الأحد, 16 كانون1/ديسمبر 2018  
7. ربيع الآخر 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

 

حكمة الخلق:

خلق الله تعالى الشمس والقمر, وجعل تعاقب الليل والنهار لحكم عديدة , وفوائد كثيرة , ذكرها الله تعالى في مواضع كثيرة في كتابه الكريم, قال الله تعالى: ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) ، وقال عز وجل: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ).

ومن الآيات الواردة في ذلك أيضاً قوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) ، ومعنى الآية: يسألونك يا محمد عن الأهلة وتغير أحوالها بزيادة ونُقصان وَمحاق واستواء ، وما سر حصول الفرق بينه وبين الشمس التي هي على حال واحد لا تتغير بزيادة ولا نقصان؟ فقُلْ لهم يا محمد: إن سر تحول الهلال وتغيره من حال إلى حال ليكون تغير أحواله مواقيت لكم في معايشكم ، وميقاتاً لحجكم وسائر عباداتكم.

ومن هذه الآية ندرك إحدى نعم الله تعالى على عباده ، وهو أن الله سبحانه وتعالى جعل سير القمر وتنقله في منازله سبباً لمعرفة السنين والشهور, فبرؤية الهلال يعرف الناس شهر الصيام ، وكذلك شهر الفطر وأشهر الحج ، لذلك فإن الناس إذا أقبل شهر رمضان تشنّفوا لرؤية هلاله لمعرفة دخوله وانقضائه.

حكمة التوقيت:

لما كانت عبادتي الصوم والحج مرتبطة بهذه الظاهرة الطبيعية فإن المسلم محتاج أن يتحرى الهلال في رمضان وأشهر الحج ، ويراقب الشهور أولاً بأول ، وينظر في دخولها وخروجها ، وأمر التحري والمتابعة هذه لا شك بأنها تجعل الإنسان يتيقّظ لمرور الأيام وتعاقب الشهور والأعوام ، مما يجعل الإنسان المسلم يحس في كل لحظة تمر بقيمة الزمن ، وتتجلى له القدرة الإلهية والنعمة السرمدية التي لا يشعر بها كثير من الناس ، وهم يرون الشمس كل يومٍ ساطعة ، ويلحظون القمر وهو يبدأ هلالاً ، ثم ينتصف بدراً ، ثم يعود محاقاً ويرجع هلالاً فلا يلتفتون إلى التأمل والتدبر في عظمة الخلق ، وتغير الأحوال ، وانصرام الأزمان.

ثم إنّ هذا التوقيت الذي شرعه الله تعالى هو التوقيت الطبيعي لارتباطه بعلامة طبيعية ظاهرة هي ظهور الهلال وتغيره ، فإنه لما كانت هذه الشريعة مبنية على اليسر والسهولة فقد كان من رحمة الله تعالى أن جعل الله الحساب الشرعي الذي ترتبط به عبادات الناس مبنيًّا على سير القمر, هذه العلامة الظاهرة التي يشاهدها الناس في السماء ، ويستوي فيها العالم والجاهل والبدوي والحضري ، والتي لا تحتاج إلى حساب الحسابين والفلكيين, بل يميّزه ويعرفه الصغير والكبير, والعالم والجاهل، والحاضر والباد , بخلاف سير الشمس, فإن معرفتها تحتاج إلى حساب وكتاب, وفي ذلك عسر ومشقة, إذ إن ذلك أمر غائب لا يشاهد.

وتوقيت العبادات والصيام بالذات بسير القمر وظهور الهلال أمر مطلوب لكونه يتنقل بين فصول العام ، فمرة يأتي في أيام البرد، وأخرى في شدة القيظ، وثالثة في أيام الاعتدال، وتطول أيامه حينًا، وتقصر حينًا، وتعتدل حينًا ، وبذلك يتاح للمسلم ممارسة الصوم في البرد والحر، وفي طوال الأيام وقصارها ، وفي هذا توازن واعتدال من ناحية، وإثبات عملي لانقياد المسلم لربه ، وقيامه بواجب العبادة له في كل الأوقات والظروف.

ثبوت الرؤية:

متى ثبتت رؤية هلال رمضان بخبر شاهدي عدل وجب أن يصوم الناس تصديقًا لشهادتهما ، وقيل فيمن رآى الهلال منفرداً ليس معه غيره أنه يلزمه إشهار ذلك ، ويجب عليه وحده دون غيره الصيام – أو الإفطار – وكتمان صيامه – أو إفطاره – حتى لا يتهم في دينه ، وهذا هو قول الإمام الهادي عليه السلام ومن وافقه من أئمة أهل البيت عملاً بالأصل في الشهادة ، وهو أنها لا تقبل إلا من عدلين ، ولقول علي عليه السلام: "إذا شهد رجلان ذوا عدل على رؤية الهلال فصوموا وأفطروا".

ورجح كثير من أهل العلم قبول شهادة الواحد في رؤية الهلال ، إذ الأصل في ذلك حصول الظن المرجح ولو بخبر العدل الواحد ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "صوموا لرؤيته ، وافطروا لرؤيته" ، وكما يصدّق المؤذّن في دخول وقت الصلاة ؛ ويُعتمد عليه في دخول وقت الصلاة وفي وقت الصوم ( الإمساك ) أول اليوم ووقت الإفطار آخر اليوم ، فكذلك يصدّق العدل الواحد إذا أخبر برؤية الهلال ، إذ قد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين قبولهم بخبر الواحد في ذلك ، من ذلك ما روي من حديث ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان- فقال: ( أتشهد أن لا إله إلا الله؟ ) قال: نعم . قال: ( أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ ) قال: نعم . قال: ( يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً ).

اختلاف المطالع:

يترقّب المسلمون رؤية هلال شهر رمضان ببداية الشهر ونهايته ، يستوي في ذلك العرب والعجم ، الفقراء والأغنياء، الحكام والمحكومون ، غير أن مما يثير الأسى والحزن في نفس المسلم ما يحدث في كل عام عند دخول شهر رمضان أو حلول عيد الفطر من اختلاف المسلمين وتفرقهم عند بداية صومهم ثم عند فطرهم ، ومع تقارب البلاد العربية والإسلامية جغرافياً إلا أننا نجد على جانبي الحدود السياسية مسلمين بعضهم صائم وبعضهم مفطر تبعاً لأنظمتهم السياسية التي ينتمون إليها مع أن قراهم متجاورة أو يفصل بينها عشرات الأمتار ، في الوقت الذي نجد الأنظمة الحاكمة تفرض في كثير من الأحيان هذا الاختلاف والتفرق على الشعوب حتى في عباداتهم ، وتخضع الأحكام الشرعية لدخول شهر رمضان ولعيد الفطر طبقاً للعلاقات السياسية مع جيرانها ، ومع بعضها البعض.

ومن الأمثلة على ذلك ما نراه من أن دولة مثل السعودية لما كانت كبيرة وواسعة يصوم أهل المناطق الواقعة في حدود المملكة الشمالية المحاددة للعراق وسوريا والأردن مع سكانها أهل المناطق الواقعة في حدودها الجنوبية المحاددة لليمن ، إذا ثبت رؤية الهلال في أي بقعة من بقاعها ، في حين قد يختلف سكان تلك المناطق مع سكان المناطق نفسها الواقعين في حدود الدولة المجاورة ، وقد يختلف أهل دولتين متجاورتين واقعتين في منطقة جغرافية واحدة في الصوم والإفطار على نحو ما كان يحدث في شطري اليمن قبل الوحدة ، وما حدث ويحدث اليوم في كثير من الدول العربية والإسلامية التي كانت في غابر الأزمان دولة واحدة ، حيث تصوم هذه وتفطر هذه ، ويفطر هؤلاء ويصوم هؤلاء ، والسبب في ذلك هي الحدود السياسية القائمة بين تلك الكيانات والتي هي في حقيقتها ما هي إلا نتيجة من نتائج مؤامرات الأعداء وصنائع الاستعمار البغيض.

وإنه من الأخطاء الفادحة التي شاعت في عصور الانحطاط في بلاد الإسلام أن جعل المسلمون إثبات رمضان بالرؤية منوطًا بالقضاء والولاة , فصار إعلان دخول رمضان أو انتهائه يخضع لاعتبارات سياسية ، في حين أن الحكم بوجوب الصوم أو الإفطار ليس فيه إلزام ؛ باعتبار أن الصوم عبادة ، والعبادة تقتضي المعاملة بين العبد وربه والعمدة في العبادة هو غلبة الظن وصحة الاعتقاد.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل لكل بلد رؤيته فلا يصوم أهل كل بلد أو يفطرون إلا إذا رُئِيَ الهلال في بلدهم فحسب ، أم أنه إذا ثبتت رؤية الهلال شرعاً في بلد ما وجب الصيام على المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها؟

وهل حكم الصوم والإفطار في كل بلد أو إقليم مرتبط شرعاً بالحدود السياسية لذلك البلد أو الإقليم الذي رُئِيَ فيه الهلال من حيث وجوب الصوم أو الإفطار من عدمه. أم ماذا؟

والإجابة على هذا التساؤل لا تخفى على أحد ، إذ لا علاقة للأوامر الشرعية والقضايا التعبدية بالأنظمة السياسية ولا بالحدود السياسية التي حددتها ورسمتها الدول الاستعمارية ، وهذا ليس من الإسلام في شيء ، وذلك لأن حكم الصوم والفطر متعلّق بوقت دخول شهر رمضان أو خروجه، وهذا إنما يعتبر - شرعاً- برؤية الهلال.

والرأي السديد الذي لا ينبغي للمسلمين اليوم العمل به هو أنه إذا ثبتت رؤية هلال رمضان شرعاً في قطر من الأقطار الإسلامية ، وجب على المسلمين الذين يشملهم الموقع الجغرافي كما هو الحال في الجزيرة العربية والمغرب العربي والدول الإسلامية الواقعة في الجنوب الغربي من قارة آسيا حيث قد بلغهم خبر رؤية الهلال أن يصوموا أو يفطروا ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الناس بالصيام في حديث ابن عباس السابق ذكره لما أخبره الأعرابي أنه رآى الهلال ولم يسأله أين رآه ، ولا كيف رآه ، مع أن الأعرابي قد جاء من البادية وليس من المدينة.

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن النصوص الشرعية الواردة في الأمر بالصيام أو الإفطار عند رؤية الهلال ، لا يختص بقطر دون قطر ، بل هو خطاب عام لكل من يصلح له من المسلمين؛ فإذا ثبت رؤية الهلال في بلد فقد رآه المسلمون الواقعة أقطارهم في المنطقة الجغرافية نفسها ، فيلزم غيرهم ما لزمهم.

صوم الشك:

العبرة في الرؤية هو رؤية الهلال بالعين المجردة ، ولا عبرة بحساب الفلكيين ، ولا بالرؤية التي قد تحصل بواسطة المناظير الفلكية وغيرها ، بمعنى أن ما ينجم عن الحسابات الفلكية وتقريرات علماء الفلك بدخول الشهر وولادة الهلال في يوم كذا ساعة كذا لا توجب على المسلم أن يصوم ولا تجيز له أن يفطر ، إلا أن يكون ذلك في إثبات دخول شهر رمضان مع حصول ما يمنع من رؤية الهلال كالغيوم والأتربة فإنه يجوز للمسلم أن يصوم احتياطاً باعتبار ذلك مما يفيد الظن في كثير من الأحوال.

وهذا النوع من الصوم هو ما يسمى بصوم الشك ، والراجح أن هذا النوع من الصوم جائز شريطة أن يكون بنيّة مشروطة ، بمعنى أنه لا يجوز صوم هذا اليوم على القطع أنه من رمضان ، وإنما على النيّة المشروطة ، وهي أن ينوي في صيامه أنه إن كان من رمضان وإلاّ فهو تطوّع ، ومما يدل على جواز فعله قول الإمام علي عليه السلام: "لإن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي أن أفطر يوماً من رمضان" .

وأما ما روي من قول عمار بن ياسر رضي الله عنه: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" ففيه نظر ، قال في الاعتصام بحبل الله المتين للإمام القاسم بن محمد ما لفظه: وفيما رواه الأربعة وابن حبان عن صلة قال: كنا عند عمار بن ياسر رضي الله عنه في اليوم الذي يشك فيه ، فأتى بشاة ، فتنحى بعض القوم ، فقال عمار رضي الله عنه: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" فلعله رضي الله عنه عنى بمعصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روته عائشة عنه صلى الله عليه وآله وسلم : "من نزل بقوم فلا يصومن إلا بإذنهم" وذلك أنهم لم يقبلوا الكرامة ، وخالفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم . انتهى (الاعتصام ج2).

يقصد الإمام القاسم بذلك أن القوم كانوا ضيوفاً على عمار رضي الله عنه ، وقد أكرمهم فذبح لهم شاة وقدمها إليهم ليأكلوا ، فاعتذر بعضهم بالصيام ، فقال عمار مقولته تلك ، وعنى بها أنهم خالفوا هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أنهم لم يقبلوا كرامته ، ثم إن صوم هؤلاء فيه دليل على أن صوم يوم الشك كان معهوداً في عهد الصحابة ، وحاشا عمار بن ياسر رضي الله عنه أن يخالف أمير المؤمنين في شيء وهو خليله وأقرب المقربين إليه.

وأما ما ورد من النهي عن صوم الشك في مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين" فهو نهي عن صوم يوم الشك على القطع أنه من رمضان ، والله تعالى أعلم.