الأحد, 21 كانون2/يناير 2018  
4. جمادي الأول 1439

تحليلات و ملفات ساخنة


ردّد بعض أعداء الغدير، والمروجون للثقافة اليزيدية من وعاظ الجنرال علي محسن الأحمر أن الاحتفال بالغدير بدعة ظهرت في أيام المتوكل على الله إسماعيل في القرن الحادي عشر الهجري، غير أن هناك حقائق تاريخية ترد ذلك وتؤكّد أن التعيد بالغدير والاحتفال به عند أئمة أهل البيت منذ وقت مبكر؛ وهذه نقاط تبرهن ذلك:
- قال المؤرخ أبو الحسن المسعودي مؤلف مروج الذهب المتوفى سنة 346هـ في كتابه (التنبيه والإشراف ص221): ووُلْد علي رضي الله عنه وشيعته يعظمون هذا اليوم، علما أنه ألف كتابه هذا في سنة 344هـ ثم نقحه في سنة 345هـ.
- ورد كما سيأتي في المصادر الزيدية أن الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش المتوفى سنة 304هـ أنه يستَحَب لديه صيام يوم 18 ذي الحجة، ولم يكن تخصيص هذا اليوم بهذه المزية إلا لكونه يوم غدير خم، وقد أكد ذلك الفقيهان الناصريان أبو جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي، والفقيه أبو مضر شريح بن المؤيد بتعليلهما مشروعية الصيام والصلاة المندوب فعلهما يوم الغدير(1) .
- ما هو معروف عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بدءا من أمير المؤمنين علي عليه السلام ومرورا بالإمام زيد والقاسم بن إبراهيم والهادي يحيى بن الحسين وانتهاء بالسيد مجد الدين المؤيدي وكونهم لا يزالون يذكّرون بحديث الغدير ويرددونه في المحافل، في هذه المناسبة وغيرها، فهذا أمير المؤمنين علي في أيام خلافته في الكوفة بلغه أن قوما يتهمونه فيما يذكره من تقديم رسول الله إياه على من سواه، فاستنشد من بقي من الصحابة ممن سمع حديث الغدير إلا قام فشهد بما سمع، فقام من كان حاضرا منهم وشهدوا بحديث الغدير، وهذه قضية اشتهرت في كتب المحدثين من أهل السنة بالمناشدة يوم الرحبة. وشعره المشهور في مصادرهم الذي يقول فيه:
فأوجب لي ولايته عليكم ... رسول الله يوم غدير خمّ
فويلٌ ثمّ ويلٌ ثمّ ويل ... لمن يلقى الاله غداً بظلمي(2) .
- كان موضوع الغدير حاضرا في ثقافة اليمنيين وزعمائهم، ومنهم ذلك الزعيم الأرحبي وهو الدعام الهمداني المعاصر للإمام الهادي يحيى بن الحسين (ت298هـ) وقد ذكر في شعر له موضوع الغدير بما يشير إلى تداول موضوعه في ثقافة زعماء اليمن في ذلك العصر(3) .
- - ورد في سيرة الإمام الزيدي المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني (ت411هـ) في الحديث عن أحد أصحابه أبي القاسم إسماعيل بن أحمد البستي (ت420هـ) وهو شيخ الزيدية بالعراق، الذي كان يعقد مجالس التذكير، وتقول الرواية: إنه سئل يوم الغدير عن أفضلية علي وأبي بكر، وتخصيص السؤال بيوم الغدير يشير إلى أن تذكيرا ما حصل يوم الغدير، وهذا هو ما يقوم به الزيدية اليوم حيث يذكرون في يوم الغدير أفضلية علي وأحقيته بالخلافة استدلالا بحديث الغدير.
- ذكر أبو جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي (ت455هـ)، وهو أحد المهتمين بفقه الإمام الناصر الأطروش آنف الذكر، ومؤلف كتاب الكافي في فقهه، ذكر فيه أنه يستحب صيام يوم الغدير، وروى الاستحباب عن أئمة العترة، وأنه يستحب لمن صام أن يصلي ركعتين، يدعو فيها بالشكر لله على نعمه(4) ، وقد نقل ذلك عنه أيضا القاضي عبد الله بن زيد بن أبي الخير العنسي المتوفى سنة 667هـ والمدفون في مدينة كحلان عفار في كتابه (الإرشاد إلى نجاة العباد)(5) ، وذكر فيه أن تلك الصلاة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي عليه السلام وعن الأئمة المتقدمين.


- قال أبو مضر شريح بن المؤيد (من أعلام الزيدية في القرن الخامس الهجري)، ومن أصحاب الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني (ت411هـ) ذكر أنه يستحب صومه عند أئمة العترة، ونصّ أنه يوم عيد عندهم، وذكر فضلا عظيما للصلاة فيه، والتي هي صلاة الشكر، وذكر أيضا أن هذا العيد هو يوم العيد الأكبر، وفيه فضل يطول(6) .
- روى الإمام المرشد بالله يحيى بن الحسين الشجري (ت499هـ) في الأمالي الخميسية (1/251) بسنده إلى جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: الثامن عشر من ذي الحجة عيد الله الأكبر ما طلعت عليه شمس في يوم أفضل عند الله منه، وهو الذي أكمل الله فيه دينه لخلقه، وأتم عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام دينا، وما بعث الله نبيا إلا أقام وصيه في مثل هذا اليوم، ونصبه علما لأمته، ودعى الصادق عليه السلام في هذا الأثر أن يحسن المرء في هذا اليوم إلى نفسه وعياله وما ملكت يمينه في ما قدر عليه، وهي أمور تدل على عيدية الغدير عند أهل البيت المتقدمين.
- روى الإمام الحسن بن بدر الدين المتوفي سنة 670هـ من أئمة اليمن في كتابه أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين (مخطوط) حديث الإمام الصادق السابق والمذكور في الأمالي الخميسية.
- ذكر الأمير الحسين بن بدر الدين المتوفى سنة 663هـ في كتابه شفاء الأوام(7) أنه يستحب صيام يوم غدير خم، ونقل عن أبي مضر قوله: إنه يستحب صيامه عند سائر العترة عليهم السلام، وقال: يوم الغدير يوم عيد عند أهل البيت عليهم السلام، ويستحب صيامه، ونقل ذلك السيد العلامة (معاصر) حمود بن عباس المؤيد حفظه الله في تلخيصه (النور الأسنى) لأحاديث الشفاء.
-لما توفي الإمام الهادي بن إبراهيم الوزير أخو السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في يوم 19 من ذي الحجة سنة 822هـ وكان موته فاجعة لليمانيين حتى أن دولة الأئمة الزيديين آنذاك أمرت بالحداد الرسمي عليه، ومنعت ما اعتاده الحكام والأمراء والتجار من توزيع الأعطيات بمناسبة العيد، وقد رثاه الفقيه عبد الله بن عتيق الموزعي المعروف بالمزاح وذكر في قصيدته أن موته كان في أشرف الأعياد إذ قال:
أما الدليل على عظيم ثوابه فمماته في أشرف الأعياد(8) 
والشاعر هنا لم يكتف بوصف الغدير بكونه عيدا، بل دعاه (أشرف الأعياد)، وكونه في 19 ذي الحجة لا يضر؛ لأن اليوم الواحد مما يتسامح فيه بسبب عادة اختلاف الناس في مطالع الشهر.
- وجاء العلامة الشهير يحيى بن أحمد مظفر المتوفى سنة 875هـ فذكر في كتابه (البيان الشافي) في الفقه الزيدي أنه يستحب صيام يوم الغدير وعلّله بأنه عيد المسلمين، وورد فيه الحديث في ولاية أمير المؤمنين(9) .
- وهذا العلامة صلاح بن أحمد المؤيدي المتوفى سنة 1044هـ ذكر في كتابه شرح الهداية في الفقه الزيدي أيضا أنه يستحب الاغتسال في يوم الغدير 18 من ذي الحجة، وكذلك يوم المباهلة وهو يوم 4 شوال من كل عام(10) .
وهكذا نجد أن هذا العدد الكبير من الزيدية الذين وجدوا قبل عصر المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم وبعضهم بمئات السنين يخصّون يوم الغدير بخصوصية مميزة لكونه يحمل ذكرى يوم الولاية فيخصونه بصيام أو صلاة أو تعيد أو اغتسال أو احتفال أو مجلس تذكير أو فرح وسرور، وبهذا يثبت خلاف ما ادعاه وعاظ علي محسن الأحمر وأجراؤه.
--
(1) شرح الأزهار 2/ 55 (الهامش) طبعة وزارة العدل، طبع بمطبعة شركة التمدن بمصر سنة 1332هـ.
(2) ذكر هذه الابيات العلامة الاميني في كتابه الغدير 2: 25-30، وذكر من رواها من أعلام العامة: الحافظ البيهقي المتوفى 458هـ، وأبو الحجاج يوسف بن محمد المالكي المتوفى حدود 605 في كتابه ألف باء 1: 39، وأبو الحسين الحافظ زيد بن الحسن الكندي الحنفي المتوفى 613 في كتابه المجتنى: 39، وياقوت الحموي في معجم الادباء 5: 266، ومحمد بن طلحة الشافعي المتوفى 652 في مطالب السؤول: 11، وسبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في تذكرة خواص الامة: 62، وابن أبي الحديد المتوفى 658 في شرح نهج البلاغة 2: 377،... إلى ستة وعشرين نفر ممن رواها من أعلام العامة.
(3) التحف شرح الزلف ص197.
(4) شرح الأزهار ج2 ص55 (الهامش).
(5) ينظر الإرشاد إلى نجاة العباد.
(6) شرح الأزهار ج2 ص55 (الهامش).
(7) طبعته وزارة العدل اليمنية مع حاشية الشيخ محمد بن علي الشوكاني وبل الغمام.
(8) مطلع البدور للقاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال.
(9) شرح الأزهار ج2 ص55 (الهامش).
(10) شرح الأزهار 1 ص120 (الهامش).

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

عبد الفتاح شمار ..لي على جرحي حكايا ..لا تضاهيها...
معاذ الجنيد لِقِتالِكَ احتاجوا السلاحَ...