وجوب تعظيم الجناب الأقدس"صلى لله عليه وآله وسلم"

 

عدنان أحمد الجنيد

 

قرأت في إحدى الصحف مقالاً صغيراً بعنوان «غليان في التلفزيون المصري بسبب منشور يحذر من وصف الرسول بسيدنا ». وجاء في المقال بأن المنشور طالب المذيعين بالاكتفاء بذكر اسم الرسول فقط ولم يحمل أي تبريرات حول سبب ذلك المرسوم وقد رفض العشرات من المذيعين والمعدين تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم مُعتبرين ذلك المطلب يحمل في طياته استهانة بمكانة نبي الإسلام .....الخ والذي لفت نظري في المقال ما نصه :« بعض العلماء من أهل السنة ضد ذكر كلمة سيدنا محمد أثناء الصلاة ويستشهد هؤلاء بحديث نبوي صحيح لا تسودوني في الصلاة » أهـ.

لقد تعجبتُ من قولهم بأنه حديث صحيح مع أنه ليس له وجود في الكتب الحديثية لا في الصحاح ولا في السنن ولا في كتب الأسانيد . والأعجب أن العوام يحفظون هذا الحديث لكثرة ترديد خطباء المنابر له وهم يلحنون فيه فيقولون لا تسيدوني بالياء وإنما اللفظ بالواو لابا لياء . فهذا الحديث موضوع مفترى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد ذكره العلماء والمحدثون في موضوعاتهم فمنهم على سبيل المثال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنه صـ463 قال : لا أصل له ,وجلال الدين السيوطي في كتابه اللألئ المصنوعة في الاحا ديث الموضوعة . والإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر في {فتاويه} والعجلوني في كشف الخفا وصاحب أسنى المطالب وغيرهم من العلماء والحفاظ الذين حكموا على الحديث بالوضع . هذا ومن يستقرئ القرآن الكريم سيجد أن هناك أكثر من آية تأمرنا بتعظيم وإجلال الجناب الأقدس ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كقوله تعالى :   لتؤمنوا بالله ورسوله و تعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا   فقوله تعزروه أي تبالغوا في تعظيمه كما قال أهل اللغة . وإطلاق لفظة السيادة له صلى الله عليه وآله وسلم نوع من أنواع التعظيم وكقوله : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا

ولا أدل على تعظيم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتبجيله من هذه الآية . أي لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض ولكن عليكم أن تنادوه بأ شرف أسمائه وذلك مقتضى التوقير , فالأدب في الدعاء أن تقولوا يا رسول الله يا حبيب الله أو يا نبي الله بأدب وخضوع وهكذا بعد وفاته لا يقول العبد : قال محمد ولكن يقول : قال سيدنا ومولانا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلا يجوز ذكر اسمه مجرداً عن وصف السيادة لأنها من ألقاب التعظيم في العرف بل هو حكم في معنى النص . لأنَّ ذكر الاسم مثل النداء فا لآية تشمله ولأنَّ المعنى فيها واحد وهو الأمر باستعمال الأدب والتوقير والتعظيم وذلك كما يكون في النداء يكون في الحكاية وذكر الاسم ولا فرق . وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد نادى الأنبياء باسما ئهم يا آدم ,يا نوح , يا إبراهيم وهكذا باقي الأنبياء كما هو معلوم في القرآن إلاَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يناده باسمه في القرآن كسائر الأنبياء , بل ناداه بألقابه المعظمة وأوصافه المشرفة المكرمة كقوله: يا أيها النبي    يا أيها الرسول   وتارة يناديه بالصفات المشتقة من الحال التي هو عليها تلطيفاً وتأنيساً له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كقوله:   يا أيها المزمل ....  وقوله:  يا أيها المدثر  ولم يذكره باسمه إلا على سبيل الحكاية والإخبار مقروناً بالرسالة كقوله: وما محمد إلا رسول ....  فا نظر كيف أن الحق استعمل الأدب في مخاطبته لحبيبه الأعظم ومصطفاه الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما ذاك إلاَّ لكى نفهم عنه ونلتزم الأدب مع حبيبه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند مخاطبتنا له أو عند ذكر اسمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأن لا نذكر اسمه مجرداً عن السيادة .وحقيقة سيادته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا تحتاج إلى دليل لأنها أجلى وأظهر من أن يستدل عليها . فهو سيد العالم بأسره على الإطلاق . قال صلى الله عليه وآله وسلم .«أنا سيد الناس » رواه البخاري

وفي رواية لأحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد مرفوعاً «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» فالتلفظ بالسيادة عند ذكره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سواء كان في التشهد في الصلاة أو خارج الصلاة أو حتى عند الأذان هو إيمان بهذا الخبر الوارد ..حتى وإن ورد أن الصحابة قالوا: كيف نصلي عليك يا رسول الله ؟ فقال: قولوا اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد ....الحديث. فسلوك الأدب معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو عين امتثال الأمر. فهذا ابن مسعود كان يرى زيادة لفظة السيادة في الصلاة عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد قال : إذا صليتم على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فا حسنوا الصلاة عليه , فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرض عليه . فقالوا له :فعلّمنا. قال: قولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وأمام المتقين وخاتم النبين محمد عبدك ورسولك ......)) الحديث رواه عبد الرزاق في المصنف  2/213  وابن ماجه  1/906 ..والدليل ـ أيضاً ـ على قولنا التزام الأدب خير من امتثال الأمر فعل الإمام على عليه السلام حيث امتنع من محو اسمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لَّما قال له : أمحُ رسول الله . قال على :لا والله لا أمحوك أبداً )) وذلك عند صلح الحديبية كما جاء في البخاري  7/499الفتح  ومسلم  3/برقم 1409  وفعل أبوبكر الصديق رضي الله عنه في تأخيره عن الإمامة أدباً معه عليه وآله الصلاة والسلام مع أمره له بإتمام الصلاة أنظر فتح الباري  2/167 ومسلم 1/316  وفعل عثمان ابن عفان حيث أخر الطواف لَّما دخل مكه في قضية صلح الحديبية مع علمه بوجوبه على من دخلها أدباً معه عليه وآله الصلاة والسلام أن يطوف قبله حيث أنه قال: ما كنتُ لأفعل حتى يطوف رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهذا مبسوط في كتب السَّير إذاً فامتناع سيدنا علي عن الكتابة وأبي بكر عن الإمامة وعثمان عن الطواف كان أدباً مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلم يمتثلوا الأمر لأن الأدب معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان أولى عندهم ...كذلك نحنُ يجب أن نلتزم الأدب عند ذكره ـ صلى الله عليه وآله سلم ـ بأن نظيف قبل ذكر اسمه لفظة السيادة أكان في التشهد أو في غيره ...وإذا كانت لفظة السيادة عند ذكر اسمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الأدب والاحترام والتبجيل والتوقير الذي أمر الله به وأوجبه على عباده في آياته الكريمات والتي جاءت على العموم وإذا كان كذلك فأي شئ خصص ترك السيادة عند ذكره في التشهد ؟ وهل توقيره وتعظيمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يكون في وقت دون وقت آخر ؟ فالآيات جاءت على العموم في استعمال الأدب معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذا مع أنه ثبت أن بعض الصحابة زاد في الصلاة ألفاظاً لم ترد عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهذا عبد الله بن عمر زاد في التشهد ـ بعد قول المصلي أشهد أن لا إله إلا الله ـ {وحده لا شريك له } فقد قال: زدتُ فيهما ـ أي في التشهد في الصلاة ـ {وحده لا شريك له } رواه البيهقي 2/139  والدار قطني  1/351 

قال العلماء : في هذا الحديث دليل على إثبات البدعة الحسنة عند ابن عمر والسلف ..وهذا ـ أيضاً ـ أحد الصحابة زاد في الصلاة «ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه » وذلك عند قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في صلاته « سمع الله لمن حمده » فلم يعنفه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على قوله ذلك بل قال :« رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أوَّل » انظر البخاري  2/362الفتح   قال ابن حجر في فتحه  2/365  عند شرحه لهذا الحديث : واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور ....))1هـ

والأحاديث من هذا النوع كثيرة ..هذا مع أن لفظة السيادة عند ذكر اسمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا نراها زيادة في الصلاة بل وصف وتعظيم له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا مانع أن تضاف لفظة السيادة عند ذكره في الأقامة والأذان .. لأن الأذان ليس متعبداً بلفظه كالقرآن وقد ورد بألفاظ متعددة في الزيادة والنقص فقد جاء في الموطأ صـ52 أن ابن عمر كان يكبر في النداء ثلاثاً ويتشهد ثلاثاً . بل لقد ورد أن بعض الصحابة زاد في الأذان ألفاظاً لم ترد عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كا لتثويب في الصبح {الصلاة خير من النوم } قال الإمام الشافعى في الأم  1/140 : ولا أحب التثويب في الصبح ولاغيره لأن أبا محذورة لم يحكِ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه أمر بالتثويب ))1هـ

والذي شرع «الصلاة خير من النوم » إنما هو خادم عمر رضي الله عنه قال الإمام مالك في الموطأ صـ54ـ55 ما نصه :وبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه المؤذن يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائماً ، فقال المؤذن :الصلاة خير من النوم ، فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح )) وأخرج هذا الحديث أيضاً الدار قطني في السنن وابن أبي شيبه من حديث هشام بن عروة إذاً فما هو الضير في إضافة لفظة السيادة عند ذكره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في التشهد أو الإ قامة والأذان ؟..

فلا حرام ولا مكروه إلاَّ ما ورد النهي عنه لقوله تعالى  وما آتاكم الرسول فاخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ولم يقل: وما تركه فانتهوا عنه ،أو ما لم يفعله فانتهوا عنه والقاعدة الأصولية تقول:« إنَّ ترك الشيئ لا يدل على تحريمه أو منعه ولا كراهته».. وإني لأعجب وما عشتُ أراك الدهر عجباً من بعض المتنطعين يشُنون حملاتهم التكفيرية على الصوفية بحجة أنهم يغالون بتعظيم الجناب الأقدس ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع أن هؤلاء التكفيريين يغالون بتعظيم مشائخهم وينزهوهم عن كل نقص فأقوال مشائخهم هي الفصل يجب أن تؤخذ دون تردد ...وتراهم لا يذكرون مشائخهم بأسمائهم بل يتأدبون عند ذكرهم فإذا تكلم أحدهم عن شيخه يقول قال شيخ الإسلام وإمام العلماء الأعلام وو..... فلان ابن فلان . وإذا ما سمعوا أحداً من الصوفية يُعظم رسول الله ويقول سيدنا ومولانا محمد تتكشر أنيابهم وتضيق صدورهم وتعبس وجوههم ويقولون هذا غلو لا سيد إلاَّ الله هكذا يهرفون بما لا يعرفون .وسيعلم الذين انقلبوا أ ى منقلب ينقلبون....