الأربعاء, 13 تشرين2/نوفمبر 2019  
15. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

النملة السوداء *

 

 

سلمى الخيواني

 

في أحد أروقة الحرم الجامعي، كنّ هنالك ينتظرن تشريف "الدكتاتور"، أستاذ أحد المقررات الجامعية، وقد  انقضى من زمن المحاضرة حوالي ساعة إلا ربعاً، خرجتْ من بين تلك الكتلة السوداء "نملة نشيطة"، أخذت تغذُّ المسير في ذلك الممر الضيق، والمؤدي إلى قاعة المحاضرات، بدا تجوالها في الممر مثيراً للضحك بين زميلاتها اللواتي يحاولن كتم ضحكاتهن الخافتة، خوفاً من جرح مشاعرها ومن لسانها السليط.

لقد اعتادت التصرف بشقاوة الأطفال، وعفوية القرويين، ولا تنطق إلا بالصدق، ترفع طرف جلبابها المنسكب على كاحليها، وتجذب أصابعها العارية طرف برقعها من الأسفل قليلاً، لتسمح لبؤبؤيَّ عينيها استراق النظر إلى ما هو أبعد من تلك الشمس العالية... تدير رأسها، وتلتفت يميناً وشمالاً، فلا تجد أحداً في المكان من زملاء قسمها، أو الأقسام الأخرى، فتبدأ بالركض مسرعة حتى آخره، وتعود من حيث أتت، ثم تتوقف بشكل مفاجئ، كالسيارة بدون كوابح.

وهنالك اصطدمت بإحدى زميلاتها من قسم الفنون، فتبادلتا التحايا والقبل الطائرة في الهواء بفعل الأغطية.

تقول "مها":

-هل لديكم محاضرة الآن؟

تجيب علا:

-المفروض.

-من لديكم؟

بعد صمت بقي للحظات، وبانزعاج "الدكتاتور"

-الدكتاتور!!

-أجل أستاذ اللغة.... هل عرفته؟

-آه.. أجل إنك على حق، ولكن تعجبني صراحتك!

-شكراً على المجاملة!!

-لكني أود أن أسألك سؤالاً، وأتمنى أن تجيبيني بصراحة.

-سلي ما شئت:

-رغم وقارك واتزان أفعالك، إلا أني أجدك أحياناً تتصرفين كطفلة.. فأنت تصرخين عندما تغضبين، وتقهقهين عندما تفرحين، تتصرفين بعفوية، وبساطة، وهذا المكان لا يتناسب معه سذاجة الريفيات!!

نظرت إليها في عجب ولم ترد عليها.

في تلك الأثناء كان الدكتاتور قد ظهر من البعيد، حاملاً في يده حقيبته الجلدية، سوداء اللون، مر من أمامنا وهي لا تزال تحدثني، ولا أجد لحديثها نهاية، فهي "راديو بلا منازع"، توجهت فلول النمل الأسود إلى القاعة، ولم يبق في الخارج سوى نفر قليل من الزملاء ما زالوا يحتسون الشاي في الاستراحة.

لفت انتباهي في مشيته المستعجلة اهتزاز كرشه المتدلي إلى الإمام وأصداغه المنفوخة، وشفتاه المقلوبتان، المغطيتان بشاربه الأشعث، الذي لا يعرف مقص الحلاقة إليه طريقاً.

وعلى ما يبدو أن كلمات مها قد أثرت في علا، فقررت أن تنتهج نظام النمل الأسود، وتمشي الهوينا.

في حين بقيت مها إلى جوارها، مستمرة في لعق ذنوب البشر وبصقها في أذنيها، بينما الأخرى تراقب خطوات الدكتاتور بإمعان، ومها تتكلم، وعلا تزيد من زحفها، علها تختزل بعض الخطوات وتنافس غريمها في السباق، ولكن وقارها المصطنع حال بينها وبين إحراز قصب السبق، وقطع الدكتاتور خط النهاية وسط همهمات غامضة وهمسات استياء ترحب بوصوله.

على عتبة الباب كانت علا قد وصلت تلتقط أنفاسها التعبة، وتمسك على صدرها المنتفخ من شدة الطرق، كان هو في الداخل لا يفصلها عن موضع قدمه سوى خمس خطوات، سجلها في رصيد حضوره باسم "الرجولة".

وقفت أمام الباب تطلب الإذن بالدخول، نظر إليها بازدراء، ومن ثم أوصد الباب في وجهها، لا زالت مها بالقرب منها، نظرت نظرة أسى وتأسف لمصابها، وأخذت تواسيها قائلة:

-إنه دكتاتور حقاً!!

-فعلاً هو كذلك.. أما أنا فنملة سوداء بدينة لا أستطيع الدخول حتى من ثقب الباب، وتابعت قائلة: والآن هل تجدينني فتاة متحضرة، تجيد التصرف حسب أعراف المكان.

 

كلية التربية- 2005

 

*عن مجموعتها الأولى (دوائر الماء)

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب