الأربعاء, 11 كانون1/ديسمبر 2019  
13. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

قلب من صنعاء

 

 

ريا أحمد

 

 

الإهداء إلى والديّ ..قلبين من ذهب ..

 

-دخلنـا الآن أجواء العاصمة صنعاء، حمداً لله على سلامتكم .

أسدل صوت كابتن الطائرة الستار على مسرح ذكرياتها الجميلة، حيث راح يوجز بلباقة تاريخ اليمن خاتماً إياه بالتحدث عن الطقس.

ألصقت وجهها بنافذة الطائرة الباردة، لترى جمال صنعاء من على متن جناح الشوق:

-أخيراً صنعاء! ! فلتفردي ذراعيك لبلقيسك التي طالما اشتاقت إليك.

حدثت نفسها بكلمات امتزجت بدموع لم تدر هل هي دموع الشوق الذي طالما أضناها، أم دموع البعد عن عائلتها.

عادت برأسها إلى الخلف لتستند مرة أخرى على وسادة الذكريات، والدها وحديثه الذي لا ينتهي عن أزقة صنعاء، منازلها العتيقة، قبابها ومآذنها. وعن قاع اليهود ..صنعاء أم الدنيا هذا ما كان يردده بالفرنسية تارة وبالعربية تارات أخرى. تبتسم بسخرية وهي تتذكر صراخ والدتها الفرنسية عندما يدور الحديث عن صنعاء ويعبق المكان بأريج ذكرياتها.

-الرجاء منع التدخين، وربط الأحزمة.

مرة أخرى يقطع ما يربطها بوالدين وأشقاء ابتعدت عنهم.

-وأخيرا هواءً عربي! يمني! ها قد عادت بلقيس إلى مملكتها، اغمريني بحنانك، ضميني، احضنيني يا صنعاء، فأنا البلقيس الوحيدة بين ماري، روز، وأندريه. أنا العربية أتشعرين صنعاء بيمنيتي؟ أنا الوحيدة بنت أبي والآخرون أبناء ريتا الفرنسية.

وارتمت في أحضان صنعاء لتنهل منها حناناً لن ينضب. استقلت سيارة أجرة لترحل بها إلى موطن الشوق، كانت السيارة تمضى مسرعة وكانت عيناها تتفقد مملكتها التي غابت عنها كثيراً، نظرت إلى وجه السائق الشاب التي جلست في الكرسي المجاور له وتأملت خدّه المتورم.

-أهو فقير إلى الحد الذي لم يتمكن من معالجة ألم ضرسه؟

سألت نفسها بحيرة لم تطل، فقد رأت وريقات خضراء تنقل من كيس بلاستيكي إلى فم ذلك الشاب، وسرعان ما تذكرت القات .لقد تحدث والدها عنه ذات يوم وقال إنه طالما تمنى أن يخزن في مقيل المقالح  لما يشاع عنه من أخبار ثقافية.

-إلى أي وجهة ستذهبين؟

- لا أدري ..

ردّت علية بكلمات عربية مكسرة..

- إلى الشيراتون..؟

- ليس معي ما يكفي لليلة واحدة هناك..

- أتعرفين أحداً هنا تبغين الذهاب إليه

ألتفت إليها بعد أن أوقف السيارة ؛ ريثما تحدّد وجهتها.

- نعم.. أعرفك أنت..

* * * *

لم تمنع ثلوج باريس البيضاء احتقان وجه ريتا التي تكاد تتمزق غيظاً جراء غياب ابنتها المفاجئ عن المنزل.

-إلى أين ذهبت تلك الساقطة؟

-لم تكن بلقيس يوماً كذلك. تعلمين ذلك جيداً.

كذلك تحدث والد بلقيس رغم ما يشعر به حيال اختفاء ابنته التي يفضلها عمّن تبقى من أبنائه.

-لماذا لا تسألون عنها صديقها تومي..

تحدثت روز التي أولت اهتماماً أكبر بعناية أظافرها. رمقها والداها بنظرة لم تمنع والدتها من السؤال عنها عند كلّ الأصدقاء.

* * * *

كانت أشعة الشمس تغرق في شفق الغروب، تنساب من خلال العقود الملوّنة (القمريات) حيث تجلس بلقيس مع ذلك السائق الشاب.. في مجلس رصّت فيه المتاكئ بتنسيق جميل ودقيق. وقد توسّطت النارجيلة (المداعة) الديوان الصغير، بينما كانت قهوة (القشر) البن اليمني المعروف قد وضعت في فناجين خاصة أمامها، وقد امتلأ الديوان بجميع أفراد أسرة ذلك السائق.

