الكسيح

 

 

عياش الشاطري

 

أمر به يوميا ، وهو منهمك في عمله ولا أعيره اهتماما .كما اني لم ادقق النظر في تكوينه الجسماني من قبل

وفي صباح ذلك اليوم الذي اعتبره بداية لي ، في النظر إلى الكائنات والأشياء بعين فاحصة ورسم صورة كاملة لها وليس ملاحظة أجزاء بارزة وإسقاط الباقي .

وفي ذلك الصباح الذي ابتدأته بترديد أغنية صباحية تحبب الحكاية وتمدح العمل مررت بعبد الرحمن ووجدته كعادته مقوسا ظهره ،يحنو إلى حذاء يصلحه ويردد أغنية يمنين عريقة ..جذبتني تلك الأغنية فتوقفت لأسمعها لم يشعر بي حينها ولم يلتفت ألي إلا بعد إن أصلح الحذاء وتوقف عن الغناء

بادرته قائلا : أراك تغني اليوم !

فأجاب: اني اغني كل يوم بل ان كل حذاء أصلحه يحظى بترنيمة

: لكني أمر كل يوم ولا اسمع غناءك

: اعتقد انك اليوم مسرور وكل مسرور تجذبه المسرة وتنفتح عيناه وتشنف إذناه لها .

: كيف عرفت ذلك

: ان الهموم منظار اسود يسبغ على الدنيا سوادا ويخفي مواطن الجمال والحبور أنت تمر يوميا مهموما وإذناك لا تسمعان إلا ترديد شعر المعري (تعب كلها الحياة) ولذا فلا عجب من قولك انك لم تسمعني اغني قط ويبدو لي اليوم يا صديقي ان أبيات جبران أعطني الناي وغن فالغنى سر الوجود يرن في إذنيك لماذا لا تكون هذه الكلمات ضيف أذنيك الدائم

: وقفت مبهورا وهو يحلل نفسيتي ويفلسف الأمور بفهم ويضرب أمثالا في التشاؤم والتفاؤل يدعمها بأبيات شعرية هل أنا امام اسكافي أم عالم نفسي أو متذوق شعر وناقد ؟ لقد ظهر الجانب الأخر لهذه الشخصية التي ارمقها كل صباح مارا وليس في ذهني سوى صورة اسكافي عادي لا يتصور احد انهه يستطيع التطاول ويحلل النفسيات ويعرف في الشعر

هززت رأسي لنصيحته إشارة إلى ما قاله ومشيت وقد زاد فضولي لمعرفه هذه الشخصية من كل جوانبها مستندا إلى المثل الشعبي ( تحت كل اغبر جوهرة) وعبد الرحمن اغبر  بكل ما تحمله الكلمة من معنى فثيابه رثة والقذارة تغلف كل جسمه ورجلاه المدثرتان بإزارة لا تختلفان عن بقية أعضاء جسمه ولا أعيب رثاثة ثيابه واتساخ يديه لان عمله يبررهما ولكن أعيب فيه معانقة صدره للقذارة بشكل مقزز 

مرت أسابيع عديدة قبل ان اعرف جوانب شخصيته الغامضة ولقد  انتهزتها فرصة حين تمزقت فردة حذائي إذ منيت نفسي بالجلوس معه علي اعرف أشياء عنه لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن لأنه غير موجود .

سألت اقرب جار له في زقاق العمل فاخبرني انه لم يِأت يومها فلعله أوفى بقسمه ومكث في حانوته الذي يطلق عيه اسم البيت ليتمتع بيوم خال من التراب والأوساخ

سالت محدثي : وهل يسمح لنفسه بعطلة أسبوعية أو ما شابه ذلك؟

فأجاب: لقد استراح اليوم بعد ان قضى أسبوعين دون ان يغتسل ومرد ذلك انشغال من يغسله فالاغتسال يخفف عنه متاعب العمل . استغربت سماعي وجود شخص يقوم بتنظيفه فافلت سوالي التالي

: هل لديه عاهة لا تمكنه من تنظيف نفسه؟

فأجاب صاحبي على الفور: الم تلاحظ رجلي عبد الرحمن يا هذا انه كسيح ويده اليسرى هي الأخرى بها وهن ولهذا لا يستطيع لاغتسال .

وبدأت اعرف خافية أخرى فزاد فضولي بطرح الأسئلة وكانت أجوبة محدثي : ترك عبد الرحمن مدينة تريم بمحافظة حضرموت بعد ان ضاق ذرعا بالعبارة التي تتردد على سمعه يوميا : أنت خسارة للأسرة . ولا تجيد إلا الأكل والقراءة ترك أهله ساخرا بقوله : سأخفف العبء عنكم .

وحط رحاله بمحافظة لحج .

 تلقاه الكثير منا وحل ضيفا علينا لمدة ثلاثة أيام بعدها طالبنا بالمساعدة وتعليمه هذه المهنة وكان له ما كان وهو الان يكسب قوته بعرق جبينه كما يقولون ولم يعد خسارة على احد وما ان انتهى من جملته الأخيرة إلا وكان سؤالي أتعرف دكانه ؟ خذني إليه . وقد وجهت سوالي هذا لأشبع فضولي واعرف كيف يقضي إجازته وماذا عساه ان يعمل ؟

وانطلقنا صوب الدكان القابع في زقاق تميز أهله بعسر الحال لكنهم جميعا يعملون بأعمال جميعهم يطلقون عقيرتهم بالغناء خصوصا في المساء بعد عودتهم من عراك مع الطبيعة والفوز بلقمة العيش

مررنا بمنزل وثان وفي الجزء الغربي من البيت الثالث يقبع دكانه أو قل مأواه

باب الدكان مفتوح وبمحاذاة الباب من الداخل يمتد سريره المحتوي جسده النحيل المنتصب بوسادة تسنده رجلاه ممتدتان وعليهما لحاف خفيف وبين بطنه ويديه كتاب يحتضنه برفق، عيناه توجهان نورهما إليه بتركيز .

عندما وضعنا أقدامنا على عتبة الباب أحس

أحس بمقدمنا فنحى الكتاب جانبا بعد انتهائنا من الأسئلة التقليدية عن الحال والصحة وسالت عن يومه هذا ماذا يفعل فيه؟

أجاب :انني أعيش اليوم مع الصفاء والمناجاة ولكن أتمنى ان أعيش أيامي كذلك .كان بوسعي ان أعيش مع الكتب احلق طائرا في سماء الأفكار وأحط على غضون الحقائق !! لكنني اكره ان أكون عالة على غيري لذا يجب ان اعمل . ومع هذا فان اسعد أوقاتي هي التي اقضيها بين دفتي كتاب أو متجولا في صحيفة ان احتضناني للكتاب هو احتضاني لحبيبة اسمها الحياة .تبرئني من عاهتي وتطوف بي الدنيا دون عناء سفر.

كل كتاب بالنسبة لي رحلة لأني كسيح

قاطعته قائلا: هل يمكن لنا مساعدتك بمطالبة جهات الاختصاص تعيين معونة شهرية للتفرغ للاحتضان ؟

أجاب بنبرة احتجاج: كلا ..كلا ..اني اطلب المساعدة بتعيين معونة ثقافية في مطلع كل شهر ..رزمة من الكتب الصادرة حديثا ، علها تنسيني كساحي وتشفيه .

هززت رأسي ملبيا وتركت عبد الرحمن في يوم صفائه وحلمه الذي سوف يتحقق ان شاء الله .