حديث الشهب

 

 

 

 

محمد عبد الوكيل جازم

 

 

قبيل ارتطام الشمس بهفوة الغسق كنت أقف حزينا وحائرا , أفتفت طلاسم السماء وأبيح للمدى لون دموعي وقهري ووحدتي .لم يعد أمامي سوى الشخبطات , أغمس سنة قلبي في مداد السحب أكتب قصيدة شعر لفاتنتي السحابية الصبية التي تمخضت من ضباب السحب الذهبية الشقراء وأخذت تستوطن احراش القلب وتخومه . تتسع صورتها حتى تلم الصفحات كلها وتفرش بسمتها التي سريعا ما تتحول الى أقواس قزح وفراشات رقشاء ومبقعة بالحمرة والازرقاق الأخضر , والى عصافير وردية وأنغام مفعمة بصواري الفرح المبعثر...في تلك الفقرة بدأت أتعلم الكلمات المتشردة والحنين القاتل بالعبرات وفي تلك الفترة بدأت أمارس الخلو إلى النفس , أنثرها في المداءات المتسعة , أعبقها في الشجون الغائبة أستهوتني فكرة الرسم المكتشفة , أخذتني حتى الامتلاك المطلق والفناء النهائي والشرود المستميت وبدأت أفانين القول بلصق بي قيل أنني مجنون المقابر وقيل مجنون الجبال , وقالت فلاحة كأنها خرجت للتو من ملوحة الطمي. محمد عبد الوكيل أخذة جنية من الضاحة .. ركبت علية حتى أصبح رأسها يميد في بطن الأفق وقدماها تتدليان الى صدره لكأنما شاب مقرب حسم الامر قائلا " بل ركبة شيطان الشعر " وهكذا استمر  الاغراق في الدخول الى فضاء الوحدة ديدني خاصة في تلك الفترة التي أولعت فيها على الكتابة بالسحب , وتخيل الحبيبة السحابية ذات الوجنات الفيروزية , والشعر الأرجواني المسفوح إلى جبال وأشجار خلفية أجمل ما أدهشني وجودها في الاصائل بذلك التكوين الرائع والشموخ المهيب في البدء يستولي وجهها على الافق الرحب ثم ما تلبث حتى تصبح السحب مسرحا طويلا مليئا بالحشائش والمروج ونباتات برية بالعطر , وهي بقدها الرديني تخطو بايماءات قدميه أقرب إلى الجري منها إلى السكون وفي يدها حزمة الزهور الصغيرة المشكلة من كوكتيل جمالي منضود بانتقاء .. اما فستانها فبدأ يتهفهف ويتقضفض ..  يختلط ويتمحور في بوابات مفتوحة ومشروعة .

استمر خروجي الى المقابر والجبال والكهوف الخالية ثلاث سنوات متتالية تقريبا كنت أكتب فيها بالسحب إذا ما حل الربيع أو اقبل الصيف واما الشتاء والخريف فقد اعتمد على ما خزنته ذاكرتي من أقراص حامية احتفظ بها تنور مخيلتي إلى الأبد ....

 

بيد أن فتاة السحب الذهبية لم تكن من الظهور في زورق صغير عبر الأنهار كلها ومخر عباب الروح حتى وصل إلى مرفأ العين وبؤبؤ الحلم ؛ واما وجهي فقد كان غالباً ما يدخل في الشحمات  البيضاء حتى الالتحام , وتهوم روحي في الأشياء كلها بصلف .. أمد يدي فأدرك خصلات  فتاتي المترسبة في آفاق ضوئية مكثفة وأمد قلبي فتنساب الوديان القاحلة بحروف النماء والقدرة .كنت أقف في حافة الجبل وانا في الحقيقة أقف  في حافة الكرة الأرضية أشاهد دمي وهو يعبر نهر النيل ثم أشاهده وهو يتفرع ...بين دجلة والفران ،ثم وهو يمر سريعاً بين ضفتي ( المسيسبي) وهادئا في الدانوب ورقراقاً في (التايميز) شاهدت شرايين دمي في القنوات والفروع والقرى والعواصم بيد أن الريح تبيح الأشياء في اللا شيء تقلع السحب من جذورها تحيل القامات إلى أفلاك مسطحة قليلاً وتعود الى مداها السحابي ،إذ لا مناص من عودة الروعية إلى السفن الجديدة واسماك القرش الخضراء وعروسة البحر المضاءة بإصباغ مأخوذة من الشعب المرجانية وممهورة برأس حبيتي السحابية وكأن من السهل نقل عينين إلى البار المتاخم للمؤسسات العاريات وعواصبات البحث العلمي ومن السهل أن احزن لبكاء صياد متألم رسى أخيرا من الموت وقد عاد بالصدف الرمادية المحترقة ،لكنه الآن ينهل شربة الحياة يستفيق لتجميع شباكه المهترئة من نهشات الحوت الارزق الذي طارده كثيرا

 

وكان من السهل أن أقف إلى شرفة عالية تطل على مرتفعات التبت وقمم الألب وصخور الأندير والمح في ذراعه لفتاتي السحابية المشكلة من بخار ذهبي تسحر في تموج فضائي شفيف وعيناي الزئبقيان تطاردانها بإلحاح لا ينتهي