قراءة في العتبات النصية في ديوان "سأثقب بالعاشقين السماء"

 

علي الفهد*

 


تتسق عتبات النصوص الشعرية مع طبيعة العصر الذي يعيشه الشاعر وينعكس هذا التفاعل بوعي, وبلا وعي في الغالب الأعم , فالشاعر الجاهلي أفاد من أشكال الحياة والبناء ,وطبيعة العلاقات بين الإنسان والبيئة, والإنسان والمجتمع فكان البيت الشعري في بناءه يشبه البيت /الخيمة وأبدى الشاعر العربي القديم اهتماما كبيرا بمطالع قصائده ,ومناسبتها للمقام والحال ولم يسمِّ الشاعر العربي قصيدته وإنما عرفت القصائد العربية القديمة بمطالعها .

        والعنونة سمة حديثة لها خصائصها وطبيعتها ونشأتها ولسنا  بصدد التأصيل لها في هذا المقام- ولكن يمكننا الإشارة إلى أنماط البناء الحديثة فالبيت لم يعد بتلك السذاجة فقد صار أكثر تعقيدا في بنائه و تتعددت مداخله وعتباته وأُفرِط في تشكيلها والإهتمام بها ,والبيت الحديث مصمم لإقامة دائمة ,.ففيه الحديقة ,المسبح ,الشرفات ,اللوحات الفنية و...الخ, هذا النمط من الحياة انعكس على الكتابة الشعرية بوصف النص الشعري بيتا للذات الشاعرة تقيم فيه ,وتجعله محلا لسُكناها الرمزية المتخيلة "سُكنى للحلم" .

         وفي عصر القصيدة الى حد عصر ما بعد الحداثة انفتحت العنونة على حقول وفنون وعلوم متعددة شأنها شأن النص الشعري ,ولم تعد العتبة هي العنوان فحسب, بل هي العنوان ,اللوحة ,اسم الشاعر, الإهداء والتصدير لمقولات ...الخ

 

     وفي ديوان "سأثقب بالعاشقين السماء "  للمبدعة ميسون الإرياني,نجد احتفاء كبيرا بالعتبات النصية توزيعها وتموضعها ,وهذا الاحتفاء والتشكيل ليس اعتباطيا ,إذ يحمل دلالات وسمات أسلوبية تتعاضد وتتمازج مع النص الأصلي وتضيء فيه وستتعرض الدراسة الموجزة لأبرز العتبات النصية في الديوان وهي كالتالي:-

1-اسم المؤلفة /الشاعرة :-

         يتصدر اسم المؤلفة العتبات النصية في لوحة الغلاف إذ جاء سابقا لاسم الديوان ولوحة الغلاف ,وحجم الخط هو نفس الحجم لجملة العنوان , وهذا التموضع والتصدر يغاير الأماكن المخصصة لأسماء الشعراء والمؤلفين, فهي في الغالب تأتي تالية لعنوان الديوان ,وأقل حجما من حجم خط العنوان, و هذا الخروج والمغايرة يحمل دلالة الرغبة في تأكيد الحضور  في الوسط الشعري وتأكيد الذات المنجزة في ظل واقع نقدي وقرائي  يرمي بالمبدع خارج الدائرة موجها اهتمامه إلى النص ليطارحه حوارا   يغيب المبدع عن المشاركة فيه.

       وهنا تتكشف الغايات من  الحضور الملفت لاسم المؤلفة في لوحة الغلاف ,وفي العتبات ما قبل النص الشعري لتصل إلى ست تكرارات لحضور الاسم في العتبة وهو- بالإضافة إلى ما سبق تقديره -احتفاء وفرح يرافق المنجز الإبداعي الأول, وفي هذا التكرار تعبير عن الكينونة والذات .

 2- لوحة الغلاف:

       تلي لوحة الغلاف اسم الشاعرة تماما وإطار اللوحة مغلق من الجوانب الثلاثة باستثناء الجانب الأعلى  وفي هذا الانفتاح تمهيدا لطريق المغامرة والحرب التي تتجه إلى الأعلى "السماء".

      وعناصر اللوحة امرأة  ولوازمها الجمالية الأنثوية في ذروة البهاء (العقد, التاج, الوردة و البنفسج),والمرأة لفرط نرجسيتها تحمل في راحتها فقاعة بداخلها المرأة هي  ذاتها وهنا يتجلى الهم النسوي العنصري  في خوف المرأة على العالم المثالي الناعم , فالفقاعة تأكيد فكرة النساء القوارير, والنعومة ,والنرجسية  والدوران حول الذات, وتتعالق اللوحة الفنية مع عنوان الديوان بإيحاءات وظلال متتعددة. فبرزو مقدمة امرأة الفقاعة وتراجع مؤخرتها, وفوضى الشعر ,وتشظي التاج مع امتزاجهما بالوان نارية, واللون الأصفر ,البيج والبنفسج ,فهذه الألوان لها دلالتها التي تمثل الرغبة في الاشتعال والثورة, وبقدر ما تحمل اللوحة من جموح وتوهج تخفي في طياتها مراحل من الهدوء والذهول ,يعكسة وجه المرأة التي تهم بالطيران والتشرد .

3-عتبة العنوان "سأثقب بالعاشقين السماء":-

     وهي جملة موسيقية تتكون من ثلاث تفعيلات من بحر المتدارك وهو من البحور الصافية وتشعر أثناء قراءتك للعنوان بدفقة موسيقية مصدرها ليس نظام  التفعيلة فحسب, فاختيار الأصوات والمفردات المكونة للعنوان تحمل شحنة موسيقية أبعد غورا من الجرس فمفردة الثقب تستدعي صوت وإيقاع خاص ,ليس بالضرورة ما يرافق الثقب في مجالات الإنتاج الصناعي والمادي كون أداة الثقب مغايرة هنا فهي جماعة من البشر موسومة بالعاشقين

وفعل الثقب سيقع على سطح ما سبق لنا وأن تلمسناه من قبل .وهنا في ظل علاقة جديدة لابد أن تسمع موسيقى جديدة تخونك اللغة في التعبير عنها لكن الروح وحدها من تعرفها .

      والمفردة الأولى مقترنة بحرف الاستقبال "س"  (سأثقب) وحرف الاستقبال في السياق يكتسب دلالة التهديد بالنفاذ وصيغة الفعل  الصرفية "سأفعل"  تؤكد على الذاتية لكنها الذاتية التي تجعل من الآخر "العاشقين" أداة لتنفيذ طموحها الشعري لما يحمله العاشق من ثورية واستبسال وتضحية في وجه العوائق ,والتي تمثلها "السماء ,ولدلالة السماء خارج البناء الشعري دلالة تحمل معاني الرحمة ,العلو و العطاء بأبعاده المختلفة إلا أنه داخل التركيب الشعري اتخذت مفردة السماء سبيلا آخر تماما يقابل التصور السابق ويقلب دلالته فهي في البناء الشعري تمثل المنع والقمع والإلغاء  فالسماء هنا سقف من القيم المتعسفة وتتضمن البنية العميقة دلالة الرغبة في تجاوز المألوف والمعتاد وتهشم جدران الواقع الظالم الذي تنفر منه نفوس الجيل والثقب في السقف الذي تحيل إليه السماء مهما كان حجمه ,فانه إيذان ببدء مرحلة جديدة قد تستدعي النقض وإعادة البناء.

وتستثمر الشاعرة الأحداث والكوارث التي تترتب على إثرها خسائر فادحة في الأنفس والأموال بسبب الثقوب التي طالت الغلاف الجوي ,واخترقت طبقة الأوزون لتهدد بفعل ثقبٍ مشابه تنهار على إثره سماوات الظلم والتهميش على رؤوس من رفعوها .هنا تتعاضد دلالة ثقب السماء بما تحمله من مدلولات كونية ارتبطت بمستقبل الأرض وأفزعت علماء البيئة والبشر والكائنات على وجه العموم مع دلالة الكوارث التي ستحل بدعاة الانغلاق على التقاليد والعادات غير العادلة ,فثقب سماء القبيلة ,الجماعة هو رغبة وحلم في النفاذ لتحل الكوارث بعد ذلك على المستبد الذي يعرف الطاقة التدميرية الهائلة  التي تعقب الثقب والتي ذاق وبال أمرها على المستوى المادي في البيئة وهو الآن  تحت تهديد آخر في بيئة أخرى تعد الشاعرة العدة لتدميرها, تقول:

أزم الرماد الحزين

وأثقب بالعاشقين السماء لتغفر يا

شارد الغيث ذنبك( سأثقب بالعاشقين السماء,ص79)

وتحضر في النصوص مفردة السماء ومرادفاتها كما نجد دلالات الحفر والثقب  وتتساوق مع الدلالة الكبرى للعنوان, تقول:

الإناء مشروخ كقبيلة مهزومة

بين أصابعي يستدير

باستكانة السماء حين تثقبها الصلوات ( سأثقب بالعاشقين السماء,ص64)

        فالشرخ الموجود في الإناء /المجتمع هو شرخ قبيلة مهزومة أمام سلطة الحرف والكلمة  لذا جاء الثقب للسماء المستكينة التي  تمثل ضعف كضعف الإناء والقبيلة بالصلوات الروحية (لحظات الهجس و الابداع)بوصفها تدميرا لسائدٍ مُضطهـِـدٍ من خلال محاولة  تأسيس لواقع حر مثالي.

        ويكتسب الثقب ظلالاً  إيجابية فهو نافذة للإطلال والاكتشاف وكذلك الإنكسار والحفر فهذه المفردات تحيل إلى مكابدة في طريق الظفر بمجهول وغائب :

الثقب في قلبي قادر على جعلك تنتشي

لأنك ببساطةتهوى ارتدائي كل شغف

....

الذي شذبني

قصني جيدا لانكسر باتقان (سأثقب بالعاشقين السماء,ص59,ص60)

وتحضر القبيلة كسلطة  غير مرحب بها, سلطة قامعة للمرأة ومهمشة لها

كذا نخسف الموت أنفسنا في رماد القبيلة

نمزق أهدابنا في التراب لأجل القبيلة

تمجد بالخوف يا حلوتي حبنا في القبيلة       (سأثقب بالعاشقين السماء,ص105)

4-تصدير مقولات:-

الشعر غاية مرتبطة بل الوجود كالجنة تماما (ميسون)

الشاعر معلق بين السماء والأرض (جوته)

أن تورد اسمك وعباراتك  جوار عبارة جوته وفي صفحة فارغة لهذا الغرض,  فهذه مغامرة يتجنبها مجايلي جوته.

وفي هذا التصدير تورد الشاعرة  عبارة فكرية لجوته تتضمن فلسفة لقراءته في علاقة الشاعر بالموجودات,فتغاير عبارته حسب فهم خاص لعبارة جوته فتربط الشعر بالوجود وكأن جوته نفى عنه هذه الوظيفة ,وفي هذه المجازفة وهم بامتلاك فلسفة يمكن من خلالها مطارحة جوته وأفكاره .قد يعجب المبدع بمقولة أو بيت شعر ويأتي به كعتبة في عمله ولا ضير في ذلك ولكنه حينما يأتي بها ليضعها مقابل إنتاجه موهما بذك انه قد وصل إلى مصافي المفكرين العالميين في إنتاجه, فهذا "زهو متعجرف " يعرفه جوته  جيدا وقد نصح الألمان  بتركه عندما راهنوا على ذواتهم المتضخمة .

5-صفحة الغلاف الأخيرة :

        في الأعم الغالب نطالع الكتب لأول مرة فننظر صفحة الغلاف الأولى والأخيرة _وإن كنت شخصيا أرغب في قراءة الدواوين الشعرية والمجلات بدءا من نهايتها- فالمتلقي لابد له من الاطلاع على الصفحة الأخيرة في الغلاف وهي بلا شك ستسبق قراءته لمتن الكتاب  ,والشاعرة تضمن لوحة الغلاف بومضة شعرية هي:

أدرك أن كل ذاكرة عالم

لكني  

لفرط ذاكرتي

أجهل

 كم عالما هناك...

         ميسون

     ومن خلال هذا التوقيع الشعري  سيكون القارئ تصورا عن طبيعة البناء والتركيب الشعري ,فيدخل إلى النص وهو مدرك للأدوات القرائية التي يجب أن يستعين بها من خلال تصنيفه نمط الشعر وشكله موظفا ثقافته ومستعينا بثقافات أخرى لاسيما طريقة التعبير الحداثية  والكتابة الغربية   .

        والشاعرة هنا موفقة في اختيارها هذه الومضة لما تحمله من سمات أسلوبية تمتد في عملها الإبداعي من حيث(الشكل – المضمون المراوغ أحيانا والمبهم أحيانا أخرى_الاقتصاد في اللغة –التخلص من القافية والروي. والتفعيلة غالبا _الانزياح في التركيب والصورة...الخ)

6- عتبات النصوص الشعرية:-

        عتبات ما قبل النص الشعري أخذت مساحة واسعة  في الفضاء الكتابي الورقي وعتبات النصوص الشعرية (عناوين القصائد) لن تُسلم نفسها للقارئ إلا في الصفحة -13-بعد المرور على عتبات كثيرة .والملفت في عناوين القصائد أنها أخذت مكانا مغايرا للمعتاد فتموضعت أعلى الصفحة في أقصى اليسار جهة اليسار ولأن النص الحداثي الذي تكتبه الشاعرة يميل إلى التكثيف والإيجاز, فقد أحتل  الفراغ  مساحة واسعة قبل العنوان وفي نهاية الصفحات ,كما تخلل الأسطر الشعرية وهو –أي الفراغ- لم يعد متهما بالعدمية واللاشيء ,فقد صار متهما بكل شيء إلا من العدمية واللاشيء  فهو الحرية التي تحيط بالنص والمتنفس  والنقاء الذي تنعم به الكلمات التي هي سكنى الشاعرة.فضلا عن أن الفراغ علامة سيميائية بين الكاتب /الشاعر والمتلقي .

       وعتبات القصائد تتنوع في إطلالاتها, فقد تكون جملة شعرية منزاحة على مستوى التركيب والصور والإيقاع مثل"حين تفر الخطايا-المساء هنا منهك كالفضيلة-على بوابة الحلم نؤوي-كأس ينضح بنحن...)وهذه  العناوين آسرة في جمالها, وتنضح بشعرية عالية و قد تتقدم النصوص الشعرية مفردة واحدة لما تحمله من مخزون شعوري في الذاكرة الجمعية, وهنا نورد بعض العناوين المكونة من مفردة واحدة, (ضياع_رؤى-زاوية-وتر,وحدة)

       وفي الأخير لقد قادتني عتبات الشاعرة إلى مدن باذخة بالجمال والدهشة هناك حيث تتحد المتنافرات وتنافر المتشابهات لغاية واحدة ورئيسة هي محاولة الإمساك بالجمال الذي يسكننا فنمسك بخيوط تحيل إليه ويظل نافرا .قدره أن يظل نافرا وقدرنا أن نتشرد في أوديته وشعابه.