انفرد ذلك الشاب بوالدته العجوز ليحدثها بأمر تلك الشابة حيث قرّر بقاءها معهم إلى حين انفراج.

كانت بلقيس تخرج مع تلك العجوز التي تحمل (بقشتها) لتعرض بضاعتها على النساء في البيوت وقد تعرفت -بلقيس - على الكثير من اليمنيات والعادات التي يتبعنها.

* * * *

كانت الأشهر التي غابت فيها بلقيس عن عائلتها كفيلة بأن تسمح للمرض أن ينهش جسد والدها المسكين. أما شقيقاتها فقد جعلن منها مثلاً أعلى لهن حيث اختارت كل واحدة منهما مسلكاً لها، فلم تكن بلقيس الفتاة الوحيدة التي تركت عائلتها في باريس، فهي في العشرين من العمر ولا يُعاب عليها ترك والديها لتسلك منهجاً تختاره.

-يا لك من مدينة جميلة بغبارك! فاتنة بأزقتك! رائعة بالآدمية التي لا زالت تسري في عروق أناسك! لعمري إنك أجمل من كل بقاع الأرض! نعم كل بقاع الأرض!

-بلقيس.. يا بلقيس ..

هكذا جاءها نداء يستعجلها. ارتدت الستارة المزركشة وحملت الصرة لتذهب بها إلى العرس في الحارة المجاورة، كان المكان مكتظاً بالمدعوات (المتفرطات)، في حين بدأت بعرض ما تحتويه (بقشتها) بكل مهارة.

-ما أقرب السياسة من الإنسان اليمني! فالكبار والصغار نساء ورجالاً يتحدثون بحماس عن السلام، عن شتات الأمة العربية، وعن الأوضاع المحلية، الكل يتحدّث، يستمع ويناقش.

عادت لمنزل ذلك السائق الشاب الذي اقترنت به بعد إشهار إسلامها.

-ممتعة الحياة هنا، فالأيام ماضية بلا هوادة لتسقيني حباً دافئاً بعد أن تجمّد قلبي من صقيع المشاعر

* * * *

-لا تحلم كثيراً بعودة ابنتك، يجب أن تنساها، لكي تغلب المرض.

كلمات مقتضبة رمتها على مسمعه وهي تسرح شعرها الأشقر، لتتركه يصارع مرض الحنين إلى من هرب من أحضانه.

- حينما تتركني الحياة للموت أرسلوا نعشي لصنعاء.

أطفأت نور الغرفة..مجنون.. تساقطت الثلوج لتمضي سنة على مغادرة بلقيس

-أين تكون؟ لا زلت أتذكّر ملامحها الشرقية .

-إنها تتفقد مملكتها، ثقي من ذلك .

بسخريـة :

- يبدو أن الخرف قد نال منك.. مجنون ..

* * * *

لم اتفق يوما مع ريتا (أمي) ،فهي متبلدة الأحاسيس، خالية المشاعر، نعم إنها كذلك، كباريس تماماً لا تجد ما تمنحك إياه سوى بعض الأماكن النظيفة، والمحلات الفارهة، ولم أنسجم يوماً مع شقيقتي وشقيقي، أنهم كوالدتهم ريتا! أما والدي فهو كصنعاء ينبض بالمحبة، هو من جعلني أعشقها عندما أسكنني قصراً بداخل قلبه اليمني الصغير، فقد كان الوحيد ذا قلب صنعاني.

كانت الوجوه مشرئبة نحوها وهي تتحدث من على فراش مرتبة الولادة بعد أن اقترحت تسمية وليدها البكر على اسم مملكتها: سبأ.

* * * *

- لتذهب إلى الجحيم ..أبله .

هكذا ودعته عندما غادر باريس عائداً لعروبته ليمنيته ، فقد أبى أن يموت قبل أن يسلم قلبه لها، بعد أن عاش ردحاً من الزمن في موطن الغربة مع زوجة تثلجت مشاعرها..

- ما أدفأ زمهرير صنعاء! ! وما اشدّ صقيع لهيب باريس! !

كانت الشمس في كبد السماء عندما شعر بها:

- نعم إنها هي لن تخبئها الستارة مني، ولن يحجبها المغموق عنيّ. لن تتنكر بتلك الصرة المتوجة رأسها. نبض قلبك لا زال يعترف بأب يمني وأم فرنسية.

وذهبا في عناق حميم، لتودّع باريس قلباً من صنعاء طالما نبض بجوانحها.

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب