تقييم صحيح أو هو أقرب إلى الصحيح دون مبالغة من ناحية ودون التقليل من المكانة والأهمية من ناحية أخرى وهنا لا بد من التوقف عند بعض المعايير التي تحكم مسيرة هذا الشعر الفلسطيني على مدى قرن من الزمان .

 

1- في سياق ما تعرضت له فلسطين منذ ما قبل وعد بلفور وإلى هذا اليوم نرى أن الشعب الفلسطيني خاض تجربة حياتية صعبة ، فأرضه راحت تتعرض للسرقة والمؤامرة لذلك وجد في آن واحد قوى استعمارية احتلت أرضه وقوى صهيونية تريد أن تمتلك هذه الأرض بأي شكل من الأشكال وقوى عربية ومحلية فرّطت بالقضية إما عن قصد وإما عن تهاون واستهتار ولا مبالاة .

 

فمن الطبيعي جدا أن ينعكس الوضع العام عل مجمل الحياة الاجتماعية والثقافية وليس الأدب أو الشعر بمنأى عن هذا التأثير . وإذا وجدنا في الحركة الشعرية المبكرة عند إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود شعورا بالخطر المحدق ولا بد من التحذير والتنبيه مما يحاك لفلسطين من مؤامرة .

 

2- فرض الواقع القومي العربي نفسه على مجمل الحياة الأدبية في الأرض العربية فما حدث في فلسطين كان يحدث في سورية والعراق ولبنان ومصر. إذ أن الاستعمار الغربي قّم الأرض العربية إلى دول وإمارات . وأضعف الأمة بشكل مخيف والشعر الفلسطيني كما هو غيره في سوريا أو العراق أو مصر أو لبنان كان أحد أنواع الصدى لما يحدث . فليس غريبا أن نرى الشاعر الفلسطيني يتغنى بالأمة الواحدة وبالقومية الواحدة وبالوحدة العربية ولا ينس أن يمجد بطولات المجاهدين في ثورة الشام وقياداتها مثل محمد الأشمر وسلطان الأطرش وصالح العبي وهنانو . والكيلاني وزغلول وكامل وغيرهم ممن قادوا النضال في الأمة في تلك المرحلة . وبالمقابل فإن فلسطين كانت دوما حاضرة في شعر الرصافي والزهاوي وحافظ إبراهيم والزركلي وغيرهم وغيرهم . وهذا يؤكد لنا أن الشعر الفلسطيني لا ينفصل عن الشعر العربي في حمل هموم الأمة وأمانيها في التحرر والوحدة والقوة . .

 

وقد شكلت قضية فلسطين المركزية الأولى لكافة الشعراء العرب خاصة عندما حلّت النكبة بأرض فلسطين وشعبها .

 

3- لعل من أهم الملاحظات النقدية في مسيرة الشعر الفلسطيني أن المضمون طغى على الشكل أي أن المعنى طغى على المبنى ، مما جعل النقاد والدارسين أمثال الدكتور إحسان عباس يركزون على المضمون أكثر من تركيزهم على الشكل ، على الرغم من أن الشكل الفني كانت تحكمه الأشكال الفنية للشعر العربي بشكل عام . على اعتبار أن الشعر الفلسطيني لا ينفصل عن الشعر العربي فهو جزء منه ولا يجوز أن نحاسبه بمعزل عن الشعر العربي .

 

والذي يلفت النظر في مسيرة الشعر الفلسطيني أن الأحداث فرضت على الشعراء القضية برمتها فرضاً أبعدهم عن مضامين كثيرة كالمضمون الغزلي أو الاغترابي الفلسفي أو الهجاء أو المدح . وكان المضمون الأكبر الذي يحكمهم هو القضية الفلسطينية بكل أبعادها الوطنية والقومية والإنسانية.

 

وقد يبرر النقاد ذلك لأن حجم القضية الفلسطينية كان أكبر من أن يلتفت الشاعر إلى الأشكال الفنية المستحدثة . لكن هذا التبرير لا يعفينا من دراسة الشكل الفني للشعر الفلسطيني وتسليط الضوء عليه ومعرفة ما إذا كان يتوافق مع المستحدثات الفنية الشعرية العربية في خمسينيات القرن الماضي أم لا . خاصة أنشعر التفعيلة راح يأخذ حيزا مهما في مصر والعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي وغيرهم من رواد الشعر الحديث في الوطن العربي .

 

4- ومن اللافت أن عددا من الشعراء خاطبوا شعب فلسطين من خلال الشعر الشعبي وخاصة الشاعر نوح إبراهيم والشاعر أبو سعيد الحطيني والشاعر فرحان سلام وهذا الشعر الشعبي طغى بشكل واسع على قطاعات وجماهير الفلاحين الفلسطينيين أكثر من طغيان الشعر الفصيح . ولا شك أن لهذا الشعر الشعبي تأثيرا واسعا في النفسية والعقلية الشعبية الفلسطينية ، بل إنه كان المحرض الأول على الثورة والجهاد والاستشهاد . إضافة لكونه يُقال في الأعراس العامة والمناسبات العديدة . وحضوره كان واسعا في مجمل أرجاء فلسطين . وهذا يعني أيضا أن الشعر الفصيح كان يخاطب المثقفين والمتعلمين أكثر من مخاطبته للفلاحين والعمال ، أو الطبقات الفقيرة من أبناء الشعب الفلسطيني . ولكن ذلك لا يعني فقدان تأثيره في كافة الناس بشكل من الأشكال خاصة أن الأحداث الكبرى كانت تفرض نفسها على النوعين من الشعر ، يؤدي بالتالي إلى تراكم كمِّ من الشعر الشعبي والفصيح في وجدان الجماهير الفلسطينية ، ويحرضها على الكفاح والجهاد ضد الاستعمار البريطاني وضد الصهيونية وتسرب عناصرها إلى فلسطين .

 

وفي ظل هذه المعطيات والملاحظات يمكن لنا أن ننصّب ميزان النقد الأدبي لنبدأ مسيرة نقدية صحيحة للشعر الفلسطيني الحديث والمعاصر حتى لا تضيع ويضيع من بين أيدينا هذا الكم الهائل من الشعر والذي ساهم في إبداعه عشرات الشعراء من الجيل الأول والثاني والثالث وجيل الشباب المتميزين . علنا نصل إلى دراسات موضوعية تكون عونا للدارسين والباحثين الذين يفتشون عن مثل هذه الموضوعات التي لا بد منها ومن وجودها على ساحة الدراسات والبحوث الأدبية والنقدية .

 

           

المصدر : بيت فلسطين للشعر

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب