علي جاحز في رائعته الحزينة ..  " لو كنت بيننا.. لكان نعشك أنيقاً "

 

 بشير المصقري

 

 ثلاث وعشرون دمعة من الكلمات أكبرها لحظة صارت صفراً , ذرفها حدس الشاعر المبدع علي أحمد جاحز المكلوم بفراق سيدة الأحبة " أم زيد " زوجته الراحلة إلى رحاب المولى " معوض الصابرين على البلاء ومعين المكلومين "

في القصيدة النثرية البديعة المنشورة في صحيفة الثورة العدد 17486 الصادر يوم الاربعاء الموافق 3 أكتوبر 2012م و التي همى بها الشاعر علي جاحز على الشعر كطيف نزل لتعليم الأخير أخلاق الحزن ولقنه درساً من الصور البهية والخالية من سحنة البهوت رغم ذلك الفيض الحزين الذي يُعيد أنتاج الحزن برؤى العظماء والشعراء الكبار وبهامة الأديب الذي يدنو كالوردة بإنحناءة هفيفة ولطيفة إلى الرمل .. إنحنأة يغلفها النقاء والرضا والشفافية الهادرة في مواويل يستحيل أن يلتقطها هجس أو حدس تؤثثه الانفعالات وتحيط به نوازع النشيج الجاف بطبيعة الحزن كحالة تعتري النفس الشاعرة .. يقول علي جاحز :

اللحظة كانت تخاتلني

وأنت كنت تخاتلين الوجع

وأنا لم أكنت أعرف

أن اللحظة هي أنت

إلا حين صارت اللحظة

صفراً

أي قدرة تتراءى لشاعر أن يصف اللحظة بوصف لا يترك لها سوى الفراغ والكينونة الممنوحة للهباء الذي يماثل الهباء والخواء الذي تركته " أم زيد " .. كأن القلب المثقوب بالحزن يسرب آلام وأوجاع صارعتها شريكة وحبيبة الشاعر طويلاً ومن ثم تخرج ذات يوم بهدوء ومن ذلك الثقب الذي رممته من الداخل بالاحتساب والرضا :

هأنت تتشبثين بقشة هي أنا!!.

تغرق القشة

في كل مرة

و أنت ماتزالين تعطين دروسا

في الصبر والأمل

هذه هي البشرى التي تلف سكينة الشاعر المكلوم وتحف امرأة كان وجهها ميمماً صوب الله فيما أُبتليت به وهي تجنح بين براثن الوجع ليالي كثر وطوال ولقد استطاع الشاعر الإفلات من قبضة الحزن بأناة الفيلسوف والحكيم الذي كافأته وأكرمته الرؤى نظير أشتغاله لنيل المعرفة فووقفت إلى جواره الكلمة في أحلك الظروف وانتزعت القصيدة عبراته الكئيبة ولست أظن أن الحزن ليتركه بالمرة لكن يظل التذكر رفيقه وأثق بذلك لحساسيته المخملية التي أعرفها فهو الذي كتب في الماضي نصاً بعنوان " لماذا أُصاب بالتذكر كل يوم " ومن اعتنانات هذا جابه الشاعر الألم الثاني عوضاً عن الالم الاول الذي كان يعتريه لأوجاع " أم زيد " فقد تركت شيئاً من الظلام لا يستحق شعاعات من الضوء وسيدة الضوء علمتْ كل الأرجاء في المنزل شفافية تُعين على خرق الظلام .

ولشفافية الحزن توهان تنادى لغياب الفقيدة ليجد الشاعر العناء في إيجاد البيت بسبب الظلام الذي أستغرقته النافذة على حساب إهتداء الشاعر له وأن وصل البيت ودخل الغرفة وجدها سيباً من العراء وأفقاً من الصحراء وليلاً كاسر يخفف من وطئته الشاعرية وتهويمات المثقف ولم يكن ليصاب بالسكتة الشعرية على عظمة المصاب وهذا معنى أن تكون وفياً ومخلصاً لعزيز فقدته

أنطفأت النافذة التي كانت تجدني

حين أضل طريقي إلى البيت

الغرفة أتسعت مجدداً لتصبح

صحراء

وتزداد فورة الوجع ولكن هذه المرة ليس الوجع الذي الفقيدة ولا وجع الذات الشاعرة بل وجع القصيدة ومساربها التي تشيء حينما يصف الشاعر بغرابة أمر من أمور المنزل يجري على غير العادة ومهمة من المهمات التي تحتاج إلى لمسات خاصة من سيدة المنزل وقد غادرت فبدت الصدمة قضبان وبصورة شعرية خاطفة ورائعة تتلبس الحال درامية عالية محمولة على ظهر عشوائية وارتجال ما كان لهما أن يكونا لو كانت الفقيدة على قيد اللحظة ذاتها:

لو كنت بيننا لحظة رحيلك عنا

لما أعتقلتنا الصدمة

وتساقطنا كجراد أدراكه الليل

لو كنت بيننا

لكان نعشك مرتباً وأنيقاً

إنه الإبهار الذي لازم الشاعر ويلازم القارئ بتخييل له اعتبارات ماقبل الفاجعة لذلك أظن أن ثلاثة وعشرين مقطعاً أسطورية في الرثاء وفي قدسية البوح قد قطّرت احزانها تقطيراً على بال الشاعر المفعم بحميمية شراكة أكثر من عقد من الزمن صاغتها أدق التفاصيل لحياة دارت بين كيفية إدارة العش والأهتمام بحوليات المنزل ربما تشكل لقول الشاعر :

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلاً طيب الأعراق

ويتجسد الإشراف على كل التفاصيل بخيالاتي لهيئة منزل صديقي المكلوم حين كنت أزوره وأرى مفرادات المنزل الجميلة والمرتبة ذلك الترتيب الحصيف الذي يعم كل شبر في طريقي إلى المجلس الذي يستقبل به علي جاحز ضيوفه وهنا أعتقد مصادقة أن كل شيئ يخلو من لمسة يدها ولا يحمل بصمتها يبدو بارداً ويتغشاه التواضع حتى الدرك الأخير :

لم تكوني أنت 

من يشرف على مراسيم عزائك

لذا فأنها بدت باردة

ومتواضعة ..

ان لكل شاعر مراس تتفرعن خلاله حواسه المصطفة على خط واحد أمام لحظة الكتابة وهو الشغف الذي يرتاد القرائح ولكن ليس باستطاعة حاسة التمثيل لنفسها على حدة كما يحدث في قصيدة كهذه حيث يستشعر القارئ أن ثمة ما يداعب حواسه لحظة القراءة وثمة ما يضعه على ضفاف الحزن الشفيف وكأنه يرى ويلمس ويشتم ويسمع ويعيش بكل حواسه داخل النص حد التوحد والانصهار بأصداء النجوى المنبعثة من أغوار الذات الشاعرة خلال برهات من الهجس تساوي سنوات كمعادل إبداعي للحالة الشعرية الباعثة لأصيص الألم المتدافع في أحشائه ويذكرني ذلك ببيت البرد وني :

يطفي التوقد باللظى ينسى المرارة بالمرارة

فهنا يستيقظ الحزن من لوعة الحزن في قول الشاعر يولد حزن في نفس المتلقي :

كم تمنيت لو قصصت عليك تفاصيل مأتمك

الأصدقاء حملوا عني كل شيئ

حتى الحزن والبكاء

ألقاني على جاحز كقارئ إلى قارعة قناعاتي التي استلخصها بقولي :

عندما يحزن الشاعر تؤمن القصيدة بأن الحروف قلوب إضافية على الأكف "

فالشاعر لم يحمل أحد أوزار ووقائع الأقدار كما فعل نزار قباني في قصيدة بلقيس التي رثا بها زوجته بلقيس الراوي التي قضت في حادث تفجير السفارة العراقية في بيروت ولستُ بصدد الربط بين الشاعرين أو أحاول نصب تداخل بين الموقفين إلا أن الموت يوحد الأشياء , والحزن يعلقها في أفق واحد ولكل شاعر دأب على إبراز تداعيات الفواجع وذاك شيئاً من القاسم المشترك بين القصيدتين , وفي هذه القصيدة لامس القارئ الحزن النبيل والذي قد يتلاشى بوقع الدهشة حيال القدرات الإبداعية داخل النص وما أرقى الحزن في هذا المقام رغم قساته وعلى علاته حينما يتماس كقضية مع الشعر .. وأنه لتهذيب أنيق لهذا الكائن الذي لا يحدد مواعيد لمداهمة البشر ولا يبعث لأحد إشعار بمقدمه وتلك فرصة الشاعر في تلقين الحزن قصيدة لن ينساها وإحداث اجتهاد خلاق لاكتشاف اللغة متليسة بشكول واعية بمهمتها الطارئة , وحَسْب الشاعر المبدع علي جاحز استخراج شهادة وفاة من القلب تغني عن الذهاب إلى أقرب مكتب للأحوال المدنية لاستصدار شهادة وفاة لا تضاهي شهادة القلب تنبثق خلالها أجلى أنبثاق أنسانية الشاعر في التعايش مع الكائنات من حوله .

 

 

صحيفة الثورة

 

رابط القصيدة التي كتب الكاتب عنها هذه المادة :

لو كنت بيننا .. لكان نعشك أنيقا : علي أحمد جاحز