الوردة المتوحشة

 

 

 

 

خالد عبد الله الرويشان

 

 

هاأنذا أغادر المدينة وحيداً حتى من نفسي، الجهات تضيع، وعيناي لا ترى، وقلبي لا يضيء. أغادر المدينة ماضغاً أوهام الزمرّد، ناثراً أشلاء الوقت، محتضناً صندوقَ الدنيا.

الصباح باردٌ والأفق يحترق . غيمة الغبار تتثاءب على صدر المدينة. جثة المدينة تتفسّخ، وأحشاؤها تندلق. العينان زجاجيتان، والقلب من خشب.

الصُّدفة لؤلؤة الوقت. الصُّدفة انعتاق. الصُّدفة اكتشاف. الصُّدفة ملاذٌ من العواطف المبرمجة، والرؤوس المعلبة.

غريبٌ وصامتٌ أنا. رفاقٌ لا أعرفهم. وجوهٌ لم آلفها. مكانٌ ناءٍ ومجهول. حرفٌ واحد جَمَع ثلاثَتَنا. قوائمُ الأسماء. قوائمُ الصّدَف.

الصندوق بجانبي. أمامي رفيقاي. حين رأيتهما، حدستُ أنهما طالب وشرطي. كانا متبرّمين من المكان الذي اختير لنا. كانا غاضبين من الصّدفة. صُدفة المكان. لا يبدو أن أحدهما قد عرف الآخر من قبل. ثلاثة أرقام. ثلاثةُ أسماء. حرفٌ واحد. لا بد أننا نشكّل معاً صدفةً جميلة. رغم أن الصباح باردٌ والأفقَ يحترق.

يلتفت الطالب إليّ، ويسأل:

ـــ هل عاينت الصندوق؟ عددَ البطاقات، والشمعَ الأحمر، والختم.

ـــ نعم.

أجيبه باقتضاب. يلتفت ثانية، مديراً رأسه نحوي:

ـــ هل تأكدت من عدد البطاقات.. أحياناً يحدث خطأ بسيط، لكنه يصبح كارثة، كأن تنقص بطاقة مثلاً. إنّ لي تجربة سابقة، كدتُ أفقد فيها حياتي.

كان الشرطي يقود السيارة مغرقاً فـي صمته. وددت لو أنّ الطالب وجّه ثرثرته إليه، على الأقل، رحمة برقبته وبي.

ـــ هل تعرف..؟