الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2019  
15. شوال 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

أم الشهيد

 

 

 

 

 

 

أمة الله الحجي

 

 

 

 

 

كل أيامها بكاء، ونحيب، وحزن .. يأتي الليل بالحزن .. والصباح باليأس .. هكذا حال السيدة نجوى منذ أن استشهد أبنها.. مازالت على هذه الحالة منذ أسبوع.. اليوم هو العاشر من شهر كانون الثاني( يناير)

ماذا تفعل السيدة نجوى ؟

 

هذا هو السؤال الذي يراود أهل الحي :

هل مازالت تبكي على أبنها جواد ؟ هل مازالت تقلب ملابسة بين كفيها وتستنشقها من حين لآخر ؟

أسبوع والسيدة نجوى لم تفتح محل العطارة خاصتها .. مازالت تغلق على نفسها باب غرفتها ..

غريب لم تحزن هكذا حين توفى زوجها هل مازالت السيدة نجوى ؟ التي حين سمعت باستشهاد زوجها فرحت وتمنت من الله أن يسكنه الجنة..

لطالما حاول والدها أن يخفف عنها ويفهمها أنها ليست الأم الوحيدة التي فقدت طفلها , لكن السيدة نجوى ظلت حزينة تبكي .. وتبكي ..

 

في ظهيرة اليوم الثامن من استشهاد جواد أتت الجارة أم إحسان لتطمئن على السيدة نجوى .. فتحت لجين الباب سألتها السيدة أم أحسان :

أين والدتكِ ِ يا لجين ؟

إنها في غرفتها تبكي !

هرولت السيدة أم إحسان إلى غرفة السيدة نجوى ، طرقت الباب . فتحت السيدة نجوى ذات العيون الجميلة الواسعة التي أصبحت حمراء متورمة من شدة ألبكا تكاد تميل حدقتيها إلى الابيضاض أما جسمها الممتلئ فقد أصبح هزيلا ضعيفا ..

يا ألاهي ماذا أصابك يا أختي لم أنت هكذا ؟هل مازلت تبكي ؟

ولم لا أبكي إنه ابني .

أنا أعرف أنه أبنك لكن ….

لكن ماذا ؟

 

لكنكِ صرتي هزيلة وعينيك بدأت تبيض .. علاوة على هذا أنت لم تحزني هكذا عندما أستشهد أبو جواد ..

أبو جواد دافع عن وطنه ..

وجواد دافع عن وطنه أيضا ..

أي دفاع لقد قتل في طريق عودته من المدرسة .

لست الأم الوحيدة التي فقدت طفلها..

وهل جواد مثل أي طفل ؟ لن أنسى اليوم الذي قتل فيه .. لن أنسى الأيام الخوالي كان في طفولته المبكرة لا ينام إلا حين امسح أنامله الصغيرة بأناملي .. عندما أتذكر ضحكاته يبكي قلبي .. لم يترك لي الزمان فرصه لأودعه ..

 

نجوى ليت كل الأمهات مثلك .. لا بد وأن جواد فخور بك ..

لكنة مات وفارقني ..!

لا لم يمت هو حي يا أخت ..!

حي !.. أود رؤيته أين هو بالله عليك دليني !!

أن الشهداء أحياء عـند الله يا أختِ ..

في تلك الأثناء دخلت لجين تود من أمها أن تسمح لها بالخروج لتلعب مع صديقاتها بين أحياء القدس الجميلة

قالت أم إحسان :

لا .. يجب أن تكتبي فروضك المدرسية أولا .

اتسعت عيني السيدة نجوى وجرت نحو حقيبة لجين و أمسكتها قائلة:

- لن تذهبي للمدرسة لم يعد لي في الكون غيرك ..اعذريني يا حبيبتي لقد نسيتك ..لم أذكر أن لي بنت!

- لا .. على لجين أن تذهب للمدرسة لتتعلم وتصبح أمراه ناجحة لتحرر وطنها من الاستعمار .

- لا..لا.. ستبقى بقربي لن أتركها لتطالها الأيدي الآثمة كما طالت أخوها ..

بعد محاولات يأسه لإقناع السيدة أم جواد بأن أبنها وأحد ممن سقوا شجرة الزيتون من دماهم لتضل صامدة صمود الجبال الشامخة لا تخضع أبدا لإرادة كل جشع صهيوني وأنه لابد أن تقرع الطبول وتبشر بأن الشعب لابد أن يتحرر بعلم أبنائه وشجاعة جواد وكل طفل فلسطيني يضحي بنفسه من أجل أرضة ولابد أن يستيقظ كل النوّام ويهتفوا جميعا لنصرة الشعب المسلوب … عادة السيدة أم إحسان إلى منزلها ..

مرت الأيام .. وما تزال السيدة نجوى مرتدية لثوب الحداد .. أصبحت كجثة هامدة !

 

 

 

***

 

 

إنه الواحد والعشرون من شهر حزيران (يونيو)

أين لجين ؟أين ذهبت ؟ هل أصابها ما أصاب جواد ؟

تطايرت هذه الأسئلة من فم السيدة نجوى وهي تبحث كالمجنونة عن أبنتها في أروقة مدينة القدس وقد صار الخوف يسيطر على حركتها ليجبرها على المكوث في مكانها .. الدموع أصبحت سيل جارف يجرف آخر شمعة أمل في حياتها .. لم تستطع الحركة.. فضلت تسأل من مكانها هذا وذاك ..

هل رأيتم لجين ؟ أرجوكم أخبروني أين ذهبت ؟ هل أصابها مكروه ؟

الكل ذهب لمساعدتها لكن لا جدوى .. لم يجدوا قرة عين أمها ..

و فجأة

سمعت السيدة أم جواد ضحكات جميلة تأتي من المقبرة .. بصيص الأمل عاد إليها:

مهلا إن هذه الضحكات تشبه ضحكات لجين ؟

هرولت السيد نجوى صوب المقبرة والسعادة تملأ قلبها متمنية من الله أنها ضحكات لجين .. اقتربت من المقبرة :

يا ترى هل لجين حقا هنا ساعدني يا الله ..؟!

رأت السيدة نجوى قبر عزيز قلبها جرت دموعها قبل قدميها لتقبله:

جواد عزيزي سامحني أرجوك لم أزرك منذ مدة .. نم يا عزيزي وأنا أعاهدك أنني وشعبي لن نترك أرضنا لقمه سائغة في أفواه أعداء الإنسانية ..

تهلل وجه السيدة نجوى عندما سمعت صوت عذب يناديها :

أمي ..أمي ..ها أنا ذا !

أنها لجين تلوح لأمها :

 

أنظري يا أمي لقد كتبت رسالتين واحدة لوالدي.. والأخرى لجواد .. لكنهما لم يأخذاها ..؟!

اقتربت السيدة نجوى ودموع الفرح تسبقها لتحضن أبنتها ضمتها بحرارة .. :

هل استطعت كتابة هاتين الرسالتين أنا فخورة بك .. أين كنت.. ؟هل كنت تلعبين مع جواد ووالدك ؟لقد خفت عليك ..

 

قرأت السيدة نجوى الرسالتين … ما أجملهما ينبعان من مشاعر صادقة محبه لشجرة الزيتون ، ولأخ عزيز كانت تمضي معه أحلى الأوقات ، وصدر واسع ودافئ مليء بالعطف والحنان .. وأجمل ما في الرسالة أن القلب الصغير قد أصبح يدرك أن أجمل شيء في الوجود هو الوطن وسلامته وان السلام لابد أن يصنع ولابد أن يفك القيد الموضوع على جذع شجرة الزيتون .. ومهما حدث يجب أن يستأصل الورم الخبيث من جسم العذراء .. لتفرح بشبابها ..

ما هذا يا أمي ..؟ أنظري حمام القدس .. ما أجمل تلك الحمامتين ؟أنظري كيف أنهما لا تفترقان تماما مثل أبي وجواد.. يطرن حولنا ..أنهما يقتربن منا ..

طارت الحمامتين وأخذت كل واحدة منهن رسالة وطارتا نحو السماء رفرفتا عاليا كما ترفرف آمال شجرة الزيتون ..

 

ابتسمت لجين ولوحت للحمامتين هي ووالدتها.. ضحكات عالية ملئت المقبرة وبثبات تقول سوف نوقض الشعوب ليسمعوا ضحكاتنا نحن الأبرياء سنتحدى الموت لننصر أرضنا ونكسر القيود ألموضوعه على جذع شجرة الزيتون ..

حينها سمع الجميع صوت ضحكات أشجار وحمام وصخور القدس ..وكانت أصوات الضحكات الجميلة ممزوجة بالأمل بأنه لا يمكن لأي قلب عربي مؤمن أن ينسى القبلة الأولى.. وأن يسمح بقطع شجرة الزيتون.. ما أجمل هذه الضحكات ..ضحكات الطفولة .. التي تشبه تماما ضحكة جواد ..

 

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب