خلف تفتح قلبها مساء

 

 

 

 

علي سالم اليزيدي

 

جلس فوق صخرة كبيرة تمتد من الشاطئ وتندفع كلسان إلى داخل البحر ومد رجله نحو الماء وأحس بنشوة تتسرب من رأسه نحو جسده  وأغمض عينيه وبلل وجهه بالماء هو يحلم بما سيكون عليه حظه اليوم مع الأسماك وفتح عينيه وصوب نظره نحو سطح البحر المتموج

ليست أول مرة يأتي إلى هنا فحيثما يوجد البحر يوجد السمك :ولكنه لا يعلم كيف سيلعب معه الحظ وظل ينظر نحو الماء  وشعر به أليفاً كالعادة وخاطب البحر الممتد امامه ، إذا نحن أصدقاء !

وفجأة سمع صوتا غريبا يقول اليوم سيء لعل الأسماك رحلت .رد وهو يخاطب نفسه : مستحيل .ورفع نظره نحو الجهة اليمنى من مكان جلوسه فاصطدم نظره بمجموعة من الأشخاص وهم يصطادون السمك وصنارتهم ملقية في الماء..همهم ..ربما لم يخالفهم الحظ او انهم يحاولون خداعي ، ثم ان القمر لا بد ان يصعد خلال لحظات وصيد السمك في (القماري1) مثلما يقولون لا يخيب!

وعزم امره وصرف النظر عن ما سمعه ورمى صنارته واعتدل في جلسته وأغمض عينيه ..ما هي إلا ثوان ويصعد القمر ، والرزق على الله ثم ان البحر لم يرحل! وقد مرت عليه ليال كثيرة فضل فيها الجلوس تحت ضوء القمر والاستمتاع بالهدوء الطاغي عدى صوت الأمواج وغير عابئ باصطياد السمك ..أه يا خلف (2)..يا مخباء الناس الرأس العظم قشارة3) يا منصور ، المقطوعة ،قشارة غالب، المدابغ ..اسماء وضعها الناس من قبلنا طافوا بهذه الأماكن ..تأملوا احبو واذهبوا بقيت الامواج وصخور الشاطئ وذكريات فحيحه العالي الذي ينبقل من زمن الى مزمن ولا ينتهي وسحب سنارته من الماء وتفقد الطعم ورماها وانتظر فترة ولكن الخيط الرفيع لم يهتز.. ربما ان السمك في القاع وسينقض الان !

وحده وقد انتشر الهدوء حوله وعند الافق تلونت قطعة سحاب واحدة صغيرة باللون الأبيض سحب الخيط من الماء، علقه في الفضاء قبل ان يكومه فوق الصخرة ، تذكر ما سمعه قبل لحظات وتسال بصوت مسموع : هذا اليوم سيئ !

وعاد الرمي في البحر لم يتحرك الخيط الرفيع ..رفع بصره رأى القمر وقد صعد نصفه من وراء الأفق ولازال النصف الأخر يجاهد في الصعود وتغني بأغنية دان حضرمي بصوت هادئ واستدار نحو المكان الذيب سمع وشاهد فيه أولئك الأشخاص فلم يلحظ لهم اثرا ، وتمتم قائلا : لعلهم يتنقلون على طول الشاطئ ، هكذا هي عادة الصيادين بحثا عن (مصيد زين) او ربما ضجروا وذهبوا ! سحب الخيط وتفحص السنارة ، ولقد أكل السمك الطعم .

ووضع طعاما جديدا في السنارة ولوح بها في الهواء وسقط في الماء . واكتمل القمر امامه مباشر وكسر بضوءه الظلملة التي سادت المكان لبعض الوقت

وقال: الان اشتعلت الاضواء وضحك بصوت عالي ، وكأنه احس ببعض الضجر وانه قد بدأ يتكلم او يغني او يصرخ ورجال كثيرون يتكلمون في قاع البحر ونساء سابحات . كان المساء نقيا ورائحة البحر تغمر المكان ، لكنه يشم رائحة عطرية وتلفت حوله فشاهد أولئك الأشخاص يعودون امامه وهم يلوحون بأيديهم ولا يتكلمون ، لا يهمني امر هؤلاء قوم نحس ! وواصل غناءه او صرخاته وما الفرق بين وححديت بين ان اصيح او اهمس .. ومن وسط الماء راي طيفا يصعد نحوه والقى الخيط من يده ووقف جامدا في مكانه وراى يديه تمسك بالخيط وسمع صوتها

: لا تخاف وعاد صوتها يخاطبها ..لا ول مرة تاتي هنا ! اخذ يزحف على الصخرة ويحاول ان يقف على رجليه ومدت يدها نحوه، وراى اصابع يديها تشبه أرجل الحمام مد لها يده وتحرك ببطء واستوى في جلسته وقال في نفسه : هذا اخر يوم اصطاد فيه ..وخاطبها ..

من أنت ؟

لماذا انا من أي عالم اتيت ؟ الجن ام الانس . وخيل اليه انه سمعها تقول ما بك انك تضحكني ..وشعر بان الكلمات تنكسر على شفتيه ولا يقوى على نطقها وقالت مخاطبه اياهه: انشد !

ولم يرد ظل صامتا ..وسمع صوتها مرة اخرى ..

: اسمعني ما كنت انشده . واقترب نحوه م وتماسك وقال :  هذا غناء .

شهقت وهمست بحنان: أعده

: لا استطيع لست بارعا ..أانا ..

ولم ترد عليه ولكنه سحابات من الدموع في عينيها وقال : ثم اني لا أعرفك !؟

قالت : وها انت تعرفني . وتقدمت نحوه وواجهته حتى انه أحس بأنفاسها تلفح وجهه ، وهدا بعض الشيء وسألها : هل قذفت بك امواج البحر ؟

أومأت برأسها واشارت براس الماء المغطى بأصوات القمر وأضاف قائلا يسال: هل تسللت مع هذا الضوء ؟

ردت : أريد ان اسمع ذلك الكلام الجميل الذي كنت تهمس به

قال ت : لا تفهمين منه شيئا

أجابت : ولكنه يطربني

: آه حسنا . وشرع يرتب الكلمات واللحن وهو يغني بصوت حافت ، وبين حين واخر يسرق النظر الى وجهها ، كانت تعز رأسها وتضحك ضحكة صافية واستمر يصدح بالحانه وتغلب على ارتباكه . وفي السماء اصطدم القمر بسحابة كثيفة حجب سطوعه بعض الشيء وأرسى ظلالا على المكان ورغم ذلك لم تحجب رؤية ملامح وجهها وقد غدت أجمل وهذه شفتاها ترددان ما يقول وتوقف وصوب نظره نحوها وقال: لو كنت شاعرا يا فاتنة لكتبت فيك قصيدة انشدها لك في هذا الليل الرائع

سألته: الم تعد خائفا ؟!

رد : لو كان معي بعض الرفقة لربما أصابهم الخوف ثم الم يكن ما طلبتي دليل حسن النية انك نفيه الروح ودافئة القلب فمن يحب الغناء له قلب دافئ ! ولم تنطق بل هزت رأسها وخيم الصمت لحظات ثم خاطبته

: قل شعرا حتى يدفئ قلبي

وقرا بعض الأشعار وفضل ان يتريث في النطق والقاءه معقولا وبعد ان أكمل التفت نحوها فوجدها تعبث بالماء وعيناه تدمعان اقترب منها وسالها : دموع ..أنت ..وبإشارة من يدها طلبت منه ان يسكت وسكت وتحدث مع نفسه : لم يكن امامي الا هذا الخيط الرفيع والان أراك امامي انه شيء غريب حقا ما يحدث ! هل هذه ليله حقيقة ام إنني امام التخيلاتي يحضرني العقل ! وما هذه المفاجآت التي حملها لي منتصف الليل وما قصة هذا لطيف نحن نأخذ من البحر الإلهام والإلحان فلا ريب انه مليء بحكايات العشق مثلما هي كثيرة أسراره كنت أظن اننا نحن من نقف على الشاطئ لدينا قلوب تعشق واخرى تكره وتظلم حتى في البحر ترقص القلوب! ! صحيح ان الأعماق مخابئ وكهوف وطرقات يصعب اكتشافها وما في أعماقنا نحن البشر دليل بيّن . وحرك كتفيه بصورة لاشعورية وأطلق نفسا عميقا واستدار ليسألها ولكن تناهى الى مسامعه صوت سقوط شيء بين صخور البحر وعلى سطح الماء شاهدا طيفا يسبح برقة باتجاه التيار خطا نحو الماء وعلى طرف الصخرة توقف ، اما عيناه فظلتا تتبعان التيار والطيف

ولم يترك الخيط الرفيع وعلا صوته يخاطب البحر

:ما قصتي مع السمك هذا المساء ..الا يبحث عن ستارة جميلة ..!! 

 

 

 

1: القماري : الليلة المقمرة  ويفضل فيها الصيد والسمر

2: خلف: ساحل على مدخل مدينة المكلا الشرقي بين البحر والجبل ويقصده الناس لصيد السمك والترويح

3: قشارة : بلهجة سكان المكلا وهي صخر البحر والأسماء الأخرى مثل العظم /الرأس الخ أسماء لاماكن على طول الساحل خلف منذ القدم