دندنة

 

 

 

صالح باعامر

 

 

هممت، فدندنت دندنات تغلغلت في دواخل دواخلي، وأوقفت كل حركة فيَّ، كل شيء حوالينا يتلقى الدندنة ويتجرعها جرعات تشبع العواطف والوجدانات وتكسو المكان بالنسيمات المشبعة بذرات الملح وبأضواء النجوم والوشوشات والدندنات التي يردد اصدائها الجبل المتمدد خلف مدينة المكلا.

الدندنة أعادتني إلى صباي ولهوي ولعبة (بوح بوح القمر)التي كنا نلعبها وسط النخيل او بين المنازل في غيضة عسد الجبل.

ونقلتني الى زمن تأسس فيه حبي للمكان والزمان والإنسان، وتأصلت فيه منظمومة عشق انقرضت وإن وجدتها فاستثناء، كانت ( سلامة) إحدى أركان هذا الحب ولب هذا العشق . نظرت إلى صاحبة الصوت الآسر فوجدتها تنظر إليَّ أيضاً فوخزني جانبي الأيسر. سحب كل منا نظراته وعاد الى قاعدته دون خسارة تذكر.همهمت ثانية ودندنت وأطلقت صوتًا حفزني إلى العودة إلى ذلك الزمان والسفر في تلك الليالي، لم ادر كيف قلت لها:« لحن جميل».

أطلقت ضحكة اهتززت لها، فقالت:

« وماذا ستقول لو سمعت الكلام؟»

« لن أقول أكثر من أن صوتك هو الأجمل»

أطرقت .. خطت فوق الرمل خطوطاً متداخلة، نخلة تعانق أخرى، جبل يشرف على اودية تتلاقى وتتباعد خرير المياه المنساب الى النخيل. «أسمعيتيه »

«هو بيت واحد»

« كحال قصيد الدان المشقاصي »

حدقت فيّ بصمت ورددت:

«ماسخيت لك بالنكد»

يومك صغير وزين»

كانت النجوم في سماء «خلف»متألقة في الوقت الذي كنت فيه أحاول غزل كلمات شعرية تعبر عن هذا اللقاء الذي أنعش خيالي وهز شاعريتي، ونبش بداخلي أسراراً كادت تندثر.

فوجدتني أردد:

« ماسخيت لك بالنكد»

فأكملت هي:

« يومك صغير وزين»

«هل انت شاعر»

«شاعر بك»

العيون تنظر إليّ، الآذان ترهف السمع مترقبة لما سأقوله، الجميع يهفون الى ليلة جميلة تهدئ الولع وتلبي توقاً.بينما كنت كالذي يهذي أتمتم ، أجمع الكلمات والجمل والعبارات، أزنها، أنقب عن مفردات بعينها الى أن قلت:

«حسيت قلبي وهد يوم عندي الحسين»

أعتدلت في جلستها، فصوبت اليها كل ماأملك من عدة وعتاد لكي أكشف سرها، فرأيت الوادي وتمايل سعف النخيل، والجبل، وطرطشة المياه وزقزقة العصافير وجلسات الغناء، وحلقات الرقص وشممت عبير نسوة القرية التي تفوح منها رائحة زهرة الورد المجفف الذي عجن ولطخ الشعور التي تشكلت في ضفائر صغيرة.

تنهدت، ،وانساب صوتها متماوجاً ومتناغماً مع وشوشة البحر ومع ما استشعره من ألم كذلك الذي حدث في ليلة من ليالي وادي عسد الجبل والتي مرت عليها سنوات طوال. قبل أن تأخذني المكلا واتخذها ملاذاً ومأوى فجأة توقفت عن الغناء «مابك»

« غناء، أن لم يتبعه رقص ممل»

نزلت جملتها كمطرقة دقت جدار الزمن بداخلي نظرت إليها فلحظت سهمين بلورين انحدرا فوق وجنتيها المنقشتين بالوشم:

لم يكد القمر يبزغ من خلف «جبل مضوبة» ويدثر النخيل والوادي والإنسان إذبسطت الساحة ذراعيها لمتعاطيي الغناء والرقص.

عدد من الصبايا يتلحقن حول حلقة رقص يتابعن كل كبيرة وصغيرة .. الكل مشدود للأصوات الرجالية، أكف تصفق، أرجل تدق الأرض مشكلة إيقاعاً معبراً عما يختزن من توق وهجس إلى لحظة أسعد.

تقدم أحد الصبية وسحب صبية ليراقصها. آخرون تهيئوا لسحب أخريات فوجدتني أشير لسلامة لأدخل بها الحلقة لكنها لم تأت.

ذهبت إليها واقتربت فشممت عبيرها الذي خلته كرائحة نخلة بكرت بثمرها وغدت مهيأة لإستقبال غبار الطلع.

فالأصوات تؤلف لحناً كورالياً رددته الجبال .

 

- لنرقص.

 

- لن ارقص الليلة.

 

- ستحرمينني من ليلة ممتعة.

 

- لن ارقص بعد اليوم.

 

- لم؟

 

- قيل إنه حرام.

 

- هنيهة واقتادها أخوها الى حيث لاأدري، وكان رحيلي إلى المكلا.

« سلامة؟»

« سالي .. لقد غدوت سالي»

«ما الذي جاء بك»

« لنعود إلى القرية»

« بعد ماذا؟...