حاجز و مطر

 

 

 

 هدى العطاس

 

 

يعلم أنه يريدها، ويخيل إليه أنه عند امتطائها سيرى أبعد مدى لناظريه، يحلم بالتمرغ في صحاري الجليد الممتدة في عينيها، والزرقة الرمادية تومض داخلهما كضوء خابِ لنجم قطبي.

وحيث تتربع الشفتان كتفاحتين ناضجتين شهيتين تبرران الخطيئة الأولى، أخذ يتحسس طريقه إليهما، حينذاك رأى الحمرة تتسرب بين أصابعه .. علقت ضاحكة :هذه دماء ثمرة كرز من مزارع جبال (البيرينيه).

همس في أذنها: إنها ساخنة كالماء، ربما هي دماء شهداء البلاط، ثم زعق هي حتماً دماء عبد الرحمن الغافقي ..جفلت لبرهة وهي تشعر في صوته بفحيح حقد. ثم عادا ليتضاحكا.

في باحة الفندق سألها متى سيرحل فوجهم السياحي؟

فردت :غدا في الخامسة صباحاً، ذاهبون لمدينة أثرية في بلدكم.

وهو واقف أمام المرآة في غرفتها رأى صورتها منعكسة خلفه ضاحكة تقهقه.أدار وجهه المبتسم نحوها مستفسراً! قالت: لا تصلح من نفسك. دع شعرك كما هو بعبث الريح التي صنعت لك قرنين. وأردفت بصوت هامس: اقترب ان رأسك الأكرت الجميل يمور بالشقاوة ، والقرنين جعلاك تشبه عفريت المصباح السحري لعلاء الدين.. أنت عفريت أخيلتي ووهمي. اقترب.

وانهمرت بينهما التداعيات.

في ضوء الغرفة الخافت، وهي تودعه وعيناها كعيني بومة تلمعان حكمة ودهاء. قالت له لا أحتمل مفارقتك، وهجسي يحدثني أنه مازالت بيننا أشياء لم نفرغها بعد. ابتسم وهو يتلمس ذقنها قائلاً:وثارات لم ننهها..

 

تسرب إليها فحيح الحقد والرغبة في صوته، تململت ولكن نبرته تغيرت، وبلهفة قال: أنا أيضاً لا أحتمل فراقك، وربما لحقت بك لأطوف معك بين آثار بلادي.

ثم ضغط على كفها مودعاً.

في الساعة الخامسة كان على فراشه، وعيناه مفتوحتان أرقا من ليلة البارحة. وفجأة قفز. جرى إلى الحمام .غسل وجهه سريعاً ليطرد الإرهاق. وبدّل ملابسه، وهرول إلى محطة سيارات الأجرة.جلس على أحد المقاعد، ومن دون مساومة خضع للأجرة المرتفعة التي اشترطها السائق، طالباً منه أن يسير به في طريق المدينة الأثرية. بدأ مطر غزير ينهمر. رجا السائق أن يسرع، ويحاول أن يلاحظ معه السيارات المارة على ذات الطريق، خاصة الحافلات التي تقل الأجانب، وشد هو بصره يلاحق السيارات بنظراته متبيناً.

رغم المطر الذي يغبش الرؤية، ومن بعيد ، وكنقطة معلقة في الفضاء، رأى الحافلة التي تحمل فوجها السياحي. زعق في السائق متلهفاً: أسرع أكثر للحاق بتلك الحافلة البعيدة.

زاد السائق السرعة، وهو آخذ في حثه قائلاً: أسرع أكثر أكثر.

رد السائق بغيظ: هذا صعب جداً، لن نستطيع الوصول إليهم بيننا مطر كثيف.