السبت, 20 كانون2/يناير 2018  
3. جمادي الأول 1439

تحليلات و ملفات ساخنة

 

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله الطاهرين وبعد : يأتي شهر المحرم من كل عام لتتجدد معه أطياف من الذكرى : ذكرى المآسي ، ذكرى التضحية ، ذكرى الإباء ، تأتي كلها في آن واحد فتجتمع العاطفة مع الوعي على ضفاف تلك الأحداث ، وتتلاطم مشاعر الحزن مع نبضات العزة ، ويسبح شهداء آل محمد في فضاء الزمن الممتد ، فيكونون كبوصلة في محيط الذاكرة الإنسانية يتجهون بها نحو دروب الحقيقة ويعرُّون تلك الثقوب السوداء في صفحات التأريخ الإسلامي المتخفية تحت وميض كاذب ظاهره الإسلام وباطنه الباطل بكل تلابيبه . في هذا الموضوع نقف بين يدي الإمام زيد سلام الله عليه وفي رحابه ، فتتزاحم الأفكار والكلمات وتختلج المشاعر والأحاسيس والعبرات ، ثم لا ندري أين نقف في تلك الرحاب الواسعة ولا ندري حين نكتب عنها ماذا نضيف ومن أين نبدأ ، وماذا عسانا نقول في شخصية ناطقة عبر الزمان ، جددت قيم الإسلام ، وكتبت بالقلم أصفى فكر، وسطرت بالدم أروع تعبير عرفته البشرية ، فنجد أنفسنا في حالة عجز حقيقي ، لا نستطيع أن نعطي لتلك الشخصية أدنى حقها . ولكننا سنقف لأننا نحتاج الوقوف بين يديه ، نحتاج إلى قيمه ومبادئه ، نحتاج إلى علومه وأفكاره التي أنارت ليل الأمة وهدمت أركان الأهواء و الضلالات ، نحتاج إلى روحه لتعلمنا أخلاقيات الثورة ، ومبادئ الحرية ، ومفاهيم العدالة ، وفنون التضحية والفداء ، نحتاج إلى أخلاقه لكي نتعلم منها كيف نصلح أنفسنا ثم نتجه لإصلاح مجتمعاتنا ، نحتاجه لأن يعلمنا التطبيق الكامل لقواعد الإسلام بعد أن نعرف منه حقيقة الإسلام كما جاء به جده المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد كانت رسالته صلى الله عليه وآله وسلم تتوزع في ثلاثة مسارات رئيسية ( التوصيل ، التوضيح ، التطبيق ) فأوصل لنا ذلك الكم الواسع من الأحكام الإلهية والمفاهيم الدينية التي تهدف إلى تنظيم الحياة البشرية والارتقاء بها إن وَجدَت لها رسوخا في الواقع والتطبيق . وجهد في توضيحها وعمل على ترسيخ تطبيقها في حياة الأمة المسلمة أفرادا وجماعات حكاما ومحكومين ، ثم أصبح هاذان المساران الأخيران من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( التوضيح والعمل على ترسيخ التطبيق ) مسؤوليةً حملتها العترة الطاهرة على عاتقها ، هكذا جاء الإسلام :(منظومة كاملة من الأحكام ، وتطبيق صحيح كامل لها في كل جوانب الحياة ) وهذا ما عمل الإمام على ترسيخه في واقع الأمة ،

وسنبدأ وقفاتنا في رحاب هذا الإمام الفاضل ونقف بين يديه ثائرا فنجده إنسانا عايش قضايا الأمة وسعى لإصلاح أوضاعها وطالب بحقوقها وانطلقت حركته من واقعها المؤلم ، نجده مناضلا حقوقيا لم يتغاض عن الظلم ولم يصمت على الحاكم الأموي الجائر هشام بن عبدالملك الذي اضطهد الأمة وسلب أموالها وتلاعب بها في الملذات وعطل الحدود ورفع من شأن الباطل واستهتر بالإسلام وبالمقدسات الإسلامية ، فشاع في عهده الظلم والفقر والفساد والمجون والانحطاط الأخلاقي والإساءة إلى المقدسات الإسلامية ، يقول اليعقوبي في كتابه عن التأريخ متحدثا عن هشام : ( كان بخيلاً، حسوداً، فظاً، غليظاً، ظلوماً، شديد القسوة، بعيد الرحمة، طويل اللسان، وفشا الطاعون في أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر..) - فبدأ الإمام زيد مسيرته الجهادية بالكلمة ولكن الملك الأموي لم يكن من ذلك النوع الذي يجدي فيه الوعظ والنصيحة ، وما كان لحرٍ كزيد أن يقبل بذلك الوضع الذي آل إليه حال الإسلام والمسلمين وكان لا بد من التغيير والخروج لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعديل مسار الأمة نحو العمل بروح الإسلام وأحكامه ، فاتجه الإمام إلى مرحلة التخطيط والإعداد السري حيث وجه الدعوات إلى علماء الأمة وقادة المجمتع المسلم ممن توسم فيهم النصرة ، ولأن الأمة تعرف من هو زيد وماذا يحمل زيد من غيرة على الإسلام وأهله ، فقد حظيت دعوته بالكثير من الدعم والتأييد الشعبي الواسع من قبل معظم التيارات الإسلامية وعلمائها وهتفت باسمه وبايعت له الكثير من المدن الإسلامية ولكن العيون الأموية كانت له بالمرصاد فاستخدموا كل الأساليب للحيلولة دون التفاف الناس حوله وأحبطوا ثورته الكبرى التي كان يخطط لها ، لكن هذا لم يمنعه من الخروج والكفاح بالقلة من أنصاره في الكوفة بعد أن تفرق معظمهم تحت ضغط الترهيب الأموي و قبل أن يحين الموعد الذي حدده لخروج أنصاره في باقي الأمصار ، خرج وهو يدرك حجم الفروق بينه وبين خصومه من ناحية العدد والعدة ، ولكنه يدرك كذلك بأنه وإن لم يحقق الانتصار العسكري فإنه سيحقق أوامر الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف في وجه الظلم والطغيان وهذا هو الانتصار الحقيقي المعنوي ، انتصار القيم والأخلاق والعدالة في ضميرالأمة ، انتصار الحق على الباطل في نفوس المؤمنين ، وهذه كلماته الخالدة تشهد على ذلك حين خفقت الرايات رفع يديه إلى السماء فقال:(( الحمد لله الذي أكمل لي ديني، والله ما يسرني أني لقيت محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ولم آمر في أمته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر، والله ما أبالي إذا أقمت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أُجِّجت لي نار ثم قُذِفت فيها ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة الله تعالى )) هذه هي موازين الربح والخسارة التي يجب أن نتعلمها من الإمام زيد س وهذه هي القيم التي يرسمها فقد بذل نفسه رخيصة فداءا للإسلام ولأمة الإسلام ، وفي مقابل ذلك نجد هشاما أو من يسمى بالخليفة يضحي بقيم الإسلام وبأبناء الإسلام في سبيل المحافظة على فجوره وتسلطه وملذاته وفي سبيل بقائه على الكرسي ،

ونعود لصلب موضوعنا لنوضح كذلك بعض الملامح الإيمانية والحقوقية في حركة الإمام وفي ثورته التي لم تقبل أي شوائب دنيوية حيث نجده يغربل أصحابه بغربال الحق والإيمان وينقي الشوائب من عقولهم وقلوبهم ويعَلّمهم بأن ثورتهم لا تحمل أي أبعاد دنيوية بل هي أهداف سامية خرج من أجلها ، إحياءا لدين الله وتطبيقا لشرعه وانتصارا لقيم الحق والعدل ، وهو بذلك لا يريد مقاتلين لم تتضح لهم الغاية الأسمى من خروجهم ، بل يريد مجاهدين على بينة ويقين من مواقفهم ، ونترك كلماته تتحدث عن مضمونها حين قال ((عباد اللّه لا تقاتلوا عدوكم على الشك فتضلوا عن سبيل اللّه، ولكن البصيرة البصيرة ثم القتال، فإن اللّه يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حق، إنه من قتل نفسًا يشك في ضلالتها كمن قتل نفسًا بغير حق ، عباد اللّه البصيرة البصيرة )) .

الوقفة الأخرى لنا في هذا الموضوع نقفها بين يدي الإمام زيد العالم فنجده العالم الذي تفجرالعلم من جوانبه وفاق كبار علماء الأمة في عصره ، وسعى لإصلاح الإنسان المسلم وتحريره من قيود الشهوات ، وحمل راية إرشادٍ وتنويرٍ وهدايةٍ امتد أثرها حتى الزمن الحاضر، وتخرج على يديه الجهابذة من أبرز علماء وفقهاء الأمة ، وترك موروثا علميا وفكريا عظيما مازال ماثلا أمامنا في مؤلفاته ورسائله التي تناول فيها العديد من الجوانب الأصولية والفقهية والحديثية ، وأهم مؤلفاته هي ( تفسير غرائب القرآن ، المجموع الفقهي و الحديثي ، المجاز في القرآن ، مناسك الحج والعمرة ،المنثور في فضائل أمير المؤمنين ، كتاب الدعاء ، مجموع رسائله وكتبه ، وله كذلك خطب ومواعظ وأقوال وأشعار بليغة).

- في هذه الوقفة كذلك نجده تصدى للأهواء الضالة التي بدأت وانتشرت في العصر الأموي ( وبعضها مازالت حتى الحاضر) كالجبر ونسبة القبيح إلى الله تعالى وغيرها من الأفكارالفاسدة ، وكتَبَ في ذلك كتبا ورسائل فكان الإمام زيد بذلك أول من ألف في علم أصول الدين وأول من أرسى قواعده و مبادئه ورسم خطوطه الأولى لكي يحافظ على الإسلام من الأهواء والبدع ،وحدد مسار النهج الزيدي المحمدي القائم على العدل والتوحيد وتنزيه الله تعالى وأهم كتبه في هذا الجانب : (كتاب الإيمان ، كتاب القدر ، تثبيت الإمامة ، تثبيت الوصية ، الجواب على المجبرة ، وله أجوبة ورسائل أخرى في هذا المجال )

هذا هو الإمام زيد وهذه هي أبرز نقاط حياته وثورته وحركته العامة : (علم وعمل ، إصلاح وهداية ، بذل وإخلاص ، تضحية وجهاد ) وهذا هو الدين الذي يجب أن نعرفه ونطبقه من خلال دراستنا لحياته ، فالإسلام عند الإمام زيد لا يتوقف عند حدود الجغرافيا الفردية في الإيمان والتطبيق ولا يمتد إلى الجماعة فقط بل يمتد ليشمل كل جوانب الحياة يشمل الدولة والأمة والعالم أجمع ، يشمل العلم مع العمل يشمل الوعي مع التطبيق ، يشمل الدين مع الدنيا ، هذا هو الإسلام الذي ضحى الإمام زيد وآباؤه من قبله والأئمة من بعدهم سلام الله عليهم ، وفي سبيل نشر مفاهيمه الواسعة وتطبيق قواعده الكاملة والتي لا مجال لتقسيمها أو تجزئتها ، ولا مجال للأخذ بالبعض وترك البعض الآخر منها ، الإسلام الحركي المثمر ، الإسلام الذي يهتم بالعلم ويرفع من شأنه ويترجمه إلى تطبيق وعمل ويسعى لتحرير النفس الإنسانية من قيود الشيطان والشهوات ، إلى فضاء الحق الذي يعني التحرر من الخوف وعدم الخضوع للباطل ، الإسلام الذي يرتبط بآل محمد سفن النجاة ، ويعطيهم مكانتهم ولا ينتقص منهم ، الإسلام الذي يعايش قضايا الأمة ويسعى لتنظيم حياتها وإصلاح أوضاعها ، و يسعى إلى توحيدها على الحق لا الباطل ، الإسلام الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدفع الظلم ويقيم العدل ويزيل الفساد ويعيد الحقوق المغتصبة ، هذه هي الحقيقة الكاملة غير المنقوصة للزيدية كما رسمها الإمام زيد والأئمة من قبله وبعده ، والتي يجب أن نراها رؤية كاملة غير مجزأة لأن البعض يرى نصفها أو بعضها و يتوقف عند تلك الرؤية ليبني مواقف وأفعال حماسية تتعارض أحيانا مع النصف الآخر أو الأجزاء المتبقية لتلك الحقيقة فيكون أحد المعاول التي تعمل على هدم الحق وإخفائه ، فلم تكن الزيدية عملا بدون علم ولم تكن علم بدون عمل ، وفي حياة الإمام زيد وسيرته من الدلالة والوضوح ما يكفي لمن أراد أن يستشعر منهجه وثقافته وجهاده ، ليكون له شرف الانتماء وصدق المتابعة ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأخيار.

 

21 محرم 1435

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

عبد الفتاح شمار ..لي على جرحي حكايا ..لا تضاهيها...
معاذ الجنيد لِقِتالِكَ احتاجوا السلاحَ...