يأتي شهر شعبان ليذكرنا بحادثة تحويل القبلة ، والتي كانت – على أصح الأقوال – في ليلة النصف من شعبان في السنة الثانية للهجرة ، ونظراً لأهمية هذا الحدث كانت لنا هذه الوقفة التي نستخلص من خلال قراءة الحدث والآيات الواردة فيه جملة من الدروس والعبر كواحدة من المحطات الهامة التي مرت بها الدعوة الإسلا مية.

فبعد أن فرضت الصلاة كعبادة يومية يتقرب بها المسلمون إلى ربهم كان المسلمون في مكة يتوجهون في صلاتهم نحو بيت المقدس ، القبلة الأولى التي كانت قبلة سائر الديانات السماوية آنذاك ، وهاجر المسلمون إلى المدينة والأمر على ذلك ، وبقي المسلمون في المدينة يستقبلون في صلاتهم بيت المقدس ويستدبرون البيت الحرام ، مما جعل لهذا المكان قداسة لدى المسلمين منذ بدء الدعوة الإسلامية وحتى اليوم ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فقد اقتضت الحكمة الإلهية كما يقول سيد قطب رحمه الله - استخلاص القلوب لله ، وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير الله ، فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم ، ويعدونه عنوان مجدهم القومي فأراد الله أن ينزعهم نزعاً من الاتجاه إلى البيت الحرام ، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية ، وليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ثانياً ، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله ، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة ، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة .

وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من توجه المسلمين نحو بيت المقدس حجة لهم ، فكان التوجه إلى بيت المقدس سبباً في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام ، وأطلقوا في المدينة ألسنتهم بالقول بأن اتجاه محمد ومن معه إلى قبلتهم في الصلاة دليل على أن دينهم هو الدين ، وأن قبلتهم هي القبلة ، وأنهم هم الأصل ، فأولى بمحمد ومن معه - حسب اعتقادهم - أن يفيئوا إلى دينهم لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام ، في الوقت الذي كان الأمر شاقًّا على المسلمين من العرب ، الذين ألفوا في الجاهلية أن يعظّموا حرمة البيت الحرام؛ وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم ، وزاد الأمر مشقّة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر ، واتخاذه حجة عليهم  ، الأمر الذي جعل المسلمين من العرب يتمنّون أن تتحول قبلتهم إلى الكعبة المشرفة ، وجعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتوجّه بقلبه ويتضرّع إلى ربه يسأله أن يأذن له في استقبال البيت الحرام بدلاً عن بيت المقدس ، فأذن الله له بذلك ، ونزل الوحي بهذا الإذن بقوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).

ولم تكن حادثة تحويل القبلة بالأمر الهيّن فقد أحدث هذا الأمر بلبلة في أوساط مجتمع المدينة ، بفعل التحرك اليهودي الذي استغل الحادث لإثارة جملة من التساؤلات حول هذا الانتقال المفاجئ والتحول الخطير الذي لم يكن اليهود يحسبون له حساباً ، فقالوا لبعض المسلمين : إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلاً فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة؛ وإن كانت حقًّا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل ، وصلاتكم إليه ضائعة كلها ، فنزلت آيات الوحي ترد عليهم وتدحض شبهتهم في أمر القبلة ، مع التحذير من اليهود ، وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم ، حيث يقول الله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ..) إلى قوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة:142-145.

لقد أثار اليهود تلك الضجة وتلك البلبلة في أوساط مجتمع المدينة لما يشعرون في قرارة أنفسهم من دلالة هذا الحدث ، فقد دل هذا الحدث على انتقال الزعامة الدينية إلى أمة العرب ، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).

فالمعلوم أن النبوّات كانت حكراً على بني إسرائيل لما اختصهم الله من استمرار النبوات فيهم زمناً طويلاً ، وظل بيت المقدس هو مهبط الوحي ومشرق أنواره ، فلما أن أهدر اليهود كرامة الوحي بمخالفتهم لتوجيهاته ، وتحريفهم لآياته ، واعتدائهم على أنبياء الله ورسله ، ومحاربتهم لدين الله وشريعته ، حلّت عليهم لعنة الله ، وتحوّلت النبوّة عنهم إلى غيرهم ، ومن ثمّ انتقلت النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ، وشاء الله عز وجل أن يكرّم هذه الأمة حيث اختصهم بدين الإسلام الدين الناسخ لجميع الأديان ، واختصهم بالقرآن الكريم الكتاب المهيمن على جميع الكتب ، "واختصهم بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها ، ويتوجّه إليها كل مؤمن من كل اتجاه في أنحاء الأرض جميعاً ، قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحّد بينها على اختلاف مواطنها ، واختلاف مواقعها ، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها.

قبلة واحدة ، تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها ، فتحس أنها جسم واحد ، وكيان واحد ، تتجه إلى هدف واحد ، وتسعى لتحقيق منهج واحد ، منهج ينبثق من كونها جميعاً تعبد إلهاً واحداً ، وتؤمن برسول واحد ، وتتجه إلى قبلة واحدة .

وهكذا وحّد الله هذه الأمة ، وحّدها في إلهها ، ورسولها ، ودينها ، وقبلتها ، وحّدها على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات ، ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها ، ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها وإن تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها".