الأربعاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2019  
22. ربيع الأول 1441

تحليلات و ملفات ساخنة


انقطعت الكهرباء ليدخل الظلام كضيف غريب خجول لكنه لم ترب على الاستئذان كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل..

الصمت الكئيب يحتل المكان ويد تتخبط في الظلام تتحسس الأدراج تبحث فيها عن شيء ما، فجأة يشتعل عود ثقاب وتضاء شمعة تحاول أن تجاهد الظلام والسكون فتكشف عن غرفة واسعة، في الجدار الأيمن من هذه الغرفة صورة لهيكل إنسان ولوحة لأبقراط كما تخليه الرسام و في الجهة المقابلة مكتب صغير لمساعد الطبيب الذي يسعى لترتيب كراسي الانتظار التي أعدت لاستقبال المرضى قبل دخولهم إلى الطبيب.

نظر المساعد إلى ساعة معلقة على الحائط ثم دفع الباب برفق و دخل بشمعته التي كشفت عن غرفة أقل اتساعاً من سابقتها وعن الطبيب القابع على كرسيه واضعاً رأسه فوق بعض الكتب و المراجع التي على مكتبه.

أحس الطبيب بالضوء الذي اقتحم الغرفة فرفع رأسه ونظر إلى مساعده بانتظار  ما سيقوله، فنظر المساعد إلى ساعته وقال:

-لقد تأخرت يا دكتور.

رد الطبيب وهو يحتضن رأسه بين كفيه.

على من .. لا أحد بانتظاري؟

ثم نهض من كرسيه باتجاه النافذة التي كانت تقرعها أنامل الأمطار، ففتحها و تنفس بعمق وقال وكأنه يحدث نفسه: " تفوح في أنفي  رائحة التربة، إنها رائحة طيبة تشبه رائحة أمي". بد الضيق على وجه المساعد وهو ينظر للساعة في معصمه. لاحظ الطبيب ذلك فقال:

-أنت من يبدو أنه تأخر.. أنت من تجد من يستقبلك ويقلق عليك إذا تأخرت.. المعذرة أعرف أن بقائي يضايقك وأنت تريد إغلاق العيادة و الذهاب.

أطرق قليلاً ثم قال:

- أكره الليل الذي يسوقني مرغماً إلى بيتي حيث لا أجد غير الوحدة و الصمت في استقبالي، الصمت الذي يجعلني أسمع بوضوح تردد أنفاسي و يدفعني الى عدها قال ذلك وأخذ يضع أوراقه في حقيبته ويرتدي سترته وبعد ذلك أنصرف تاركاً مساعده يعاني الحزن و القلق.

جال المساعد بتلك الشمعة التي ما زالت في يده في أركان الغرفة يتفقدها قبل ذهابه وبعد ذلك انصرف قاطعاً بعض الأمتار  حتى وصل إلى الطريق العمومي حينها استقل سيارة أجرة لتوصله إلى بيته " وددت لو بقيت معه فترة قصيرة" هذا ما حدث به نفسه التي كانت مشغولة أيضا بما سيلقاه من زوجته حال وصوله، أخيراً وصلت السيارة خرج منها بقدمين متخاذلتين لا تريدان الإقدام. نقر على الباب بلطف ولكن  لا مجيب طرق الباب بقوة أكبر فلم يفتح الباب. أدرك أن زوجته تتجاهل طرقات الباب وأن هذا هو الأسلوب الجديد في التعامل. واصل طرق الباب حتى ردت عليه والباب ما زال مغلقاً.

-عد من حيث كنت.. و اعلم أن هذا بيت وليس فندقاً.

توسل إليها أن تفتح الباب وأخبرها أن ما تفعله لا يليق ووعدها بأن تكون أخر مرة يتأخر فيها عن البيت فتحت الباب ولكنها لم تكف عن التذمر أخيراً استلقى على سريره طلباً للراحة ولكن زوجته لم تنه الموشح الذي بدأته حينها طاف بذهنه، الطبيب وما قاله عندما كان يشكو وحدته:

- ما أجمل أن تحس أنفاس إنسان آخر تلفح وجهك.

ضحك في سره وقال:

-فعلاً إنها تلفح لأنها جهنم

في ذلك الوقت كان الطبيب هو الأخر قد لجأ إلى سريره وهو يفكر في كل إنسان يذهب إلى بيته ليجد امرأة تؤنس وحدته وضحكات طفل تنير جوانب نفسه ما برح يفكر ويتخيل مساعده والسعادة التي ينعم بها حتى خلد إلى النوم وأخذ يتحدث أثناء نومه فيما يشبه الهذيان " لتهنئك الحياة".

 

 

إيمان عبد الوهاب حُميد

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...

فكر و نقد

فنون و تشكيل

لقاءات و استطلاعات ثقافية

عرض كتاب