الأربعاء, 11 كانون1/ديسمبر 2019  
13. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

محاكمة...!!*

 

 

 

ابتسام القاسمي

 

هكذا ظللت لأعوام متتالية، أتصرف كمن تقصد أمهر الأطباء لمساعدتها على الحمل، وفور علمها بحملها تقوم بإجهاض الجنين سريعاً خوفاً من الولادة!!

هكذا كنت..في كل مرة أكتب فيها نصاً أتلفه خوفاً من أن يقرأه أي من قضاة الأمن الأسري، وشرطة آداب العائلة، والمجتمع والدين والسياسة، ووو...

فكرت في الاحتفاظ بأولى القصص بعد إخضاعها للرقابة الأسرية، والاجتماعية، والدينية، والأخلاقية، ووووو

أمي حذفت جملة، أبي شن حملة، أخي حذف قصة، وابني قصف النص جملة وتفصيلاً..هذا فضلاً عن القص واللصق والحذف والمسح الذي كان من حق الخال وأبناء العمومة والجيران وأبناء العشيرة وأهالي القبيلة المجاورة!!

يسدون لي التوجيهات – بالرغم من أنهم خارج نطاق الكتابة- اكتبي عن الأخلاق والحرية والثورة والجمهورية والفقر والمرض والبطالة وووو، يريدون من قلمي أن يكون مجرد بوق عائلي أو محامٍ عن العدالة في أحسن أحواله، لا يعلمون أن القرار الأول والأخير للكتابة هو حضرة صاحب الجلالة، صديقي "..........."!!

لم يشعر أحدهم يوماً بالأحتقان والصداع والحروب المتفجرة في الرأس، وعصبية اليد في البحث عن قلم أثناء تكون الكائنات الكتابية في الرأس، وتلك الراحة التي لا مثيل لها أثناء الانتهاء من تفريغ تلك الكائنات الخيالية في قالب شبه حقيقي.

صار من حقي الاحتفاظ بقصة وحرق عشر – حسب حكم شيخ العشيرة- هم يظنون الأمر سهلاً، لمَ يكتب علي الاحتفاظ بقصة وإتلاف عشر؟؟ هو لديه من الأبناء عشرة، فلمَ لا يكتفي بأفضلهم ويحرق البقية؟!

لكنني تجرأت أخيراً.. على مواصلة الكتابة والبوح بها كما يمليها علي صديقي (......).

كل هذا قبل أن أخضع لهذه المحاكمة الجائرة التي ستتحول حياتي من بعدها إلى سجن مؤبد مدى الحياة!

ألقوا القبض على أوراقي وأقلامي، ولساني ولغتي وكل أحرفي، حتى سمعي وبصري اللذين يساعدانني على التقاط الصور من الحياة كي لا يتبقى ما يستفزني على فضحهم بالكتابة، حتى الهواء الذي سأستنشقه سيكون لهم الحق في تفنيده قبل أن يصل إلي! ولن تجرؤ الكتابة بعد اليوم لأي امرأة إلا بوجود محرم!!

صارت مواويل المن والأذى وجبات يومية كونهم سمحوا لي بمواصلة دراستي دون سائر بنات أسرتي، ليثبتوا لي أن "معظم الأشياء- التي تعلمتها في الجامعة- لا فائدة منها" نعم سمحوا لي فقط، وكان هذا هو دعمهم الوحيد لي!.

تحول اسمي من (ابتسام) إلى (اتهام) لأعاقب على كل أنواع الحب والقبل والأحضان التي حظيت بها أوراقي لا أنا!!

بحثوا في داخلي عن "أم صغرى" لإحصاء الأحياء القديمة التي سكنتها، ليقصوا جدائلي، وحرق كل "خصلة" يعثرون عليها كي لا يلطخها أي حضن وإن كان الأرض، تباً لهم، دوماً يرون جنونهم حديثاً "منطقياً، سيحذفون الـ"رقم 3" من سلسلة الأعداد لما أباح من قُبل على كف ورأس وقدم الخيال!!.

ما لم يتمكنوا من تجريدي منه هو غريمهم الحقيقي الذي يصور براحته ونسج كل تلك القصص، ويوظفها كما يشاء!! لم يتمكنوا من معاقبته، مضحك أنه الوحيد من لا يملك أحد الوصول إليه وتجريدي منه!

حاكموني على البحث عن "أم" في حياة أمي، وعضوني عن "تساؤل" بعيداً عن أبي، وصححوا خيالي بأن أخي يدعى "هاشم" لا "عاصم"، وأنني ما زلت صغيرة على مشاعر "عروسة" وأن جنسيتي يمنية لا عربية!!

آه كم سيقيمون على الحد بعد قبولي لـ"مساعدات إنسانية" غير شرعية! ويمنعوني من كل الاجتماعات الرسمية خوفاً من تهوري فـ"ماذا لو؟؟".

كل هذا فضلاً عن حملة التنقيب الذي سيخضع لها درجي عن "المنطق" في تخليي عن "رجل أحبه" والبحث عن الرجل الذي "أعتمد عليه" بل حتى عني أنا!!

هكذا سيقرؤون الـ"أيام" وقد تنقذني من كل هذا "امرأة" واحدة هي الكائن الحقيقي الوحيد في أوراقي! تواسيني في كل تلك الـ"الخيبة" وتبعد عني "أصابع" اتهام أمام "وحش عصري" على "أنقاض" سعادة عجزت عن استعادة بعض منها في "انتظار" للـ"مواعيد الكاذبة".

- لو لم تكن كتاباتك من واقعك بالفعل فعليك بتسليم صديقك الذي ألتقط لك كل تلك الصور ليحرضك على كتابة هذه القصص؟!

(هكذا خاطبني الحاكم!)

كم كانت تهتمي شنيعة غير قابلة للمناقشة أو الشفاعة، لم يكن من المجدي أن أستجديهم المغفرة حتى أسلمهم غريمهم الذي طالما قلت لهم أنه هو المحرض الوحيد لي على جريمتي هذه!!

ترى..هل سيساعدني على الإفلات من كل تلك العقوبات والهروب من سجن الاتهامات والكتابات المقننة تسليمهم غريمي الوحيد في الكتابة، حضرة صاحب الجلالة، صديقي الوحيد "الخيال"!!!

 

 

*مختارة من مجموعتها القصصية "أخيراً..تجرأت"

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب