الإثنين, 17 كانون1/ديسمبر 2018  
8. ربيع الآخر 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

  

 

في شهر يحل علينا هذه الأيام ، شهر اختصه الله من سائر الشهور وأعلى أيامه على سائر الأيام ، أنزل فيه القرآن ، وكتب فيه على العباد في نهاره الصيام ، وإحياء ليله بالعبادة والقيام ، والصبر على الآلام ، وإذاقة النفس مرارة الحرمان ، والإقلاع عن ممارسات أصبحت فيه ممارستها على العبد حرام ، ووجب على العبيد أن يكونوا فيه وبعده رمزا وراية للمحبة والسلام ، إنه شهر رمضان ، شهر الله ، شهر الخير والفضل والإحسان .

شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النيران .

والصوم فيه حاجة ماسة ، لما له من الأهمية في حياة الإنسان ، تجلت أهميته في ما أخبرنا سبحانه ربنا الرحيم الرحمن ، بقوله أن الصوم له وهو يجزي به ، فهو سبحانه الأعلم بما ينفع ويضر الإنسان .

وما دمنا نؤمن ونثق بأن مصلحتنا تكمن فيما اختاره وارتضاه لنا ربنا ذو الجلال والإكرام ، فلماذا نتقاعس عن العمل للفوز برضا الواحد الديان .

في شهر الله شهر الصوم والإحسان ، نتعلم كيف نعطي ولا نمن ؟

، نتعلم كيف نحب ؟،

نتعلم كيف نؤثر على أنفسنا ؟

، نتعلم كيف نحس بالآخرين ؟

نتعلم كيف نقبل بالآخرين ، ونحترم رأيهم ؟

، نتعلم كيف نملك أنفسنا عند الغضب ؟

، نتعلم كيف نعفو ونسامح ؟

، نتعلم كيف نأخذ ونشكر ؟، .

في شهر الله شهر الصوم والإحسان ، نتعلم كيف نكبح رغباتنا حتى نتمكن من إدارتها والتغلب على هواها ، والانتصار على شهواتنا في معركة جهاد النفس ، الجهاد الأكبر .

فنعطي بإرادتنا ، ونحب ونؤثر على أنفسنا ونحس بمعاناة الآخرين ، نجوع ونعطش بمحض إرادتنا ، نعيش حالة الجوع والعطش ، فنتذوق مرارتهما .

نحيا حياة المحرومين ، لنعرف مدى معاناتهم ، فلا نسمح لأنفسنا بالتخلي عنهم وتركهم يعانون ، وعلينا أن نخرجهم وننقذهم مما هم فيه ، ولا نرضى إلا أن يكون حالهم كحالنا ، ولن نستطيع انتشالهم من ذلك الحال ، إلا عندما نعيش واقعهم ، ومعاناتهم وبؤسهم الذي هم عليه .

إننا إذا أردنا ذلك ، وجب علينا الاكتفاء بالقليل ، وبما يسد رمقنا ،لا أن نمسك أنفسنا في النهار ، وما يكاد موعد الإفطار يحل إلا ونجد أنفسنا ننقض على المأكل والمشرب ، كما ينقض الأسد على فريسته .

ننهال أكلاً لما حوت موائدنا مما لذ وطاب ، حتى لا نبقي ولا نذر ، وكأن صوم النهار كان فترة تأجيل موعد الأكل ، تأخر إلى الليل ، فنبيت ليلنا آكلين شاربين حتى وقت السحور ،نعبئ بطوننا بالأكل والشرب ، لينقضي النهار كله ولا نحس فيه بجوع أو عطش .

فأي صوم هذا، الذي سمحنا فيه لأيدينا أن تمتد إلى طعام أو شراب ، قبل أن نبحث عن محروم جائع عطشان؟

وأي صوم هذا الذي لم نسمع فيه أنات الجائع ، واستغاثة المحروم ؟

وأي صوم هذا الذي لم نر الجائع المحروم في جوعنا وعطشنا ؟

وأي صوم هذا الذي يجعلنا نتفاخر فيه على المحتاجين بما حوته موائدنا ؟

وأي صوم هذا الذي لا يملاء قلبك بالرحمة والمحبة فتنادي من وقتك وبأعلى صوتك !!

(( ألا من جائع يشاركنا طعامنا ، ألا من محروم ، ألا من محتاج !! هلموا إلينا نتقاسم اللقمة بيننا ، نتقاسم الجوع معا ،

ولو كانت شق تمرة ، فشق التمرة أنقذت واهبها من النار وهي شق تمرة . ))

فإذا لم يكن لتمرة أن تشبع فكيف بشقها أو نصفها ؟

وأي صوم هذا الذي تسمح فيه لنفسك بالشبع ، وهناك من يتضور جوعا ؟

ألا تخشى أن يأتي عليك يوم يصير حالك فيه كذلك ، ألا تريد أن يأتي من ينتشلك ذلك اليوم الذي قد يصير حالك كحال هذا المحروم تقضي ليلك حائر عاجز ، وجائع عطشان ، .

كيف تأمن على نفسك غدر الزمان ؟

وهل ترضى وتحب لغيرك ما تكرهه لنفسك ؟

ألا يكفيك ما حل بقارون ، وقد كانت مفاتح خزائنه ما تنوء به العصبة عبرة ،

إنك متى وجدت نفسك كذلك ، وكان قلبك بهذه القسوة ، فتأكد بأنك بعيد عن الإسلام ، وليس في قلبك ذرة من إيمان .

شهر القضاء على الفقر :

وأما الفقر فهو المصيبة الكبرى ، ومرض أسرع انتشارا من السرطان في جسد الأمة إن لم يتم التنبه اليه ومعالجته والقضاء علية بحكمة استشرى في جسد الأمة حتى تكون كما هي عليه اليوم يعجز المداوون عن مداواتها ، ويحسب أغنياء اليوم أن أموالهم مانعتهم منه ، وهم لا يدركون أنه لن يخليهم عاجلا أم آجلا .

والزكاة علاج الفقر :

ولهذا ما كانت الزكاة والصدقات إلا لتكون سدا منيعا وبرزخا يحول بين الناس والفقر ، متى ما تم إدراك المفهوم التطبيقي الحقيقي لمراد الشارع سبحانه وتعالى من الزكاة والصدقات الذي يهدف إلى عدم سماح أغنياء الأمة لأنفسهم بتجاوز السقف المنطقي والمرسوم للثراء المتمثل في نقطة الزكاة – من زكى وزاكي بمعنى طاب واكتمل على أحسن أحواله - ، ومتى تجاوز الغني هذا الحد وجب عليه اقتصاص هذه الزيادة كما يقص الشعر الزائد من الرأس أو من الذقن فيبان أكثر زينة وجمالا ، وتسليم هذه الزيادة للفقير بما يرفع من مستواه المالي ويصل الفقير إلى مستوى الغني فيتساوى الناس كلهم في الغنى فلا يوجد بينهم محتاج أبدا .

وهنا يكمن العلاج الشافي للفقر والقضاء عليه قضاء نهائيا ولا سلطان له على أحد من أبناء الأمة ،

وما يعذب الكانزون للذهب والفضة وتكوى بها جباههم إلا لمجرد اكتنازها كونهم منعوا أبناء الأمة من نواتجها فحصرت في خزائن قلة من الأمة ولم يتم تشغيلها فيستفيد العامل وغيره منها .

الثورة على الهوى :

ولا يقتصر الصوم على الامتناع عن المأكل والمشرب بل ويتعدى ذلك إلى صوم النفس عن الأهواء والملذات ، لا أن نستبدل ليلنا بنهارنا فما منعنا أنفسنا منه نهارا ، منحناها إياه ليلا ، فلا فرق ،

نهاره صيام

وفي نهاره نمارس حياتنا الطبيعية نقوم بأداء عملنا ، سعيا وراء أرزاقنا كما أمر بذلك ربنا ، لا أن نقضيه نياما ، وإذا خرجنا بين الناس خرجنا غاضبين ، لا يجرؤ أحد على التحدث إلينا ، إن تألمنا من شيء تافه ، ثارت ثورتنا ، وكدنا نقتل من أساء إلينا ،

ولم ندرك أهمية إذا خاطبنا الجاهلون قلنا سلاما ، وما أعظم أن تكظم غيظك وترد على من أساء إليك بالقول (( اللهم إني صائم )) .

وليله قيام :

ويجدر بنا أن نجعل ليله قيام ، لنكون عباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ، لا أن نقضي ليله في السهر أمام شاشة التلفاز ، في غفلة عن التقرب من ربنا حتى نفوز برضاه ،

إحياء القلوب :

وفي شهر الله ، تحيا القلوب وتطمئن بالذكر ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، فمتى عمرت القلوب بذكر الله امتلاءت بالرحمة ، ازدهرت ونمت وحيت المحبة فيها ، وإذا حيت المحبة في القلوب حيت الأنفس ، وصفت ورقت ، وبلغت مصاف الأنفس المطمئنة والراضية المرضية .

وإصلاح النفوس :

تجلت حكمة الله بالصوم في معالجة عيوب الأنفس ومساوئها ، والترفع والتعالي عن النقائص كلها ، والسعي وراء الكمال ورقي النفس ، وتهذيبها فنمارس الأخلاقيات ، والسلوكيات العالية ، ونعامل الآخرين بما نحب أن نعامل ، وفيه نتلمس كافة الاختلالات الحاصلة وتقويمها وإصلاحها .

نصوم فيه عن التكبر ، والغضب ، والعدوان ، والبغض ، والكراهية ، .. الخ ،،

نبدل التكبر بالتواضع ، والغضب بالعفو ، والعدوان بالسلام ، والبغض والكراهية بالمحبة .

 

وفي شهر الله :

إننا في شهر الله ، نكون في دورة تأهيلية ، نتعلم من خلالها ممارسة سلوكيات وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف

نتأهل لتطبيق المفاهيم السامية لديننا ، التي ترتفع بنا لنكون مسلمين ، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وكل المسلم على المسلم حرام دمه ، وماله ، وعرضه ،

ونكون مؤمنين فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ،

نتأهل لما بعد رمضان لنكون من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ، ونكون ممن إذا مروا باللغو مروا كراما ...

هذا هو رمضان ، ولهذا كان ، وهذا الهدف من الصيام ، ليكون هكذا سلوكنا فيه وبعده ، حتى يأتي رمضان القادم ، الذي نتلمس فيه ونعالج عيوبنا ، فلا نسمح لأنفسنا بالسقوط ، حتى لا نجد أنفسنا بعد انقضاء الشهر الكريم قد عدنا إلى ما كنا عليه ، وكأنك يا بو زيد ما غزيت .

 

وأخيراً :

ألست معي أيها الأخ الطالب رحمة ربك ، وعفوه ، وغفرانه ، والفوز برضاه والجنة ، والمؤمل العتق من النيران فيما ذكرت ،

إن كنت توافقنني الرأي فلماذا لا تتنبه ولا تنفك تماطل ؟ ولماذا أجدك متأخرا ، وراكنا ، غير مبال ؟

ولعلي وإياك ممن قد لا يدركون رمضان القادم ؟

فتوكل على الله ، وأنخ ببابه ، فمن الذي أناخ ببابه مرتجيا نداه فما أولاه ، ولن ترجع عن بابه بالخيبة مصروفا ، وأنت لم تعرف مولا سواه بالإحسان موصوفا ، وكيف ترجو غيره والخير كله بيده ، وكيف تؤمل سواه والخلق والأمر له ، الذي سعد برحمته القاصدون ، ولم يشق بنقمته المستغفرون . كيف تنساه ولم يزل ذاكرك ، وكيف تلهو عنه وهو مراقبك .

وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى .....،

والحمد لله رب العالمين .