الثلاثاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2018  
11. ربيع الأول 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

جامعة صنعاء إلى أين ؟

"دعوة لمناظرة أساتذة جامعة صنعاء حول البحث العلمي"

الحلقة الخامسة

د.فهمي الدقاف

عزيزي القارئ، لقد نشرت قبل هذه المقالة، التي بين يديك، أربعة مقالات حول جامعة صنعاء، محاولة مني تبيان حقيقة هذه المؤسسة؛ حقيقة القائمين على إدارتها، وحقيقة العاملين فيها (الأساتذة)، وذلك لتحقيق هدفين أساسيين: الأول، تصحيح الصورة الذهنية (الوهمية)، التي يكون المواطن العزيز قد كونها عنها. الهدف الثاني، وضع السلطات المسؤولة في الصورة، حتى لا ينخدعوا بهذه المؤسسة ويمنحونها أكثر مما تستحق من التمويل المالي المطلوب، وأن يعملوا على التقليل من الإنفاق عليها قدر الأمكان.

وهذه المقالة (دعوة لمناظرة أساتذة جامعة صنعاء حول البحث العلمي) هي أيضاً تخدم الهدفين الذين أشرت إليهما. وقد تعمدت تأجيل الكتابة في هذا الموضوع (البحث العلمي) لتحقيق ثلاثة أهداف، وهي: الأول، تمكين القارئ العزيز، من خلال المقالتين السابقتين، من رؤية صورة جامعة صنعاء على حقيقتها. الهدف الثاني ويتكون من شقين: الشق الأول، هو وضع أساتذة الجامعة أمام اختبار حقيقي لما يدعون أنهم يقومون به (البحث العلمي)، والشق الثاني، يتمثل في تعميم الفائدة الناتجة عن هذا الاختبار على كل أساتذة الجامعات اليمنية، الذين يصدق عليهم ما يصدق على أساتذة جامعة صنعاء (عدم المعرفة بالبحث العلمي). الهدف الثالث، لفت نظر المسؤولين الماليين إلى حقيقة البحث العلمي في الجامعة، حتى يستبعدوا المخصصات المالية المرصودة أو المدرجة في الموازنة المقدمة من قبل الجامعة.

القارئ العزيز، حتى تتضح الصورة، ويتم تحقيق الأهداف السابقة، ينبغي الإشارة هنا إلى أمر غاية في الأهمية، ألا وهو أن الإنسان عادةً ما يرسم صورة ذهنية عن الأفراد أو المؤسسات أو الدول، وأنه كثيراً ما يتعامل أو يقيِّم الأمور وفقاً للصورة التي كونها في ذهنه، هذا من ناحية. اما من الناحية الثانية،، فإن هناك صور أخرى إلى جانب الصورة الذهنية؛ فهناك صورة واقعية، وصورة تسويقية، وغالباً ما تكون الصورة التسويقية هي الأس الفاعل في تكوين الصورة الذهنية أوتزييف الصورة الواقعية، أو ما يطلق عليه (تزييف الوعي)

ولجامعة صنعاء الصور الثلاث تلك. والأمر المخالف للعرف، هنا، هو أن الصورة الذهنية لم تتشكل بفعل الصورة التسويقية وإنما تشكلت بفعل المؤسسات الإعلامية أولاً ولدرجة أساسية، ثم من خلال قراءات وحوارات الناس مع بعضهم القبعض. وقد قامت الصورة الذهنية بفرض نمط من السلوك التوقعي على الصورة التسويقية، التي لم تقم بأي دور تسويقي على الإطلاق، فتمثل أساتذة الجامعة الصورة الذهنية السائدة في المجتمع (العقل الجمعي) عن الجامعة باعتبارها مركزاً للعلماء والمفكرين، وحملة مسؤولية النهوض بالمجتمع، وحاولوا، عبثاً، إيجاد نوع من التطابق بين ما يقولونه والصورة الذهنية؛ فتراهم كثيراً ما يتغنون بمكانتهم العلمية بمعرفتهم الحصيفة بالبحث العلمي، الذي لو قام المجتمع بدعمه، لصنعوا المعجزات.

والآن عزيزي القارئ، دعنا نبدأ الحديث عن موضوعنا الأساسي، المتعلق بفقه أساتذة جامعة صنعاء بالبحث العلمي، وذلك من نقظة البداية الحقيقية، وهي أن الجامعة، أية جامعة، مؤسسة بحث علمي قبل أن تكون مؤسسة إعداد وتأهيل، وأن نجاحها التعليمي متوقف على نجاحها العلمي. ومع ذلك، فينبغي التأكيد على أن الجامعة ليست المؤسسة الوحيدة المنوط بها عملية البحث العلمي، فهناك مؤسسات عديدة تشاركها نفس المهمة العلمية، وهذا أمر معلوم بالضرورة ولا يحتاج إلى مزيد من البيان أو الإيضاح. ولكن ما هو مستغرب بالفعل هو أن تكتشف، بالصدفة، أن أكثر من 98 % من أساتذة الجامعة لديهم فكرة مغلوطة عن البحث العلمي، الأمر الذي يدفع المرء إلى القول بأنهم لا يفهمون بالفعل المقصود بالبحث العلمي. ليس هذا فحسب، بل إنهم ينظرون للبحث العلمي نظرة دونية. وحتى لا أبدو متجنياً، دعني أسوق المثال التالي للتدليل على ما أقول:

المثال، يوجد في الجامعة عدد من مراكز البحث العلمي (هذه المراكز غير شرعية، ومع ذلك      فهذا ليس موضوعنا). لو تأملنا التسمية (مراكز بحث علمي)، لتبين لنا أنها هي المسؤولة مسؤولية حصرية عن البحث العلمي. ولكن، تعال وانظر كيف يتم التعامل مع هذه المراكز:

-         شروط التعيين في هذه المراكز أقل من شروط التعيين بدرجة أستاذ مساعد.

-         تم اتخاذ التعيين في هذه المراكز بوابة خلفية أو معبر للتحويل للعمل بالتدريس (تحايلاً على القوانين واللوائح).

-         ينظر الباحث العامل في هذه المراكز لنفسه على أنه أقل مكانة من الأستاذ المساعد.

-         كل العاملين (الباحثين) في هذه المراكز يتوقون للتحويل للعمل بالكليات (مدرسين).

-         مراكز البحث العلمي في جامعة صنعاء لا تحظى بأي اهتمام يذكر من قبل إدارة الجامعة.

النظرة الدونية من قبل إدارة الجامعة والأساتذة لمراكز الأبحاث والعاملين فيها تعطي دلالة واضحة على ضيق الأفق العلمي لأساتذة جامعة صنعاء، على العكس تماماً مما يقولونه أو يدعونه. فكثيراً ما يستمع الناس لهؤلاء الأساتذة، وهم يتحدثون، سواءً في مجالس عامة، أو في مقابلات صحفية او تلفزيونية أو إذاعية، أو من خلال ما يكتبونه في الصحف والمجلات أو الدوريات، عن البحث العلمي، فيتملكهم الانبهار والدهشة والإعجاب بهم وبما يسمعونه منهم. فيقومون بدورهم بإلقاء اللوم على الدولة ويتهمونها، كما يتهمها هم (الأساتذة)، بالتقصير في دعم البحث العلمي، الذي إن توفر لهم، سيعملون به العجائب. ومن الطبيعي القول أن الناس يتوقعون من أساتذة الجامعة المعرفة الجيدة بالبحث العلمي، ولذا فهم لا يشكون بما يسمعون منهم أو يقرؤون لهم.

وقد أعجبت كثيراً بالجهود التي يبذلها الأخ الدكتور عبد الرحمن حميد في برامجه الإذاعية، التي يقدمها في إذاعة صنعاء، فهو يمتلك قدرة إذاعية عالية. وأثناء متابعتي لما يقدمه الأخ حميد من برامج، كنت بين الحين والآخر، استمع إلى حواره مع أو محاورته لبعض ضيوفه من أساتذة جامعة صنعاء، ومنهم من يقول بأنه يدرس مناهج البحث العلمي للطلبة، فيزداد يقيني، من خلال ما أسمعه منهم، بأن هؤلاء الناس لا يدركون أساساً المقصود بالبحث العلمي، فهم يخلطون بينه وبين مناهج البحث العلمي. فما يقوم به أساتذة جامعة صنعاء هو التدرب على مناهج البحث العلمي ليس إلا، ولا يقومون بشيء اسمه البحث العلمي. والدليل على ذلك أن الجامعة تحتضن مئات الأساتذة، بمختلف مستويات الأستاذية، ويستمرون بالعمل في الجامعة حتى يتقاعدون، ولكن لم نعرف ولم نجد قط أن هناك واحد منهم قدم شيئاً علمياً ما، وكأنهم فقاعات صابون، كبيرة في الشكل فارغة في المحتوى.

إنني لا أُنكر أبداً أن أساتذة جامعة صنعاء يقومون بأبحاث وينشرون أبحاثهم هذه في مجلات، يطلق عليها علمية، ولكني أُريدهم أن يعرفوا أن ما يقومون به ليس علماً ولكنه التدرب على مناهج البحث العلمي، الذي تعلمونه أثناء دراستهم للدكتوراه، ويعلمونه لطلبتهم، في الدرجتين الأولى والعليا، وهو أمر ضروري وأساسي، ولكنه يمثل الحد الأدنى للبحث العلمي.

وحتى لا أبدو في نظر القارئ العزيز بأني أبو العريف، أو بأني أدعي المعرفة وأخصها نفسي دون الآخرين، فإني أعلم علم اليقين بأن هناك من أساتذة جامعة صنعاء، وهم بعدد أصابع اليد الواحدة، من يعرف معرفة جيدة المقصود بالبحث العلمي، وأنا لا أتحدث هنا عن هؤلاء الأربعة أو الخمسة أساتذة، ولكني أتحدث عن غالبية الأساتذة.

 

وإني من هنا أتوجه بالدعوة إلى كل أساتذة جامعة صنعاء وخاصة أولئك الذين يقومون بتدريس مناهج البحث، إلى مناظرة علمية عن البحث العلمي.

شريطة أن تكون هذه المناظرة مناظرة مكتوبة، وذلك لسبب بسيط للغاية وهو: حتى يتم إثراء الموضوع، وحتى تكون هذه المناظرة وثيقة إثبات أو نفي لما هو منسوب لأساتذة الجامعة، وحتى يتم إستعادة الثقة بأساتذة الجامعة أو تعزيز عدم الثقة بهم. وسأكون آخر المتقدمين بالورقة المطلوبة حول رؤيتي للبحث العلمي، وذلك بعد أسبوعين فقط من انقطاعهم عن الكتابة. وأرجو أن يخيبوا ظني فيهم، ويثبتوا بأنهم يعلمون ما يقولون.    

++++++++++++++++

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...