الثلاثاء, 18 أيلول/سبتمبر 2018  
7. محرم 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

قبل أن نتتطرق لدراسة واقع المرأة بين الحضور والتغييب لابد أن نسلط الأضواء على مفهومي الحضور والتغييب حتى تتضح الصورة وتبرز معالم الحضور والتفاؤل لفعاليات المرأة وأدوارها عبر مسيرتها التاريخية بدءاً بالعصور الجاهلية ومروراً بتاريخ الإسلام وانتهاءاً بوضعها في الوقت الراهن.

والدراسة إذ تسوق شواهدها التاريخية لن نغفل عن تسليط الأضواء على واقع المرأة في ظل الحضارات الأخرى حتى يكتمل الإطار العام للصورة وترتبط معطيات التاريخ مع مفردات الحاضر من أجل بناء منظومة معرفية متكاملة نسطيع أن نحلل عوامل الحضور وأسباب الغياب على ضوئها وفق إمكانات الدراسة وحدودها.

تطرقت المعاجم اللغوية لدلالة الحضور والغياب وجعلت منهما دلالة ضدية بحيث إذا ذكر الحضور تم استدعاء الغياب لتوضيح الدلالة وجلاء المفهوم، وهذا ما نجده في القاموس المحيط حيث وردت دلالة الحضور بمعنى الوجود الفاعل المليء بالحركة والنشاط وهو على النقض من الغياب المكتنز بمعنى السكوتية، يقول الفيروزآبادي (حضر كنصر، وعَلِمَ حضوراً وحضارة: ضد الغياب) ([1]).

وعلى نفس المنوال تطرق أبو الحسن بن سيده المرسي في كتابه (المحكم والمحيط الأعظم) إلى نفس الدلالة بقوله: (الحضور نقيض الغياب) ([2]) وبها قال ابن منظور في (لسان العرب).

ومن خلال استنطاق المضامين الدلالية لتعريف صاحب القاموس المحيط نجد أن مفردتي (الحضور – الحضارة) تزخران بمعاني الحركة والفعل المضطرب القائم على الانتاج والتفاعل، وهذا ما يؤكد معنى الحضور ويدفع عنه دواعي التغييب والتجاهل، فالحضارة لا تسمى حضارة إلَّا إذا استطاعت أن تثبت وجودها الفعلي من خلال العمل والحركة والتفاعل مع مكونات وقابلية التفاعل والقدرة على التأثير والتأثر، وإذا لم تتحقق تلك الوظائف في معنى الحضور ودلالته، فإن وجوده كعدمه.

تلك هي فلسفة الحضور ودلالتها المعجمية، فإذا ما جئنا إلى معنى الغياب ودلالته وجدنا أن الحقل المعجمي لمفردات اللغة يتناول الغياب من زاويتين:

الزاوية الأولى: تحمل معنى العدم والابتعاد عن موطن الحدث كقولنا: (غاب الرجل) إذا ابتعد عن موضع إقامته أو فقد في موقف يتطلب حضوره.

الزاوية الثانية: تحمل معنى الحضور السكوني ونقصد به تحقق الوجود المادي للذات وغياب الدور الفاعل لها أو اختفائه، وهذا ما نجده في تعريف ابن سيده المقصود بالغياب، وهو سيرد رؤية علماء اللغة والنحو لدلالة المفهوم حيث يقول: (غاب الرجل غَيْبَاً وغيَاباً ومَغيْبَاً وتغيّب: بَعُدَ أو خفي فلم يظهر) ويذكر بعدها تعريف ابن السَّكّيت لمفهوم الغياب بدلالتي البُعد والخفاء بقوله: (ابن السكيت:بنو فلان يشهدون أحياناً ويتغايبون أحياناً) ([3]).

ومن خلال التعريف السابق نلاحظ ذلك الترابط الدلالي القائم ما بين البعد والخفاء في قوله: (بَعُد أو خفي)، فالبعد مرتبط عن الساحة، بينما الخفاء مرتبط بانعدام الفاعلية الحقيقية لأدوار الذات فقط، مع تحقق الوجود المادي للذات أو تحقق حضورها، وهذا ما يفسره قولنا: (غاب محمد عن الوطن) بمعنى فارق وابتعد عن الوطن، وهذا يعكس قولنا: (غابت المرأة عن المشهد السياسي في اليمن) فهذا لا يعني خروج المرأة من اليمن بقدر ما يعني غياب دورها الفاعل في المشاركة.  

وعلى ضوء ما سبق نتناول واقع المرأة بين الحضور والتغيب بمعنى فاعليتها وحضورها التاريخي في صناعة الواقع والمساهمة فيه من عدمه عبر مسيرتها التارخية من الجاهلية إلى يومنا هذا.

واقع المرأة في العصر الجاهلي:

كانت الجاهلية تنتظر إلى المرأة على أنها عار يجب ستره ودفنه، ونظرتهم الدونية هذه كانت تنبع من فلسفة اجتماعية استقوا مبادئها من واقع حياتهم المضطربة والتي كانت تمثل ساحة من ساحات العنف والصراع من أجل البقاء وميداناً واسعاً من ميادين الحروب المستعرة حتى أصبح تاريخهم مليء بما عرف في الأوساط الأدبية بأيام العرب والتي تشكل المادة الخصبة لتاريخهم العام في تلك الفترة الزمنية الغابرة، وقانون الحروب في ذلك العصر كان ينص على أن القبيلة المنتصرة تسبي نساء وذراري القبيلة المنهزمة كأسيرات وغنائم حرب، وللمنتصر الحق في الاستمتاع بهن أو عرضهن للبيع في سوق النخاسة، وهذا ما لا يرضاه العربي الأبي.

ونظراً لمأساوية تلك النتائج التي تخلفها الحروب المستمرة لم يكن أمام العرب للتخلص من تلك الآثار المرتبطة بعار الدهر وشناره إلَّا التخلص من نواة ذلك العار والمسبب له وهو النساء، ومن هنا ظهرت فكرة الوأد لكل مولودة أنثى وحرمانها من حقها في الحياة تجنباً لوقوع المحذور من العار الذي يتهدد وجود القبيلة العربية بين الحين والآخر.

وقد أفصح القرآن الكريم عن تلك الفلسفة الإجرامية من خلال شرح موقفهم من البشارة بالأنثى وتجاهلهم لعاطفة الأبوّة والنبوّة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُون[النحل: 58، 59].

كما استنكرفعل القتل الإجرامي وحرمان الأنثى من الحياة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَت، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت[التكوير: 8، 9].

وإذا كانت فلسفة الوأد ناشئة من خوف العار أو الوجل من الفقر إلَّا أنها لم تكن فلسفة عامة لمجتمع الجاهلية وإلَّا لانقرضت النساء ولأقفرت القبائل من البنات، فمجتمع القبيلة لم يكن يتعامل مع المرأة على هذا الأساس حيث يقابل تلك الرؤية القاصرة رؤية أكثر نضجاً ووعياً بأهمية المرأة ومكانتها الاجتماعية وإن كانت منزلتها الاجتماعية لا ترقى إلى مستوى المكانة التي يتمتع بها الرجل.

وعلى الرغم من الضيم والقهر الذي كانت المرأة في عصور الجاهلية تعانيه، حيث كانت تحرم من الميراث وتسخر للخدمة إلَّا أنها لم تكن مهملة بل كان لها قدرها عندهم، كما كان لها كثير من الحرية فكانت تملك المال وتتصرف فيه كما تشاء ([4]).

وخير مثال على ذلك قصة السيدة خديجة رضوان الله عليها وتجارتها الرائجة والذي كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد أقطابها قبل الإسلام.

ونظراً لمكانة المرأة العربية قبل الإسلام وخصوصاً بنات الأشراف سُنَّت القوانين التي تجرم المساس بها أو الاعتداء عليها لأنها ضعيفة من جهة ولأن الاعتداء عليها من قبل الرجال يخدش كرامة المعتدي ويحط من قدره ومنزلته في قانون القبيلة من جهة أخرى.

وقد استطاعت المرأة العربية في العصر الجاهلي أن تجسد حضورها التاريخي الفاعل من خلال إيمانها بمكانتها وإدراكها بأهمية الدور الذي تلعبه في المجتمع وسعيها الدؤوب لإثبات وجودها من خلال المشاركة في الأحداث وصنع القرار، ونماذج ذلك الحضور التاريخي الفاعل للمرأة كثيرة على صفحات التاريخ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر النماذج التالية:-

1- تأسيس الحكم وسياسة الدولة:-

وخير مثال سنستحضره هنا من واقع التاريخ اليمني القديم هو الملكة بلقيس التي أسهمت في بناء دولتها وسياستها بحكمة واقتدار وأثبتت جدارتها على المستوى العملي والنظري، وقصتها في القرآن الكريم معروفة مشهورة، حيث أثبتت حضورها التاريخي في مجال سياسة الحكم والعلاقات الدولية وإدارة شؤون الحرب والسلم فضلاً عن مقدرتها الكبيرة على إقامة مجتمع مدني قائم على الشورى وتبادل الآراء والخبرات قبل اتخاذ القرارات وإصدار الأحكام وهذا ما تناولته الآيات القرآنية التالية: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُون[النمل:32].

2- إصلاح الحكم وبناء الرموز التاريخية:-

استطاعت المرأة العربية على امتداد تاريخها الطويل أن تؤكد مصداقية المقولة التي تنص على أن (وراء كل رجل عظيم امرأة) من خلال إسهامها الفاعل في صناعة الرموز التاريخية وتوجيهها إلى مواطن العظمة والخلود ، وهذا ما جسدته هميسة بنت أوس بن حارثة الطائي، حيث استطاعت بهمتها العالية وذكائها وحكمتها أن تشكل من زواجها من سيد العرب الحارث بن عوف عيداً مشهوراً ويوماً غريباً مشهوداً، اصطلحت لأجله قبيلتي عبس وذبيان وأوقفتا الحرب التي أكلت الأخضر واليابس حين دفعت زوجها الحارث بن عوف إلى إصلاح ذات البيت ووقف الحرب كهدية لزفافهما فكان لها ما أرادت، وبذلك الفعل النبيل ارتقت بمكانة زوجها الاجتماعية وخلّدت ذكره كرمز عربي يتفاخر العرب بانتمائه إلى أمتهم العربية الخالدة.

وما مقولتها لأبيها عندما عرض عليها الزواج بالحارث بن عوف بعد رفض أختيها سوى تأكيد لإيمانها بذاتها من جهة ولإثبات حضورها التاريخي من جهة أخرى، فقد سألها أبوها عن سبب قبولها رغم رفض أختيها فقالت: (ولكني والله الجميلة وجهاً، الصنّاع يداً، الرقيقة خلقاً، الحسيبة أباً، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير) ([5]).

وسبب اصطلاح قبيلتي عبس وذبيان راجع لقولها لزوجها عندما أراد الاختلاف بها: (أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضاً... اخرج إلى القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد) ([6])، وهكذا استطاعت هذه الفتاة أن تثبت وجودها التاريخي وحضورها الفاعل من خلال إثبات وجود الآخر وصناعة حاضره ومستقبله.

3- المساهمة في نشر الوعي الاقتصادي والإيمان بالتغيير:-

لم يقتصر دور المرأة على إثبات وجودها وشهودها التاريخي في بعدها الذاتي المنقطع عن الجماعة، ولكنها أسهمت في تأكيد انتمائها إلى جماعة بشرية تحمل رؤية خاصة بها وفلسفة تسعى لنشر معالمها وتحقيق جدوائيتها، وهي مهمة شاقة وعسيرة تنتزع الفرد من قيود الأنا المنكفئة على نفسها لترتقي به في مدارج الآخر المتشبع بروح الجماعة.

وهذا ما تجسد بشكل واضح في شخصية السيدة خديجة بنت خويلد والتي عاشت حضورها التاريخي في عصرين متقابلين، عصر الجاهلية والإسلام، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أنها كانت (امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك) ([7]).

لقد استطاعت السيدة خديجة أن تؤسس لها منظومة اقتصادية رفيعة المستوى تجاوزت الحدود الجغرافية لموطنها مكة إلى بلاد الشام وكانت تستأخر الرجال وتدفع المال إليهم مضاربة كما كان لها إرسالياتها التجارية وعلاقاتها الاقتصادية مع أكثر من محور، وكانت تمتاز بفطنة ونباهة ونظر ثاقب في اختيار عمالها والمشرفين على تجارتها، ويؤكد ذلك أنها لما سمعت بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن خمسة وعشرين سنة ليس له اسم في مكة سوى الأمين، فاوضته على العمل في تجارتها على أن تعطيه ضعف ما كانت تعطي لغيره ([8]).

وشاءت الأقدار أن تكون هذه العلامة التجارية نواة لعلاقة اجتماعية كبرى يترتب عليها في مستقبل الأيام مصير دعوة وليدة حيث تزوجت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد رفضها لأشراف العرب وسادتها لتكون بذلك الدعامة الاقتصادية للدعوة الإسلامية في أحرج مراحلها لتنال بذلك أرفع وسام في تاريخ الدعومة الإسلامية في شكل شهادة نبوية مضمونها (قام الإسلام على يف علي ومال خديجة).

واقع المرأة وحضورها في العصر الإسلامي

كانت تلك صورة مختصرة عن واقع الشهود التاريخي للمرأة العربية في عصور الجاهلية المليئة بنظرة الإقصاء والازدراء لواقع الأنثى في ظل مجتمع يمجد الذكورة ويقدسها.

وعندما ظهر الإسلام وانتشر استطاع بمنظومته الأخلاقية السامية وقيمه الإنسانية أن يخرج المرأة من واقعها البئيس إلى رحاب الإنسانية التي تؤمن بأن المرأة النصف المكمل لمجتمع الذكور حيث منحها حق الحياة وحرم الوأد والقتل لبراءة طفولة الأنثى كما أعلى من شأنها ومنحها حقها الوجودي الفاعل في صناعة الأحداث وبناء التاريخ حيث احترمها وهي طفلة: «خيركم من بدئ بأنثى» ([9]).

وكرمها وهي بنت «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجاباً من النار يوم القيامة» ([10]).

واحترمها وهي زوجة «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» ([11]).

وأعظم مكانتها وهي أم «الجنة تحت أقدام الأمهات» ([12]).

إنها مكانة لم يرق إليها الرجل رغم جهوده وثقل مسؤوليته.

وهكذا استطاع الإسلام أن يعيد تشكيل منظومة المجتمع الإنساني على أساس المساواة في الحقوق والواجبات حيث لا يمتاز الذكر عن الأنثى في ميادين العمل إلا بمقدار ما يتفاضل فيه الأفراد من التقوى، فلكل منهم أجره ونصيبه من الثواب والعطاء، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب:35].

وقد استثمرت المرأة تلك الامتيازات التي منحها الإسلام لصالحها وأثبتت وجودها وكينونتها من خلالها حيث امتلكت المال وشاركت في القتال وانتظمت في سلك المجتمع ترسي دعائمه وتدفع عنه، وضربت بذلك أروع صور الحضور التاريخي في مختلف مجالات الحياة.

وشواهد التاريخ الإسلامي على الحضور الفاعل للمرأة كثيرة تقتصر على ثلاثة جوانب أساسية استطاعت المرأة أن تؤكد حضورها التاريخي من خلالها وذلك على النحو التالي:-

1- الحضور السياسي ومقاومة الاستكبار:-

وخير من يمثل هذا الإتجاه السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام، والتي شهدت مأساة كربلاء مع أخيها الإمام الحسين بن علي عليهم السلام، وكان لها حضورها السياسي الفاعل أمام جبروت يزيد بن معاوية وخطابها الحماسي المندد بمساوئ الحكم الأموي وجبروته (مشهور يدل على عقل وقوة جنان)([13]) وذلك عندما طلب رجل من أهل الشام من يزيد بن معاوية أن يهبه فاطمة بنت علي عليها السلام فأجفلت واستجارت بأختها زينب فصرخت السيدة زينب في وجهه: (كذبت والله ولؤمت ما ذلك لك ولا له –تعني يزيد- فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي لو شئت أن أفعله لفعلت، قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا.. فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي ستقبلين بهذا إما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي أهتديت أنت وجدك وأبوك. قال: كذبت يا عدوة الله، قالت: أنت أمير مسلّط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك) ([14]).

وهكذا استطاعت المرأة العربية أن تصدح بصورتها الجهوري في المحافل والتجمعات وأن تشكل تياراً سياسياً يناهض الطغيان ويزاحم المناصلين على دروب الحرية والكرامة.

2- الحضور العسكري والمشاركة في الحرب:-

استمر الحضور الفاعل للمرأة في العصر الإسلامي والخلافة الراشدة في التدفق والعطاء وشمرت المرأة عن سواعد الجد والاجتهاد في إثبات وجودها وانتزاع الاعتراف بمكانتها وإنجازاتها وقدرتها على التغيير وتقديم الأفضل حيث تجاوزت المعطيات السياسية في جوانبها النظرية إلى المشاركة الميدانية في ساحات الجهاد الحربي وتحولت ذوات الخدور إلى لبوات مفترسة تدافع عن عقيدتها وكرامتها وحقوقها سواء في خطوط المواجهة الإمامية تحت ظلال السيوف والرماح أو في الخطوط الخلفية تداوي الجرحى وتسعف المرضى وتسقي العطشى وتبث روح الحماسة والإقدام في المنهكين والمتراجعين عن ساحات الإقدام والشهادة.

ومن أبرز النماذج النسائية في تاريخ العصر الإسلامي خولة بنت الأزور الأسدي المتوفية سنة (35هـ) والتي تشير المصادر التاريخية وكتب التراجم إلى أنها (كانت من أشجع النساء في عصرها، وتشبه بخالد بن الوليد في حملاتها) ([15]) وأخبارها في فتوح بلاد الشام مشهورة مذكورة.

لقد استطاعت خولة بنت الأزور ذات الأصول الحميرية اليمنية أن تثبت للتاريخ جدارة المرأة اليمنية وقدرتها على المساهمة في دعم مقومات الحياة والنهوض بأعبائها أسوة بجدتها السابقة بلقيس اليمن صاحبة الحكمة والحكم الرشيد.

3- تأسيس النهضة الأدبية والنقدية في بواكيرها الأولى:-

لم يقتصر الحضور التاريخي للمرأة على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية وحسب ولكنها أسهمت بفعالية كبيرة في تأسيس النهضة الأدبية والنقدية في بواكيرها الأولى واستطاعت أن تثبت جدارتها العلمية وتفوقها على علماء عصرها وترغم التاريخ على تسجيل أدوارها وإنجازاتها العلمية في صفحات الخلود والإبداع العلمي وخير من مثل هذا الإتجاه العلمي الفريد سكينة بنت الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام والتي توفيت في العام (117هـ) والتي تشير المصادر التارخية وكتب التراجم إلى أنها كانت (نبيلة، شاعرة كريمة، من أجمل النساء وأطيبهن نفساً، كانت سيدة نساء عصرها، تجالس الأجلّة من قريش، وتجمع إليها الشعراء فيجلسون بحيث تراهم ولا يرونها، وتسمع كلامهم فتفاضل بينهم وتناقشهم وتحيزهم) ([16]).

ولم يقتصر دور السيدة سكينة بنت الحسين على المجالات الأدبية ولكنها أسهمت في تأسيس مدرسة نقدية تجاوزت النظرة الانتقائية الذاتية إلى تقديم رؤية نقدية ذات أصول علمية وقواعد مستنبطة من لغة العرب ودلالاتها السياقية والإيحائية، كما أنها كانت تمثل حلقة وصل بين أهل البيت عليهم السلام وعلومهم وبين مختلف التيارات والمدارس الفقهية الأخرى، وهذا ما أشار إليه صاحب كتاب الإكمال بقوله: (لها أخبار مشهورة وقد روت عن أبيها وروى عنها فائد المدني) ([17]) .

وأثنى عليها ابن حيان في الثقات بأنها كانت (تروي عن أهل بيتها، روى عنها أهل الكوفة) ([18]).

وهكذا استطاعت المرأة العربية في ظل الفكر الإسلامي ونظرته الإنسانية أن تحقق حضورها التاريخي وشهودها الحضاري في مختلف المجالات إلَّا على الرغم من ذلك تعرضت لنكسة تاريخية أرجعتها إلى سالف عهدها في عصورها الأولى وأقحمتها في مجاهل التغييب من جديد بعد أن تحول نظام الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض على يد بني أمية والتي كانت سياستهم القمعية تهدف إلى تكميم الأفواه وتقييد النشاطات ووأد الأدوار الفاعلة للرجال والنساء على السواء في مهدها الأول قبل أن تتحول إلى سيل جارف يكتسح نظام حكمهم القائم على الزيف والخداع.

وقد أسهمت مجموعة من العوامل في طمس معالم الحضور التاريخي للمرأة في العصر الأموي وما بعده نذكر منها:-

1-  توظيف الخطاب الديني لخدمة السلطة الأموية القائمة:- حيث عمد علماء البلاط الأموي إلى مصادرة حقوق المرأة وحرمانها من الحضور الفاعل في الحياة العامة وحصر دورها في منزل الزوجية ليبدأ بذلك ما عرف في الأوساط الأدبية بعصر الحريم، وقد وظف علماء البلاط في سبيل تحقيق ذلك التغييب القهري مجموعة من النصوص التي تم إقحامها في الخطاب الديني قسراً عن طريق النحل والوضع والافتراء لتقيّد الأدوار الفاعلة وتكمم الأفواه الصادحة وتشوش الأفكار الصافية فلا يتقدم الواقع ولا تتحقق المشاركة الفاعلة للذكر أو الأنثى على حد سواء.

2-   السياسية القمعية التي أثارت القضية القبلية من جديد لتعود القبيلة إلى الحضور في المشهد السياسي والاجتماعي بكل عاداتها وتقاليدها الجاهلية والتي كان أقسى وأبغض ما فيها الأنفة والكبر من مشاركة المرأة للرجل في أدواره أو اقتحام مجال حياته.

وإذا ما تجاوزنا واقع المرأة العربية العام إلى الحديث عن واقع المرأة اليمنية في العصر الإسلامي وإلى يومنا هذا لاستجلاء مواطن الحضور التاريخي والوقوف على عوامل الانحسار التدريجي لأدوار المرأة اليمنية وتضاؤل عطائها وإنتاجها، فإننا سوف ندرك ذلك الإنجاز التاريخي للمرأة اليمنية رغم قساوة الظروف وشحة الإمكانات والحوافز.

ويحضرنا الآن ثلاثة نماذج تاريخية لحضور المرأة وأثرها في الحياة العامة صنفناها على ضوء التخصصات الوظيفية على النحو الآتي:-

1- بناء الدولة وتأسيس الحكم:-

وخير من جسد هذا الدور وأتقن لعبته السيدة أروى بنت أحمد بن جعفر الصليحية (444هـ - 532هـ) والتي عرفت عند أصحاب عصرها وكتّاب التاريخ والأدب بالحرة الكاملة وبلقيس الصغرى حتى وصفها الزركلي في الأعلام بأنها: (ملكة حازمةمدبرة يمانية) ([19]).

وقد استطاعت تلك السيدة الفاضلة أن تحدث نهضة علمية رائدة وتؤسس المدارس والهجر وتفرض لها من الأموال ما يسهل عليها القيام بدورها العلمي على أكمل وجه، كما أسهمت في تطوير القطاع الزراعي والاقتصادي وحضنت البلاد وقربت العلماء والحكماء، وعلى الرغم من كثرة اشتغالاتها بشؤون الحكم وتطوير البلاد وتحصينها إلَّا أن ذلك لم يمنعها من تنمية مهاراتها وقدراتها العلمية، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أنها كانت حافظة لأشعار العرب وأخبارها وتواريخ حوادثها فصيحة بليغة اشتهرت بسداد الرأي وصواب الحكم، فاكتسبت بذلك كله احترام وتقدير جميع أفراد مجتمعها حتى استحضرها الشاعر الشيخ محمد أحمد منصور في قصيدته التي قال فيها:

تلك أروى خليفة الله في

 

الأرض ولله مثلها الخلفاء

ليت أهل اللحى الطويلة تبني

 

ما بنته الظفائر السوداء ([20])

 ولا تزال مآثر عهدها المتميز شاهدة على إنجازاتها وأفعالها العظيمة.

2- التطور العلمي والاجتهاد المطلق:

لم تزاحم المرأة اليمنية الرجال في ميادين العلم والمعرفة العادية ولكنها نافسته في مجال الاجتهاد المطلق داخل علوم المدرسة الواحدة وخارج نطاقها المعرفي، وهذا ما جسدته باقتدار منقطع النظير السيدة الشريفة دهماء بنت يحيى بن المرتضى (ت: 837هـ) والتي اشتهرت بسعة علمها وتبحرها في جميع الفنون، وصنفت كتباً جليلة منها (شرح الأزهار) في فقه الزيدية أربعة مجلدات، و(شرح منظومة الكوفي) في الفقه والفرائض، و(شرح مختصر المنتهى) ([21]) وكان لها هجرة علمية تدرس فيها طلاب العلم وتناقش العلماء من وراء حجاب.

3- الإبداع الأدبي:-

آمنت المرأة اليمنية بسحر الكلمة وقوة تأثيرها فاستخدمتها سلاحاً فتاكاً لتحقيق مقاصدها النبيلة ونشر روح الحماسة والنشاط في نفوس الأفراد والجماعات المقاومة خصومهم من الأتراك، كانت شاعرة نبيهة نابغة (قرأت علوم العربية والمنطق والأصول، وبرغت في الأدب) ([22]) واستطاعت أن تشكل مدرسة شعرية خاصة بها تميزت بأسلوبها الفريد ومعانيها الرقيقة ومقاصدها النبيلة، وعلى الرغم من غلبة روح العاتب الحزين على شعرها إلَّا أن هيمنة الأبعاد السياسية التي كانت تزدحم بها البلاد آنذاك قد ظهر بدلالاتها وملامحها على قسمات شعرها، توفيت في شهارة سنة (1114هـ).

تلك هي المرأة اليمنية وتلك هي أدوارها التاريخية وشهودها الحضاري.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل استطاعت المرأة اليمنية أن تحافظ على مستوى حضورها الفاعل عبر مسيرتها التاريخية؟! أم أنها اكتفت بذكرياتها وانطوت على آلامها ترتل أمجاد الماضي وتحلم بإشراقات المستقبل؟!

لن نستطيع أن نجيب على تلك التساؤلات مالم نستنطق واقع المرأة اليمنية اليوم في ظل القبيلة وقانونها العرفي الصارم وما تزخر به القبيلة من عادات وتقاليد توارثتها من عهود أسلافها ومنحتها القداسة والعصمة والخلود.

فمن المعلوم أن مجتمع القبيلة مجتمع ذكوري يستمد هويته من واقع الرجولة والشجاعة وحب المغامرة والإقدام، وهو مجتمع يستمد رؤيته الخاصة وفلسفته الاجتماعية من خلال استحضاره التاريخي لواقع القبيلة العربية في عصور ما قبل الإسلام وهي تصورات مخزّنة في لا وعي الجماعة يتم استدعاؤها بين الحين والآخر على شكل تصورات ومفاهيم وأعمال يتم تطبيقها على أرض الواقع كممارسات طقوسية لا يجوز المساس بها أو تجاوزها لأنها تجسد فكر وثقافة الأسلاف ومخزونهم التراثي العظيم.

 وتتحدد مكانة الفرد في القبيلة بقدر استحضاره والتزامه بقانون القبيلة العرفي وتمثله لمقامات أسلافه، وكأنه بتلك الممارسات والالتزامات الطقوسية إنما يَعمّد ويوثق انتمائه لتلك الشريحة الاجتماعية بما تمثله من حضور تاريخي وشهود حضاري.

كانت المرأة تتمتع في ظل القبيلة بحصانة دبلوماسية لا يتمتع بها شيخ القبيلة نفسه حيث صنفها القانون العرفي ضمن القاصرين الذين لا يجوز المساس بهم أو التعرض للإساءة إليهم.

كما صنف القانون العرفي جريمة الاعتداء على المرأة تحت ما عرف بالعيب الأسود وهو باب العقوبات المغلظة، حيث تضاعف العقوبة فيه إحدى عشرة مرة، وتسمى بالمحدّش تنكيلاً بمرتكب تلك الكبيرة.

وللمرأة الحرية الكاملة في التنقل بين القبائل المتحاربة وحمل الرسائل ونحوها دون أن يعتدي عليها أحد من الطرفين، كما أن الاعتداء عليها بالضرب والإهانة يسقط منزلة الفاعل ويحط من قدره بين القبائل لاعتدائه على من ليس له بكفؤ.

وعلى الرغم من تلك المكانة المرموقة للمرأة في ظل القبيلة إلَّا أنها كانت محرومة من أعظم حقوقها وهو حق التعبير عن رأيها في اختيار شريك حياتها ومواصلة تعليمها.

ومن أبرز العوامل التي حدت من فاعلية المرأة وظهورها كعنصر مؤثر وشريك فاعل في عملية التنمية المجتمعية ما يلي:-

1-   هيمنة النظرة الدونية والإقصائية للمرأة في كل الثقافة الشعبية التقليدية.

2-  انهزامية المرأة نفسها وعدم إيمانها بقدراتها وإمكانياتها وعدم امتلاكها حس المبادرة والاندفاع لصنع ما تطمح إليه.

3-  الخطابات الدينية المغلوطة والتي ترى في المرأة عورة يجب سترها بالزواج أو القبر ويجب عزلها عن المشاركة الفاعلة في المجتمع تحت ذريعة الاحتشام.

والآن وقد استطاعت المرأة اليمنية أن تثبت حضورها النسبي في الساحة اليمنية أكاديمياً وسياسياً واجتماعياً إلا أن فعاليات أنشطتها وممارساتها لا تزال محصورة في أنماط وممارسات محدّدة لا ترتقي إلى المستوى المطلوب والمنتظر من المرأة.

ففي الحضور السياسي لا يزال صوتها خافتاً لا يُسمع، وفي المجال الأكاديمي رغم وصولها إلى درجة الدكتوراه، وممارستها للتعليم وتقديم المحاضرات إلَّا أننا لم نسمع حتى الآن بملتقى نسوي أكاديمي يقدم رؤية نقدية شاملة تعبر عن وجهة نظر المرأة في مختلف الفنون والمعارف.

وفي المجال الاجتماعي للمرأة حضورها الفاعل والمميز فهي الدعامة الرئيسية لكل منظمة مجتمعية بما تمتلك من أحاسيس ومشاعر نبيلة وقيم إنسانية.

وإذا أرادت المرأة اليمنية أن تجسد وتحقق حضورها الفاعل والمؤثر في صناعة الحاضر والمستقبل فلابد أن تتحقق العوامل الآتية حتى تتكلل جهودها باليُمْنِ والنجاح.

1-   الثقة والإيمان بالذات والإصرار على التغيير وتقديم الأفضل.

2-   محاربة ومقاومة انهزامية الذات أمام إنجازات الآخر وخلق أجواء تنافسية قائمة على العزيمة والصمود.

3-  إيمان المجتمع بأهمية المرأة وفاعليتها في تغيير وبناء الحاضر والمستقبل، فهي نصف المجتمع الفاعل والمكمل لجهود الآخر الذكوري.

4-  نشر الوعي والمعرفة بين أوساط المجتمع والدعوة إلى احترام وتقدير كل ما تقدمه المرأة من جهود لخدمة الوطن أرضاً وإنساناً وفكراً.

5-  دفع المرأة وتوجيهها إلى طريق العمل الصحيح وتحصينها بالثقافة الإسلامية الراشدة لحمايتها من مخاطر الاستلاب الثقافي ودعوات التغريب والضياع الذي تروج له الدول الغربية من خلال الغزو الفكري المركز.

وختاماً يجب على المجتمع أن يساهم في إحياء دور المرأة وإعادة تأهيلها لاستنهاض أدوارها التاريخية وتحقيق شهودها الحضاري الفاعل في كل المجالات، فمهما يكن من صعوبات وعراقيل فالمرأة نصف المجتمع الفاعل وشريك وجودي لابد أن يسجد حضوره ويؤكد وجوده من جديد حتى ينعم اليمن بخيرات أبنائه ذكوراً وإناثاً.

واقع المرأة اليمنية اليوم :

اليوم وبعد أن تفككت المنظومة الاجتماعية والوحدة التكوينية لبنية القبيلة اليمنية نتيجة لتظافر مجموعة من العوامل التي أسهمت بشكل أو بأخر في تفكيك الروابط الاجتماعية واضعاف العلاقة الحميمية التي كانت تربط رجل القبيلة بمنظومته العرفية وتراث الاسلاف .

ومن أبرز العوامل التي أسهمت في خلخلة نظام القبيلة واندثار بعض عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها ، انتشار ظاهرة الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة والعكس ، والتي عادة ما يصاحبها انتقال عادات وتقاليد وافدة وجديدة تخالف ما نشأ وترعرع عليه أبناء القبيلة ، وكنتيجة طبيعية للتفاعلات الاجتماعية مع مفردات تلك العادات والتقاليد الوافدة بدأت القبيلة تفقد توازن منظومتها العرفية وتتخلى عن بعضها بشكل تدريجي حتى اضمحلت وانقرضت .

ومن تلك العادات التي تفككت روابطها رؤية القبيلة الى المرأة وتحيزهم ضدها ، حيث استطاعت المرأة ان تلتحق بالمدرسة الأساسية والتعليم الثانوي ، وأن تشارك في التعليم الجامعي ولو بشكل نسبي ، كما تمتعت بالعديد من الامتيازات التي حرمت منها قبل ذلك ، كحرية التعبير عن رأيها في اختيار شريك حياتها وتنظيم اسرتها ، والعمل في مجالات الصحة والتدريس وغيرها .

واذا ما توجهنا الى المدينة وحراكها الصاخب ، فإن الامكانات المتاحة قد افسحت المجال للمرأة للانخراط في واقع الحياة ، والمساهمة في رسم ملامحها وإن على استحياء ، حيث استطاعت المرأة اليمنية أن تكمل تعليمها الجامعي وتلتحق بركب التعليم العالي وتتبوأ أرفع المناصب الأكاديمية في الجامعات الحكومية والأهلية ، وامتهنت الكتابة ، ونظمت الشعر وتربعت على صفحات المجلات والصحف ، وظهرت عبر وسائل الاعلام ، وشاركت في المسيرات والمظاهرات ، وارتفع صوتها هنا وهناك ، إلا أن أصداء تلك الأصوات كانت أقرب الى الهمس والاستجداء منها الى المطالبة الفاعلة بتحقيق مطالبها واثبات وجودها كشريك فاعل يمتلك الرؤية والمنهج والاصرار والعزيمة .

وفي المجال السياسي وصلت المرأة اليمنية الى سلم الوزارات وتسلقت أرفع المناصب ، وشاركت في المؤتمرات والملتقيات الدولية والمحلية ، تفاعلت مع مفردات المجتمع المدني ، وأسهمت في تأسيس العديد من الجمعيات والمنتديات والملتقيات النسوية ذات التوجه المدني والاجتماعي ، وشاركت بفعالية في نشر الوعي والمعرفة في أوساط المجتمع وتشجيع المرأة والدفاع عن قضياها وتوجيه مسيرة حياتها وتعزيز وجودها الفاعل .

 وقد اسهمت الدولة بقطاعاتها المختلفة في دعم جهود المرأة اليمنية ومباركتها من خلال انشاء عدد من المؤسسات الحكومية وظيفتها الأساسية هي النهوض بأوضاع المرأة ورعاية جهودها وتوجيهها الوجهة الصحيحة وذلك عن طريق :

  1. تأسيس المجلس الأعلى للمرأة : والذي تشكل في العام 2000م وصدر القرار الجمهوري ( 125) لسنة 2003م بإعادة تشكيله وتنظيم عمله ، وتتركز وظيفته الأساسية في مجال النهوض بأوضاع المرأة اليمنية ، ويرأس المجلس رئيس الوزراء ويضم في عضويته عدد من كبار المسؤولين في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية .
  2. اللجنة الوطنية للمرأة : والتي تشكلت عام 1996م بموجب قرار مجلس الوزراء استجابة لتوجيهات مؤتمر بكين عام 1995م ، وتتبنى اللجنة قضايا المرأة المختلفة ، وتجابه كافة القيود المجتمعية التقليدية والاشكاليات الثقافية التي تعيشها اليمن ، وقد اسهمت اللجنة في انجاز مجموعة من الأنشطة الفاعلة منها :

‌أ.        اجراء اللقاءات والمشاركات في الاجتماعات التي تهدف الى ادماج المرأة في الخطط والموازنات الجذرية لكل القطاعات ، وتبني التعديلات القانونية المتصلة بإنصاف المرأة وتنفيذ ما جاء في الاتفاقيات الدولية والاستراتيجية الوطنية لتنمية المرأة ،

‌ب.   نفذت اللجنة  أكثر من
(25) برنامجاً تدريبياً على مستوى العاصمة والمحافظات الأخرى في مجال دمج النوع الاجتماعي في المشاركة المجتمعية .

‌ج.     عززت صوت المرأة من خلال اصدار صحيفتها الشهرية ( اليمانية ) واصدار (6) أعداد من مجلة شيماء .

‌د.       شاركت في العديد من اللقاءات وحلقات النقاش وورش العمل والندوات المحلية والدولية .

‌ه.       أصدرت العديد من الدراسات والتقارير ذات العلاقة بشؤون المرأة .

3- المجلس الأعلى للأمومة والطفولة : والذي تأسس بموجب قرار رئيس الجمهورية في العام 1999م برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء الذين ترتبط وزاراتهم بموضوعات تتصل بالمرأة .

4- ادارات تنمية المرأة في المحافظات : والتي انشئت وفق القرار الجمهوري (265) لعام 2001م وتهدف الى تشخيص أوضاع المرأة في المجتمعات المحلية وتقديم المعالجات لمختلف قضاياها .

5- ادارات المرأة في الوزارات والمؤسسات الحكومية : حيث أصدر رئيس مجلس الوزراء في العام 1999م توجيهاً بإنشاء ادارات للمرأة في الوزارات والأجهزة الحكومية بهدف تعزيز مشاركة المرأة في مواقع اتخاذ القرار .

وتشير الاحصائيات الى أن عدد منظمات المجتمع المدني والجمعيات ذات الاهتمام بمجال تنمية المرأة والدفاع عن حقوقها وصل الى (171) منظمة وفق تقرير الشبكة العربية للعام 2004م .

وأبرز هذه المنظمات هي : 

‌أ.        اتحاد نساء اليمن وفروعه في مختلف المحافظات .

‌ب.   جمعية رعاية الاسرة اليمنية .

‌ج.    شبكة شيماء المناهضة للعنف ضد المرأة .

هذا هو الواقع الفعلي المتوهم لحضور المرأة ودورها في المجتمع ، وتلك هي امكاناتها المتعددة ، ولكن ما هو دورها الفعلي ؟ وأين حضورها التاريخي ؟

لقد انحرفت المفاهيم واختلطت الأوراق ، وأصبحت المرأة اليمنية تبحث عن حضورها الفاعل في ثنايا الحضور الكامن في بوتقة الزحام والصراع من أجل البقاء ، ولقد استحالت المنافسة الفاعلة الى مزاحمة فقط على موقع هنا أو منصب هناك ، وبالتالي خفت ذلك الصوت الناعم المطالب بتأكيد وجوده ، وانحرف عن مساره حتى أصبح مجرد صرخات عابرة نسمعها هنا وهناك .

اشكالية الحضور والغياب اشكالية ثقافية :

من خلال قراءة الواقع واستنطاق  معطياته وما يزخرفه من قرارات رئاسية ومنظمات مدنية ندرك انعدام المصداقية في تفعيل دور المرأة والتمكين لحضورها التاريخي ( الأمر الذي تتأكد معه مقولة أن التمكين السياسي السائد حالياً في اليمن وعموم الوطن العربي هو تمكين تجميلي تستخدم المرأة فيه كواجهة ديموقراطية للتعبير عن التحديث الشكلي المظهري الذي ليس مقصوداً لذاته بل لتوجيه رسالة معينة للخارج ) [23].

فالدولة بخطاباتها الداعية الى ضرورة اشراك المرأة في العملية التنموية والنهوض بأدوارها لم تكن جادة بقدر ما كانت تهدف الى تجميل صورتها اما الأخرين ، وتحديث خطاباتها وتوجهاتها السياسية ، وهي نظرة قاصرة تعكس مدى التحيز والاقصاء المتعمد لعالم المرأة ، مما يعني أن اشكالية الاعتراف بالحضور الفاعل للمرأة من عدمه هي اشكالية ثقافية في المقام الأول ، ويمكن تحديدها بشكل موجز في الآتي :

تراكمات الثقافة الشعبية التقليدية ورؤيتها القاصرة للمرأة : والتي تحضر على المرأة المشاركة الفاعلة في عالم يمجد الذكورة ويعتز بها ، وما ترتب على تلك الثقافة في الماضي والحاضر من النظر الى المرأة كمخلوق قاصر يجب حبسه في اطار اعمال المنزل والمزرعة .

هيمنة الخطابات الدينية ذات الثقافة المحدودة والتي تسعى الى حصر دور المرأة الاجتماعي في الحفاظ على النوع البشري من الانقراض دون أن يكون لها أدنى أثر في تغيير الواقع والنهوض به ، وهي نظرة لها مرجعيتها التاريخية والتي تعود بجذورها الى العصر الأموي الذي صادر أدوار الرجال التاريخية فضلاً عن مشاركة المرأة وحضورها الفاعل .

طبيعة المجتمع اليمني الذي لم يصل بعد الى مستوى النضج القائم على قبول المشاركة الفاعلة للمرأة كمنافس في سوق العمل وصناعة القرار .

انهزامية المرأة نفسها أمام متطلبات الحياة وافتقادها الى روح الجرأة والمغامرة ، وتهيبها من ارتياد المجهول وتعويلها على الرجل في تحديد مصيرها وتوجيه مسيرتها .

وختاماً فإننا لا ننكر الجهود التي قامت وتقوم بها المرأة في الماضي والحاضر ولا نغفل تطلعاتها المستقبلية ومشروعية حقها في التعبير عن تصوراتها لطبيعة الحياة التي تحلم بها ، ولكننا نتساءل عن مدى استيعابها لأهمية الدور المناط بها في المرحلة الراهنة ، ومدى قابليتها للاضطلاع بمسؤوليتها الجسيمة الملقاة على عاتقها لكي تحقق حضورها التاريخي الفاعل والمثمر .

فالحضور التاريخي لا يتحقق بمجرد مزاحمة المرأة للرجل في سوق العمل ومواطن صنع القرار وحسب ، ولكنه يتحقق من خلال الانجاز المثمر للقناعات التي تؤمن بها المرأة وتشعر بذاتها تتحقق من خلالها ، ومن خلال العمل الذي يعكس المشاركة النزيهة والانتاج العظيم للصوت الفاعل القادر على التغيير والبناء .

اننا بحاجة الى وجود المرأة المتسلحة بالعلم والمعرفة والفضيلة والقيم النبيلة ، يلك المرأة التي تعيد الى اذهاننا تلك الصور المشرقة التي حفظها لنا التاريخ عن بلقيس اليمن وخولة بنت الأزور وزينب بنت على وسكينة بنت الحسين وأروى الصليحية وغيرهن كثير ، ونحن على ثقة بأن بيننا الأن من يستطعن أن يتقلدن تلك الأدوار التاريخية العظيمة في حاضر التاريخ ومستقبله ، ولسنا بحاجة الى تلمس طريق التقدم والانجاز وتحقيق الحضور التاريخي من خلال قرارات الغرب ونتائج مؤتمراته ما دمنا نستند الى مرجعية الاسلام الخالدة التي حررت الانسانية ذكوراً واناثاً من قيود التبعية والاذلال والحرمان ، ولا ينقصنا سوى العزيمة والارادة الصادقة والاصرار على ضرورة التغيير وبناء الواقع وفق المعطيات الاسلامية ف ابعادها الانسانية الرائعة .

نتمنى أن تدرك المرأة أن حضورها الفاعل لن يتحقق الا في احضان العلم والمعرفة وفي رحاب الطهر والفضيلة بعيداً عن مزايدات الساسة وتجار المظاهر الخادعة ، ومهما طال ظلم والامتهان فلا بد أن تشرق شمس الحق والحقيقة من جديد ، ولا بد أن تشهد الدنيا من جديد حضور المرأة وفاعليتها التاريخية كما شهدتها في باكورة الايام الخوالي ولو بعد حين .

 

 



([1]) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاموس المحيط، فصل الحاء ، ص481.

([2]) أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق/ عبد الحميد هنداوي، دار المكتبة العلمية- بيروت، ط/بدون، سنة النشر 2000م، ج/3، ص121.

([3]) أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده، المخصص، تحقيق: خليل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي- بيروت- لبنان، ط/1/1417هـ / 1996م، ج1/3، ص315.

([4]) د. شوقي ضيف، العصر الجاهلي، مصدر سابق. ص75.

([5]) شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الإشبيهي، المستطرف من كل فن مستظرف، تحقيق/ د. مفيد محمد قمحية، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، ط/2، 1986م، ج/2/485.

([6]) نفسه ج/2، ص489.

([7]) محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، الطبقات الكبرى، دار صادر – بيروت- لبنان، ج/1/ص131.

([8]) نفسه، ج/8/ص16.

([9])

([10]) رواه ابن ماجة (3669) عن عقبة بن عامر، وصححه الألباني.

([11]) رواه الترمذي (3895) وابن ماجة (1977) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

([12]) مسند الشهاب، ج1/ص102، الحديث رقم (119) والخطب في الجامع لأخلاق الراوي (2/231) رقم (1702)، والقضاعي (1/102) رقم (119).

([13]) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق/ علي محمد البجاوي، دار الجيل – بيروت- لبنان، ط1/1412هـ، ج7/ص684.

([14]) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج69/ص176، من المكتبة الشاملة موافق للمطبوع.

([15]) خير الدين الزركلي، الأعلام- بيروت- لبنان، ج2/ص325.

([16]) الزركلي، الأعلام، مصدر سابق، ج3/ص106.

([17]) علي بن هبة الله بن أبي نصر بن ماكولا، الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى، دار الكتب العلمية- بيرت- لبنان، ط1/1411هـ، ج4/ص316.

([18]) محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، كتاب الثقات، تحقيق/ السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر – بيروت- لبنان، ط1/1395هـ/1975م، ج4/ص352.

([19]) الزركلي، الأعلام، مصدر سابق، ج1/ص289.

([20]) أ/ علي الحوثي، ورقة عمل بعنوان: الدور السياسي للمرأة - تأريخ حافل وحاضر مغيب. لم تنشر.

([21]) الزركلي، الأعلام، مصدر سابق، ج3/ص5.

([22]) الزركلي، الأعلام، مصدر سابق، ج3/ص67.

[23] - د/ عبد الوارث محمد انعم – حقوق المرأة في مواثيق حقوق الانسان ومعوقات تنفيذها – دورية / دراسات قانونية – دورية فصلية صادرة عن مركز الدراسات والبحوث اليمني  السنة الثالثة – يناير – مارس – 2011م – ص 56 .

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...