الأربعاء, 11 كانون1/ديسمبر 2019  
13. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

 تفاصيل يوم اعتيادي

 

 

صالح البيضاني

 

 (باب اليمن) مفتوح على مصراعيه وثقب كبير فاغر فاه في إحدى ردفتيه العملاقتين. كان من آثار القذيفة التي فتحت باب الثورة، بدا الثقب كعين رجل يحتضر، عليها مسحة من اندهاش الموت، ترمق المارة الذين يسعون كالنمل في تلك الأحياء الضيقة التي رصفت أرضيتها بأحجار صارت ملساء وصقيلة مع مرور الزمن، من كثرة ما وطئتها الأقدام ذات الأحذية البالية والتي غالباً ما يزبد وقعها بعد الانتهاء من جلسات (القات)، حين تدق (الساعة السليمانية) معلنة انتهاءها، ليعود الناس إلى منازلهم القديمة التي بدت مستكينة وبائسة والتي يأتي السياح الأجانب يوميَّا للاستمتاع بمشاهدتها ورؤية تلك الاستكانة التي رسمتها الأيدي المشققة النحيلة.

 

كعادتي أعود بعد يومي الشاق، أحمل رزمة من (القات) تحت إبطي، أتهدج في مشيتي ومن دون استئذان ألج الباب الكبير ذا العين المحتضرة كما يفعل الكثير من أمثالي، كنت كلما مررت من ذلك الباب التفت يمنة ويسرة وأقلب رأسي في زواياه، ما زال يطرقني خيال قديم أني رأيت ذات يوم عدة أياد نحيلة معلقة من سباباتها غير أني لم أعد متأكدا من أني رأيت ذلك فعلاً أم أنه ضرب من الخيال.

 

عندما ولجت من الباب الكبير حاولت أن أعود أذني على سماع تلك الأصوات الصاخبة والمختلطة الصادرة من ميكرفونات يدوية حديثة الصنع..

كانت الأصوات مألوفة. سرت ولم أعرها أي اهتمام، كذلك كان الناس يسيرون مطرقين رؤوسهم غير عابئين بحملة الميكرفونات الذين انتشروا على جانبي الطريق وأصواتهم تملأ المكان صخباً: أكوات.. أكوات.. شمزان جديدة..لله يا محسنين ساعدوا أخاكم العاجز.. اشترِ لعباً لأولادك..  مسجلات يا بلاشاه..!!.

 

عندما تجاوزت الساحة الكبيرة وبدأت أسير في الأزقة الضيقة متأبطاً رزمة (القات) كانت الأصوات قد بدأت تتلاشى وبدأ الهدوء يعم تلك الأزقة المرصوفة التي لا تصلها أشعة الشمس إلا بصعوبة.

 

بدا لي اليوم وكأن كل شيء قد تغير ، فالأشياء المألوفة بدت مختلفة، ربما لأني لأول مرة أفكر في أن أتأمل ما حولي. أخذت أعد كم حجراً يمكن أن أجتازها بخطواتي المعتادة: اثنتين.. ثلاثاً..اثنتين..ثلاثاً..ثلاثاً..ثلاثاً.. وعندما اطمأننت أن خطوة قدمي تجتاز ثلاثة أحجار رفعت رأسي للتأمل في تلك البيوت السمراء الشائخة.. كنت أتساءل في نفسي : يا ترى لماذا يهتم (الخواجات) بهذه البيوت العتيقة وأنا أراها شيئاً عادياً لا يستحق الاهتمام..؟!

 

اليوم عرفت الإجابة عندما لمحت مسحة من الحزن الدفين والكآبة تكتنف جنبات تلك البيوت التي نحت الزمن معالم عميقة في أركانها، كانت تنأى بوجهها عني فيما رمقت تلك القمريات المنكسرة وأنا أتساءل:لماذا لم تكتمل !؟.

 

عندما وصلت إلى منزلي الجديد أخذت أطرق الباب بتلك الحلقة الحديدية المثبتة في وسطه، انتابتني قشعريرة سرت في كل أوصالي فقد بدت لي الحلقة الحديدية الصدئة كقيد ضرب حول ساق منتنة، رفعت كفي البارد إلى أنفي لأشم رائحة الصدأ الكريهة التي علقت به، وكان الباب قد انفتح.

كان الرواق مظلما وبدت الدرج أكثر علواً. كانت سحيقة واليوم فقط علمت أنها ثمان وثلاثون درجة بالتمام والكمال.

 

بعد أن تناولت الغداء فرشت أعواد (القات) الخضراء أمامي واتكأت وأخذت أجر نفساً عميقاً من قصبة (المداعة) التي التوت أمامي كأفعى (البيثون) فيما كانت قرقرتها تأتي رتيبة بانتظام...

 

كانت الخطوط البيضاء/السوداء تخترق الشاشة الصغيرة للتلفاز ذا اللونين الأبيض والأسود العتيق كثير الأعطال، فيما ظهرت صورة رجل شاحب الوجه كانت نوبات من السعال الحاد تتخلل قراءته لآخر الأخبار:((أعلن متكهنون بميعاد يوم القيامة أنه وفقاً لحسابات أجريت على نبوءات حضارة ألمانيا القديمة..أه..أه عفوا فإنه سيتم إرجاء نهاية العالم من عامنا هذا 2000إلى عام..أه..أه..عفوا إلى عام 2012 هذا ومن المعتقد حسب حضارة ألمانيا أن الكون الحالي تم خلقة عام 3114قبل الميلاد وأنه سينتهي..أه..أه.. سينتهي بعد مرور دورة كبرى مقدارها 5136 عاما..أه..أه..أه..جاء ذلك في مجلة (ايه ايه آند) (إيه اس) اللندنية المعنية بأسرار الحضارات القديمة ومن المتوقع..أه..أه..أه.)).وفيما كانت نوبة سعال طويلة تنتاب المذيع ذا الوجه الشاحب عم اللون الأسود القاتم شاشة التلفاز لينطفئ   الوميض في منتصف الشاشة.. فيما كنت رافعاً رأسي أتأمل أخشاب السقف المطلية باللون الرمادي والتي رصت إلى جوار بعضها بعناية بينما كانت إحدى وجنتي متورمة و قصبة (المداعة) في يدي الهزيلة أمتصها بعمق لأطلق السحب البيضاء الكثيفة التي ملأت أرجاء الغرفة..

 

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب