أشياء مستعملة

 

 

 

 عزت مصطفى

 

 

 

لا يعرف شيئاً عن حياته، أسرته.. سوى أن والده حمله طفلاً في الثانية من عمره، على كتفه قبل عشرين عاماً، راحلاً وإياه من قريتهما النائية بعيداً في الجنوب اليمني، النائمة بين أحضان جبل ردفان، متجهاً به إلى صنعاء التي اطمئن إلى حارسيها (نقم وعيبان*)، لعلها قضية ثأر أجبرت والده على مفارقة دياره والاختفاء في صنعاء متظاهراً أنه من أبناء الشطر الشمالي من اليمن، كما كان يدعي الكثيرون غيره من أبناء شطري اليمن قبل اندماجهما في الوحدة.

هناك في منزل خشبي صغير وضيق مصنوع من مخلفات بناء عمارة كبيرة بعشرين طابقاً، تقع في الطرف الجنوبي من الحي السياسي، جلس عصام يفرز مجموعة من الدفاتر المستعملة التي حظي بجمعها من أبناء ساكني العمارة التي يعمل والده على حراستها.

يبدو أن ما قام بجمعه من الدفاتر المهترئة لن يكفي لتغطية احتياجاته من الأوراق لبقية العام الجامعي.

عصام طالب في السنة الأخيرة بكلية التجارة، لكن ليس كل من يدرس التجارة ينتمي إلى أسرة ثرية، ربما كان أكثر طلاب هذه الكلية ذكاءً وفقراً.

كان الابن الوحيد لوالده الفقير، وكان والده الشخص الوحيد الذي يمت إليه بصلة.

علاقة غريبة تجمع عصاماً بكل ما هو مستعمل وقديم، فملابسه كلها استعملت من قبل، وحذاؤه بالكاد يصلح للسير، وكل شيء.. كل شيء بالنسبة له كان قد استعمل من قبل، وهو بالنسبة لتلك الأشياء ،المستخدم الثالث وربما الرابع، وفي احسن الأحوال يكون المستخدم الثاني.

ذات مرة، جلس يفكر في وضعه السيئ الذي يعيشه.شعر بحسرة غامرة عندما لاحظ أن المنزل الذي يقطنه هو و والده بُـني بجانب فتحات التهوية الخاصة بالبناية، تحسر أكثر عندما قام في إحدى المرات بمحاولة تطبيق تمرين يحدد مسار الرياح، تعلمه في المرحلة الابتدائية، لا يعرف لماذا الآن ينفذ هذا التطبيق بالذات، وما الذي ذكره به، ولماذا ينفُذه بعد كل هذه السنوات.

مصادفات غريبة لا تقع إلا لشخص مصاب بنحـسٍ من نوع خاص.. مصادفات غريبة لشخص غريب.

اكتشف عصام أن فتحات التهوية تلك ما وضعت إلا لخروج الروائح الكريهة من حمامات البناية، وأن الرياح عندما قام بمحاولته تلك كانت تتجه جنوباً نحو المنزل الخشبي المبني خلف عمارة من عشرين طابقاً، تعتبر آخر عقار في ذلك الحي.

*هل الهواء الذي استنشقه مستعملُ هو الآخر؟.. قالها بتحسر.

ارتبطت الأشياء المستعملة به ارتباطاً وثيقاً –وربما هو الذي ارتبط بها-، شكلت مسار حياته، وسيطرت على سلوكه وتصرفاته.

عندما تزيد سرعة الرياح عن معدلها الطبيعي، وتشتد غير آبهة بأمثاله ممن لا يرتدون ملابس داخلية، يتحاشى مواجهة، أو سلاماً على أي قادم باتجاهه، خاصة إن كانت أنثى، الرياح تحرجه وتفضح فقره حين تلتصق به ثيابه المتمرغة في الفقر، وقلة الحيلة.

لم يرتد عصام ملابس داخلية قط، هذا النوع من الملابس لا يباع في سوق (الحراج) كما أن الأثرياء يشعرون بحرج من التبرع بها بعد استعمالها، فهي كثيراً ما تظل جزءاً من خصوصياتهم التي غالباً ما تكون محرجة.

عندما أصيب والده بفشل كلوي، احتاج لنقل كلية بصورة عاجلة، ورغم أن الكلى المزروعة تعد من الأشياء المستعملة، إلا أن عصاماً لم يستطع العثور على متبرع ينقذ والده المريض، الجميع يستخدمون كلى مستعملة يتبرع بها آخرون عندما يكونون بحاجة إليها، لذلك هو لا يستطيع الحصول على واحدة منها ليطيل بها حياة والده المحاصرة بالفشل.

توفي والده في حين كان هو ينتظر نشر الإعلان الذي أرسله لعدد من الصحف لعله يجد من يمد له يد العون في إنقاذ الإنسان الوحيد الذي تربطه به صلة قرابة، إلا أن الإعلان لم ينشر . فالإعلان في الصحف من الأشياء التي لا تستخدم أكثر من مرة.

استطاع عصام إقناع مالك البناية بتوظيفه حارساً خلفاً لوالده.

مع مرور الأيام تحول المنزل الخشبي الذي يسكنه عصام، إلى مكان لبيع الأشياء المستعملة.. بالإضافة إلى كونه منزلاً حقيراً يؤويه، أضحى ذلك المنزل مقصد من يريد التخلص من مقتنيات قديمة لم يعد يحتاجها.

في إحدى الليالي وبينما عصام منهمك في استذكار دروسه استعداداً لخوض الاختبار النهائي الذي إن اجتازه قد يلج إلى الحياة العملية التي ربما تحسن من وضعه المعيشي البائس، لمح أحدهم يتسلل إلى البناية ذات العشرين طابقاً التي يحرسها، كانا عقربا الساعة يتمددان فوق الرقم 2 وكانت هيئة المتسلل وأناقته تؤكد أنه ليس لصاً.اللصوص لا يتركون أي أثر يدل عليهم، وهذا المتسلل يشد الانتباه إليه من خلال عطره الذي تركه وراءه يملأ الأجواء.

همهم قائلاً: منذ متى واللصوص يستخدمون عطوراً كهذه، وفي وقت كهذا، وما ذلك الشيء الذي يحمله في يده؟

صمت برهة، وراح يرمق ذلك المتسلل خلسة من بعيد صاعداً وراءه سلالم البناية إلى أن دخل الرجل الشقة رقم 9.

فهم عصام معنى مجيء رجل إلى شقة أرملة في مثل ذلك الوقت من الليل، إلا أنه لم يستطع البوح بما عرفه حرصاً على وجبة الفطور التي كان يجدها بين المهملات من بقايا وجبة العشاء التي يحضرها العشيق لعشيقته، والتي كانت ترمى ولا يؤكل منها سوى شيء يسير لانشغالهما بأمور أخرى أهم من العشاء في وقت متأخر من الليل.

ظل عصام عدة اشهر يتناول وجبة فطور محترمة ملقاة في سلة قمامة، إلا أن تلك الوجبة انقطعت فجأة، الرجل المتسلل لم يعد يأتي، لكن شيئاً منه ظل ساكناً البناية، ظل عصام ينتظر عودته مرة أخرى حاملاً وجبة الطعام المعتادة.

ذات يوم، كعادة ساكني البناية، استدعت السيدة الساكنة في الشقة رقم 9 عصام لتعطيه بعض الأشياء المستعملة التي يرى البعض ضرورة التخلص منها.

عند الشقة رقم 9 -حيث وقف عصام منتظراً الباب أن يفتح ويأخذ ما كتبه الله له من رزق- خرجت امرأة رائعة الحسن مرحبة به، كان يعرفها جيداً، فقد شاهدها قبل عام تندب زوجها المتوفى.

قال في نفسه وهو يتأملها:

لم تكن قبل عام بهذا البياض، ولم تكن خدودها ممتلئة كثيراً، لقد ازدادت روعة من ذي قبل، حتى بطنها كبرت وأصبحت محدبة بشكل ملحوظ.ربما انتفخت من العشاء الذي كان يحضره الرجل المتسلل؟!

دعته للداخل، إلا أنه وقف متسمراً دون حراك، ألحت عليه بالدخول فدخل رغم استغرابه من طلبها.. أمرته بالجلوس وذهبت لتحضر له بعض الأشياء التي عادة ما تفرحه.

ظل واقفاً، فما زال مستغرباً، إنها المرة الأولى التي يدعوه فيها أحد ساكني البناية لدخول شقته.. وأي شقة.. رقم 9 !!

همت بمناولته الأشياء من موروثات زوجها، أحذية، ملابس، أدوات حلاقة، حتى الملابس الداخلية أحضرتها له، ربما أدركت أنها أكثر ما يحتاجه.

كان يعرف أنها امرأة وحيدة، زوجها متوفِ، والرجل المتسلل لم يعد يأتي، لذلك سألها:

: هل لديكِ فراشٌ اسفنجي لست بحاجة إليه؟

: ولمن الفراش؟ هل ستتزوج؟

: أتزوج؟! ومن ترضى أن تعيش في ذلك الجحر؟

: ربما تجد المرأة التي تخرجك من الجحر؟

: يبدو أنها عندما تخرجني منه سترميني في الشارع.

قالها ضاحكاً بصوت عالٍ.

:ماذا لو أتت بك إلى شقة كهذه؟

قالتها له بطريقة مغرية.

انتابه ذهول من جرأتها، وقبل أن يفتح فمه، اقتربت منه بلطف حتى كاد نهداها يلتصقا بصدره،وباغتته قائلةً:

:أتقبل أن تتزوجني؟

لم يتمالك أعصابه من المفاجأة غير المتوقعة، ارتمى على المقعد مندهشاً وسأل نفسه:

:أتزوجها.. لكنها...

ظل اندهاشه بينما هو يطيل النظر إليها من الأعلى إلى الأسفل ممرراً بصره على نهديها البارزين إلى الأمام وبطنها المنتفخة من عشاء الرجل المتسلل، لم يكن يتوقع أن يحصل على امرأة بهذا القدر من الجمال، وطفلاً بلا ملامح بعد، ضمن الأشياء المستعملة التي جاء لأخذها.

لم تمر فترة طويلة ليقنع نفسه بالزواج منها، قائلاً في سره:

:لا بأس طالما أن الزوجة ستكون آخر الأشياء المستعملة.

نهض واقفاً وهو ينظر إليها كالأبله، وهو يصيح:

:نعم.. الآن.

 

*ردفان، نقم، وعيبان/ أسماء جبال في اليمن