الحق نت - هيلوكوست تعز (محرقة الحرية) : محمد عبد الخبير الرميمة
السبت, 18 آب/أغسطس 2018  
6. ذو الحجة 1439

تحليلات و ملفات ساخنة

تباً لكم .. يومها كنت هناك

 

هيلوكوست تعز (محرقة الحرية)

 

محمد عبد الخبير الرميمة


ثوار حقيقيون نُكل بهم ، وشهداء كثيرون سقطوا بصمت ، وشهادات من الواقع لم ينظر إليها، كل ذلك لأن الأمر اقتصر على فئة أغفلت وتجاهلت ما سواها بقصد ، ونصبت نفسها وصياً ومتحدثاً ، وسيطرت بإمكاناتها على الأمور ليصبح الوطن مجرد كعكة اقتسمتها مع النظام السابق ، وكنت حقيقة قد عزفت عن كتابة شهادتي عن محرقة ساحة الحرية كشاهد عيان بعد رؤيتي لما آلت إليه الأمور ، فنصحني شيخنا الفاضل / محمد بن يحيى الجنيد قائلاً : (إن عدم كتابة اللحظات التاريخية الحاسمة التي تواكبها مسيرة المرء وأمته ، تدفع بسرَّاق التاريخ أن ينسبوها لأنفسهم ، وبالتالي يصبح التاريخ مجرد سطور جوفاء ليس لها روح أو معنى ، لـــــــذا .. فإن عليكم كتابة ما تواكبونه تفصيلاً ؛ لتشاركوا في صناعة تاريخ أمتكم بصدق وأمانة قبل فوات الأوان ، ولكم فيما مضى عبرة واعتبار ) .. فعدت لقصاصاتي ودونت هذه اللحظات بصدق وأمانة كشهادة لله وللتاريخ .

التاسع والعشرون من الشهر الخامس للعام الميلادي 2011م يوم من الأيام الخالدة التي لا تنسى على مر العصور ، فيها ليلة ليست كسوالفها من الليالي والأيام ، أحرق فيها نيرون العصر وبلاطجته ومواليه كل القيم والمبادئ على ثرى الحالمة تعز جهلاً واستكباراً وعنجهية جسدها أشاوس الأفندم على الواقع ليدخلوا التاريخ من أتعس أبوابه كمجرمين وقتلة تجاوزا من سبقهم ، وسجلوا أرقاماً جديدة عارية بكل المقاييس ، وليكونوا في مقدمة قتلة ذويهم وأبناء جلدتهم ، وليحرقوا ضمائرهم دونما رحمة بأنفسهم ولمستقبل ذراريهم إن كان لهم ذرية فالمسوخ لا تخلف .. !!

ليل التاسع والعشرين من يوم الأحد الشهر الخامس تراه مهموماً وهو يحاول بحزن وأسى لملمة جراحات يومه المثقل بالدماء ، وليسدل أستار منتصفه على حالمة اليمن الأكثر حزناً في هذه الليلة من سابقاتها الحزينة ، ينظر باحتقار وازدراء لمسوخ تقتل الإيمان المشبعة به هامات وقامات رفضت الذل والهوان ، نعم رجال جميعهم حملوا هم الأمة فتساووا عند النزال شهيداً وشهيدة .. مسرعاً لاهثاً مشتت الخطى أجري تحملني دموعي وخوفي مما أظن أنه قد وقع لمعرفتنا بعتاولة القتل ، الذين رميت بهم العزة في تعز الثورة (قيران ــ جبران ـــ ضبعان) أسماء وحوش وأفعال مسوخ ، ظللت أجري لا أرى موقع قدمي لتعود بي الذكرى ليوم الاثنين الدامي 4/4/2011م العالقة على كل جوانحي ، تذكرت ــ وأنا أجمع مسيلات الدموع في حوض الأشراف والمسيرة في أوجها ـــ كيف تساقط الشهداء ، وملئت دمائهم الزكية الطاهرة الأنفاس والأحاسيس ، ونحن نحملهم محاولين إنقاذهم ، والقذائف تقصفنا من كل صوب وتوالت الذكريات الأليمة التي عشتها لحظة بلحظة ، عاشق للمسيرات علني أفوز بالشهادة لكن حظ الاستشهاد حالف غيري ، وخلفني وراءه بلا رحمة أعيش آلامي وآلام غيري ، وأتجرع دموعي حزناً عليهم وعلى نفسي وعلى مدينتي ووطني ، من المطار القديم عند المدخل الغربي للحالمة تعز بدأت هرولتي ، وحتى بداية شارع جمال أمام شركة النفط ، المنطقة المطلة على ما أمامها بدءاً من المسبح ــ المركزي وانتهاءً بعصيفرة ، وبينهما والثورة المستشفى تقع ساحة الحرية (فؤاد الحالمة النابض) وقفت أستجمع أنفاسي وأفكاري لأحدد وجهتي ، كان دوي المدافع والدبابات والقناصات يسمع هنا بوضوح ، وما زال صوت المذيع في التلفزيون يدوي في رأسي (أنقذوا ساحة الحرية ــ الساحة تحترق بمن فيها .. القتل مستمر .. أحرقت خيمة المعاقين) حينها لم يستطع من في الدار منعي من الخروج لأصل إلى هنا عند الثانية عشرة ليلاً تقريباً ، القصف العنيف مستمر ، معركة كبيرة بما تحمله الجملة من معنى ، وبكل أنواع الأسلحة ، عيبها فقط أنها من طرف واحد !!! .. أما الطرف الآخر فهم شباب أخرجتهم مظالمهم والولاء المطلق لوطنهم ، الباحثون عن دولة مدنية حديثة يحكمها القانون ، يكفل المواطنة المتساوية للجميع وسوى ذلك يظل فيه نظر ، وأطفال بصدور عارية ، ينشدون الحرية بوسائل حضارية سلمية .. واستمر المشوار ولم يكن يقطع هذا الدوي سوى نباح بعض الكلاب الضالة التي أثر فيها ما يجري من ظلم ، فأرسلت أنينها تستنجد وتحث الضمائر بخوف ؛ خشية أن يبلغ عنها فتكون نهايتها ، لكن الضمائر حينها جميعها كانت في الساحة وفي الساحة فقط !! .. توجهت حتى المركزي فمسجد طلحة من التحرير الأسفل ، رأيت مسلحين ليسو من هنا ، وسماراً غير مبالين ، والتقيت راحلين من الساحة يأسوا من هول ما رأوه فغادروا وحالهم يرثى لها ، فالمعركة بدأت بعد الظهر وما زالت مستمرة .. ومن جانب فندق المجيدي كان دخولي لأرى أفضع وأروع ما رأيت خلال خمسون عاماً هي عمري .. منظراً ومشهداً يصعب أن يصفه الواصف مهما كانت قدراته ، جموع تحملها جرافات ورشاشات ومسلحين ملثمين يحاولون الدخول إلى الساحة أمام مستشفى الصفوة .. ومثلها جرافات ومدافع ومسلحين وأضواء قادمة من شارع الهريش باتجاه الساحة بين الجامعة الأردنية والمعهد الوطني ، تحمل دبات بترول ترشها على الخيام أمامها وتحرقها لا تنظر من فيها ، قصف بالدبابات من مستشفى الثورة والمعهد الصحي ، وقصف قناصات ومدفعية من التبة المطلة على المعهد الوطني ، وقصف من كل مكان عالي على الساحة ، والساحة وما أدراك ما الساحة ومن فيها .. فيها رجال هم خلاصة الرجولة ، (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا) رجال علوا بأخلاقهم وسموا بشيمهم فذابت الفوارق الحزبية والمناطقية معها ؛ لينسجوا سيمفونية رائعة عزفوها لحناً ثورياً سيظل التاريخ يردده كملحمة هي التاج المضيء لهذا الزمن الأغبر ، فالوطن كان هنا يصنع تاريخه رجال هم هؤلاء ، رأيت بن عمر المحامي الناصري وبجانبه كثيرون يقاومون بما تبقى من حجارة وصراخ وبكاء .. تسقط نظارته فيعود للبحث عنها وعن حجر ، ويلتقطهما ويعود إلى المقدمة .. بين نظارة بن عمر والحجر الملقوط صنعت ثورة .. وبجانب المنصة لم أجد أولئك الفتوة الذين يمنعون الصعود إليها ، إلا لمن شاءوا ،. ظننتهم في المقدمة ؛ لكني لم أجدهم !! ربما أني جئت متأخراً ، وقد غلبهم النوم بعيداً عن هنا ، أو أنهم مختبئون للانقضاض على هذه الأرتال فجأة ، أو أنهم ربما لم يكونوا هنا ، فكل الاحتمالات حينها كانت واردة .

مجيب المقطري من شباب التنظيم في جدال وحوار ساخن مع اخر ، وكأنهم في ديوان مقيل عدت إلى وسط الساحة والقصف مستمر ؛ رأيت (م . ع . ر) اتهموه بأنه مخبر ، كان وأولاده في مقدمة الصفوف ، اختصر إجابته لي بحزن بالقول : لعلي إن استشهدت وأطفالي تشفع لنا الشهادة عند هؤلاء ، لكن ما أستغرب له أني لم يخالجني أي شعور بالخوف ، وتقدمت مشاركاً أولئك العمالقة الأبطال ، الذين تعجز الأمهات أن تنجب أمثالهم ، كانوا يتجمعون ومعهم بقايا أحجار ، ويحث بعضهم البعض على الهجوم الجماعي على تلكم الأرتال .. ببقايا الأحجار يهاجمون المدافع والدبابات ، وهنا تكمن قوة الإيمان التي لا ترى ولا تتجسد إلا لمن كان هناك وبين أولئك الأبطال كان ولدي عبدالناصر الأصم ، ومعه آخرون بعاهات متنوعة ، والطفل جهاد الحبشي أحد عشر عاماً لا تزيد ، كان عبد الناصر رابطاً قميصه عند منتصف قامته الفارعة ، ومعه الكثيرون في هجوم بقايا الحجارة على أتعس مسلحين رأتهم عيني ، رآني ورايته خشي أن أكون جئت لأعود به إلى المنزل ، لكنه ابتسم باكياً ، والدموع ومسيلاتها تزين ملامحه ، ونعم البطل أنجبت أمه ، فهو ضميري المتحرك ، صافحني بحرارة ، وأشار لي بحرقة نحو المعركة ، محاولاً إخباري بما يدور ، ومن إشاراته وملامحه ، قرأت هول ما دار وتخيلت ما سيدور ، فقد كانت كل إشارة منه لغة تملأني اعتزازاً وفخراً ، وعبره أنقل للصامتين والشامتين وللقتلة أن الصم والبكم قد ساءهم ما قمتم به ، وهم يلعنوكم بكل الإشارات ، فها هم هنا في ساحة الشرف ، وأنتم مع الخوالف ذات السوالف ، فقد أثبت ذوي الاحتياجات الخاصة (المعاقون مجازاً) أن المعاق الحقيقي هو ذاك الذي أعاقه فقدان ضميره ، سمع النداء ولم يلبي ، أما هؤلاء فقد علمتهم الساحة ما تعجز الأيام عن تعلمه ، حيث تأكد لهم أن هذا النظام دمر أحلامهم ومدنهم وخلف لهم إعاقات في زيفه وتضليله ، ولعبد الناصر هذا مع النظام قصة بين الأقواس (أصيب بالحمى الشوكية وعمره ثلاث سنوات وكنت في العيد الفضي لعلي صالح ، حين قرأ علينا أن المغرضين يتحدثون عن غزو الحمى الشوكية لليمن وهذا تقرير وأشار إلى ورقة في يده أن الحمى الشوكية لا تصيب مناطق مثل اليمن ، وكنت حينها يافعاً صدقت ما قال ، رغم أنه كانت هناك لقاحات للحمى في السفارتين العراقية والألمانية ، بعدها بيوم فقط أبلغت من تعز بأن عبد الناصر يرقد في المستشفى مصاباً بالحمى الشوكية ، تعلمتُ بعدها ألا أصدق هذا النظام ، لكن بعد فوات الأوان ؛ فَقَدَ عبد الناصر السمع والنطق ، وفقدت الكثير كي تتحسن حالته) استمر هجوم بقايا الحجارة ، والدموع والصراخ ، لكنه عجز عن الصمود عند الثالثة صباحاً ، اقتحم أشاوس النظام وسط الساحة بدؤوا بتفجير المنصة ، رأيناهم يدوسون بحقد على الميكروفونات والأخشاب الساندة ، ويحرقون الخيام بما فيها بعد سرقة محتوياتها لكن ما يلفت النظر هو تلكم الكراهية المقيتة التي ملأت أشباه الرجال هؤلاء ليظهر على الواقع ما تعلموه من أسيادهم بممارستهم عملياً بتنفيذ ما أسند إليهم ، وكان الأحرى بهم أن يصبوا كراهيتهم وحقدهم على من سبب لهم هذا المرض (الجهل) وحرمهم من التعلم ومن جعلهم دون البشر ، ومن سلب إرادتهم وجعلهم عبيد ، أما الحالمة وبنيها فمن جاءها مريضاً خرج سليماً معافى ، ومن جاءها جاهلاً خرج متعلماً إلا من تظاهر أو أبى فلسنا مسؤولون عنه .

لم يتركوا أمامهم شجراً ولا حجراً ولا بشراً إلا قتلوه ، وبين هذا وذاك كانت أنظارنا شاخصة مشرعة نحو فندق المجيدي والعمارات المجاورة حتى لحظة انسحابنا من جانب المدرسة نحو شارع مستشفى الثورة .. أو لم يكن حماة الثورة يقطنون هنا ؟! كنا نراهم يتواردون إلى تلك الأماكن قبل المحرقة ، يحملون على مرافقهم الأسلحة وكلاوت القات والمياه الغازية .. ما زلت أتذكر عند وصولي إلى الساحة والاجتياح في أوجُّه ، توقعت عواقب وخيمة للمهاجمين الذين لا يعلمون أن حماة الثورة سينقضون عليهم ، وسنرى صولات وجولات ، لكن ... !!!

قُصف المجيدي وفندقه ، قصفت العمارات المجاورة .. ومجاورات المجاورة .. وأحرقت الساحة بمن فيها ، وقُتل كثيرون بلا رحمة ، وهرب من بقي ونحن منهم ، ولم ينقض أحد على أحد بل انقضوا على المساعدات والتبرعات والهبات ، فعقدوا الندوات وصرحوا باسم الثوار ، ولم يخطر ببالهم ـــ ولو من بعيد ـــ قول كلمة حق ، فمنا عليهم السخريات .

ومن العجب العجاب أنه ومن ضمن تصريحات النظام السابق أن آلاف القطع من الأسلحة كانت في الساحة زوراً وبهتاناً ، فو الذي نفسي بيده لو كانت هناك قطعة فقط لعجز أشاوسكم عن الدخول شبراً واحداً ، فنحن نعرف عنترياتكم ومكانها ، ولا داعي للفضائح لكنها إرادة الله فضحت من أرادت له الفضيحة ، وسما بالشهادة من أحبه الله ، واحتفظ بالآلام من اعتنى به .

وفي الختام قالوا : أن الحالمة كانت سقطت لو لا أولئك الذين حموها ومنعوا الغزاة وصدوهم عنها ، وللتاريخ وللذمة نقول : تباً لكم جميعكم ؛ فقد دافعت تعز العز عن نفسها بمبادئها وقيمها وثقافتها ، ودماء أبنائها وبناتها ، وشرفائها الذين هبوا للدفاع عنها .

وعند الرابعة والنصف ونحن نغادر من جانب المدرسة في الساحة رأينا مهمشين ومعهم أشاوس ينهبون بنهم ما تبقى من أوعية الثوار ، وكانت النظرة الأخيرة لفؤاد تعز النابض (ساحة الحرية) وكأني تنزع مني روحي نظرت إلى السماء فشعرت بالطمأنينة وأن دعاء هؤلاء المقهورين لابد وأن أثره نازل ، وأن الظالم قرب رحيله ، وعبد الناصر معي لم يلتفت بل ظل يركل كل ما يصادفه أمامه بقوة وغيض ، وكأنه يوجه هذه الركلات لأولئك الذين حرموه من متنفسه الوحيد ، وانطلقنا حتى الشارع تحت مستشفى الثورة ، ومنه حملتنا هيلوكس إلى جولة المسبح ليؤذن لصلاة الفجر ، ومن جولة المسبح حملنا دباب وفيه بعض الركاب ، أحدهم سألني : هل قتل كثيرين ، وهل بينهم أطفال وشيوخ ؟ وهل .. وهل .. ظل يستفهم ولم يستمع للجواب ، صرخت فيه نعم ، لكنه ظل مسترسلاً وبصوت أعلى يستاهلوا يقتلوا كلهم ، ثم استدرك أيضاً وبحرقة ، لكن معهم أطفال ، وليس لهم ذنب ، وانفجر باكياً وتبعه الدباب وكل من فيه ، هؤلاء هم أبناء تعز ، رحماء بينهم وغيرهم ، قلوب يملؤها الحب والحنان ، والكثير من الإنسانية ، فلم قتلوهم ؟!! (قاتلهم الله أنى يؤفكون) .

وفي الختام .. أسئلة مشروعة للثوار :

1- لماذا يستاء البعض حين يطالب بكشوفات توضح الوارد والمنصرف من التبرعات والهبات والعلاجات وغيره ، إن كانوا كما يقولون صناع ثورة ؟

2- السؤال الأخطر هو بعد محرقة الساحة وسيطرة الأشاوس عليها بأيام تم تسليمها للمعارضة ، وقبل وصول المبعوث الأممي ، قامت جرافات وشيولات بمسح الساحة وكأنها تخفي معالم الجريمة ، لماذا ؟ سؤال كبير يطرح نفسه .. لمصلحة من ؟

والله ورسوله من وراء القصد

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...