الأحد, 16 كانون1/ديسمبر 2018  
7. ربيع الآخر 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

 

الزكاة اسم لما يخرجه الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات فإنها مأخوذة من الزكاة وهي النماء والطهارة والبركة، قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" أي خذ- أيها الرسول- من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة أو غير معينة وهي التطوع "تطهرهم وتزكيهم بها" أي تطهرهم من دنس البخل والطمع والدناءة والقسوة على الفقراء والبائسين وما يتصل بذلك من الرذائل، وتزكي أنفسهم بها أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية حتى تكون أهلاً للسعادة الدنيوية والأخروية.

والزكاة ليست تفضلاً وإحساناً من إنسان إلى آخر وإنما هي "حق معلوم" كما قال الله تعالى، فهي حق للفقير بوصفه أخاً للغني في الدين والإنسانية فقد جعل الإسلام المجتمع كالأسرة الواحدة يكفل بعضهم بعضاً بل كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله فمن حق الفقير الذي لا يستطيع أن يعمل أو يستطيع ولا يجد عملاً أو يعمل ولا يجد كفايته من عمله، أو يجد ولكن حل به من الأحداث ما أفقره إلى المعونة من حقه أن يعان ويشد أزره ويؤخذ بيده وليس من الإيمان ولا من الإنسانية أن يشبع بعض الناس حتى يشكو التخمة وإلى جواره من طال حرمانه حتى أن من الجوع، ولا يجوز للمؤمن أن يعيش في دائرة نفسه مغفلاً واجبه نحو الآخرين من ضعفاء ومساكين فهذا نقص في إيمانه موجب لسخط الله في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقص علينا القرآن مشهداً من مشاهد الآخرة بين اهل اليمين في الجنة وأهل الشمال في النار. قال تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين" فهنا كان ترك إطعام المسكين من موجبات الخلود في النار وبئس القرار.

ولفرض الزكاة في الإسلام أهدافه الدينية والاجتماعية والتي من أهمها ما يلي:

1- طهارة النفس من الشح قال تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".

2- طهارة الفقير من الحسد والضغينة على إخوانه الأغنياء.

3- طهارة للمال من الحقوق الواجبة للغير لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره".

4- نماء لشخصية الغني وكيانه المعنوي لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اليد العليا خير من اليد السفلى" لأن الغني الذي يؤدي زكاة ماله يشعر في نفسه بالارتياح لكونه قد قدم شيئاً عبد به ربه وخدم به أمته.

5- نماء لشخصية الفقير حيث يحس أنه ليس ضائعاً في المجتمع ولا متروكاً لضعفه وفقره ويشعر في نفسه بالارتياح أيضاً لا أن يتناول الزكاة من فرد يشعر بالاستعلاء عليه ويشعر هو بالهوان والذلة ولكنه إنما يأخذ حقه دون منه من أحد ولا فضل منه.

6- نماء للمال وزيادته وحصول البركة، وفي ذلك يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما نقص مال من صدقة". وقال تعالى: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين".

7- تحقيق التكافل الاجتماعي وتقريب المسافة بين الأغنياء والفقراء حتى يشعر المسلمون جميعاً أنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله.

8- محاربة كنز المال وجمعه ليشارك الأغنياء بأموالهم في ميادين العمل والإنتاج، وفي ذلك يقول الله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون".

ولقد حذر الله تعالى في كتابه الكريم وتوعد المانعين للزكاة في غير ذلك من الآيات، ومنها قوله تعالى: "لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة".

وقوله تعالى: "وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون".

وفي السنة النبوية الكثير من الأحاديث الدالة على ذلك، منها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأتين أتتا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: "تؤديان زكاتهما"؟ فقالتا: لا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ فقالتا: لا. قال: "فأديا زكاته" يعني الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يجب عليهما أن يخرجا زكاة حليهما وإن لم يفعلا ذلك فإن الله تعالى يحاسبهما على ذلك ويدخلهما النار جزاء التساهل عن إخراج زكاتهما الواجبة عليهما شرعاً.

وقد روي الحديث كذلك عن أسماء بنت زيد بنفس لفظ الحديث المذكور. والحديث يدل على وجوب إخراج الزكاة على الذهب- أو الفضة- إذا بلغا النصاب وحال عليهما الحول على الإطلاق سواء كان كنزاً، أو كان مستعملاً للزينة، وفيه دلالة صريحة عن وجوب إخراج زكاة الحلي والزينة. ويدل على ذلك أيضاً ما روي كذلك عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: "دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى في يدي فتخات- أي خواتم- من ورق- أي فضة، فقال لي: ما هذا يا عائشة، فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله؟ فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار" وما روي كذلك عن زينب امرأة عبد الله أنها قالت: قال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن".

والغريب أن بعض شراح هذا الحديث ظن أن المراد به الترغيب في بذل الصدقة، وأن قوله يعني ولو كانت الصدقة مما تحبه المرأة وهو الحلي. والحق يقال، فذلك الفهم قاصر وإنما المراد بهذا الحديث وجوب الزكاة ولو على حلي المرأة وما تتزين به ثم الأعجب من ذلك أن يذهب بعض الفقهاء سامحهم الله إلى عدم وجوب الزكاة على حلي المرأة بما روي أن جابر بن عبد الله سئل عن الحلي: أفيه زكاة؟ فقال: لا، وما روي كذلك أن أسماء وعائشة (رضي الله عنها) وعبد الله بن عمر أنهم كانوا لا يزكون على الحلي(أنظر فقه السنة ج1) ضاربين بما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن العترة الطاهرة من أهل البيت النبوي عرض الحائط فضلوا وأضلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا تجب الزكاة على الذهب والفضة إلا إذا بلغ كل واحد منهما النصاب وحال عليه الحول.

ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، والمثقال ما يقدر بمثل حبة الشعير ووزن المثقال ثلاثة إلى أربعة جرامات فيكون النصاب على هذا التقدير ستين جراماً كحد أدنى- وهو الأحوط، وأما نصاب الفضة فهي مائتا درهم أي ما قيمته ستة عشر ريالاً إلا ربع من العملة الفضية الفرنسية المستعملة في اليمن قبل الثورة. فإذا بلغ الذهب أو الفضة نصاباً كاملاً ومر عام كامل على بلوغه ذلك النصاب فقد وجب فيه الزكاة، وأما كيفية إخراج الزكاة فيقدر المال سواء كان ذهباً أو فضة أو ذهباً وفضة، أو ما حل محلها كالسندات الحكومية والنقود الورقية ثم يخرج عن المال ربع العشر "2.5%" من عين المال أو بما يساوي القيمة، ويصرف في مصارفه المعروفة بنية الزكاة ومن أراد التوسع في ذلك فليرجع إلى كتب الفقه ففيها ما يكفي ويشفي في هذا الموضوع وأمثاله.. والله أعلم.