الأحد, 23 أيلول/سبتمبر 2018  
12. محرم 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

جامعة صنعاء إلى أين

الحلقة الرابعة

أساتذة جامعة صنعاء عبء مؤسسي ومجتمعي

 

 د.فهمي الدقاف

إن العمل في حقل التدريس الجامعي أمر له قيمة علمية رفيعة، ويمنح صاحبه مكانة اجتماعية عالية. ولو تأملنا منطوق العبارة، لتبين لنا أن القيمة العلمية ذُكرت قبل المكانة الاجتماعية، فالقيمة العلمية هي التي أعطت المسوغ للمكانة الاجتماعية، فالقيمة العلمية أساسية، والمكانة الاجتماعية مضافة. وهذا يعني أن المكانة الاجتماعية تسقط عن صاحبها متى ما تبين أن قدرته العلمية محدودة أو معدومة. وهذا يعني أيضاً، أن الالتحاق بالعمل الجامعي يهيء للمرء الفرصة للحصول على المكانة العالية، ولكنه لا يضمن استمرارها. وهناك أمر آخر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن الجامعات تختلف فيما بينها من حيث المكانة والسمعة العلمية؛ فالجامعات ذات المكانة والسمعة العلمية العاليتين تضمن لمنتسبيها المكانة الاجتماعية الرفيعة لمجرد الالتحاق فيها. مثل هذه الجامعات تتسابق فيما بينها للحفاظ على مكانتها وسمعتها العلمية، إذا لم تعمل على تخطيها إلى مكانة أعلى. وهي، في هذا السياق التنافسي، تعمل على استقطاب القدرات والكفاءات العلمية من أي مكان في العالم، فهي التي تسعى وتبحث وتقدم المغريات لمن تريده أن يعمل فيها، لأن انظمامه إلى هيئتها يساهم في رفع مكانتها وسمعتها العلمية. ولا يقتصر الأمر، في مثل هذه الجامعات، على استقطاب المشهود لهم بالعلم والكفاءة، بل إن بابها مفتوح لمن يلمس في نفسه القدرة والاستعداد العلمي، ويبحث عن بيئة علمية تحتضنه حتى يمكنه توظيف طاقاته الإبداعية. هذا النوع من الجامعات عادةً ما يكون في المجتمعات المتقدمة.

في هذه الجامعات لا يتمتع منتسبيها بكثير من وقت الفراغ، ولا هم ممن يبحث عنه، وإذا حدث وحظي أحدهم بوقت فراغ، وهو قليل، فإنه يستخسر أن يقضيه بعيداً عن معمله أو مكتبه، أو التواصل مع زميل له في المجال العلمي، في مؤسسة علمية أخرى أو في بلد آخر. والعمل الجماعي (عمل الفريق) هو من سمات العمل في هذه الجامعات. وينبغي التأكيد، هنا، أن العامل المشترك بين فريق العمل العلمي هذا هو العلم، فقد لا يكونون من بلد واحد، وقد لا تجمعهم ثقافة واحدة، أو دين واحد، ومع ذلك، فالعلاقة التي تسود بينهم هي علاقة المودة والاحترام المتبادل. وإذا حدث وتبين أن أحد منتسبيها غير أهل للبقاء فيها، فإنها تستبعده على الفور، فوجوده فيها يعيقها عن أداء عملها، وقد يبعدها أو يخرجها من حلبة المنافسة العلمية.

أما الصورة الأخرى للجامعات، فتتمثل في جامعات الإعالة والضمان الاجتماعي، والجامعات اليمنية عامة وجامعة صنعاء على وجه الخصوص أبرز أشكال أو أنواع هذه الجامعات. ويمكن تسليط الضوء على، لا نقل فلسفة هذه الجامعات، لأنها لا تمتلك فلسفة ولا رؤيا مبلورة وواضحة لعملها، طبيعة الانتساب إليها، ومنتسبيها، والعمل فيها، وبيئتها. ولتكن جامعة صنعاء هي النموذج، لقدمها، لباقي الجامعات اليمنية. أُنشأت جامعة صنعاء دون حاجة فعلية لنشأتها، ودون معرفة دقيقة لوظيفتها، ولا للهدف المراد تحقيقه من إنشائها. ولهذا السبب، تم التعامل الرسمي (الحكومي) معها باعتبارها إحدى المؤسسات الحكومية الخدمية. هذه النظرة الرسمية للجامعة انسحبت على كل ما قامت وتقوم به الجامعة منذ إنشائها في مطلع سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا. فمن حيث الانتساب إليها، تم، في بداية الأمر، وضع معيار التفوق العلمي، وهو الأبرز، لقبول من يرغب العمل في مجال التدريس فيها، وكان يمكن لهذا التقليد أن يكسبها مكانة أرفع من بقية مؤسسات الدولة. ولكن ما هي إلا سنوات معدودوة حتى بدأ هذا المعيار لوناً رمادياً أفقده مصداقيته وجديته، فانتقل الفساد السياسي السائد في المجتمع إلى الجامعة الوليدة. فأصبح الباب مفتوحاً أمام كل من حصل إحدى الدرجتين العلميتين (ماستر ودكتوراه) أو كلاهما، يعتقد أن له الحق كل الحق في الانتساب للجامعة، ويتبع لتحقيق هدفه ذاك كل الطرق؛ المشروعة وغير المشروعة على السواء. والملفت للانتباه، أن منتسبيها ساهموا مساهمة كبيرة وفاعلة في توطين ثقافة الفساد فيها، وإحقاقاً للحق، لم تكن مساهمتهم تلك عن قصد وسوء نية، ولكنها كانت ولا تزال إفرازاً طبيعياً لطبيعة البيئة المجتمعية التي أتوا منها، كما سيتبين.

كما تأثرت طبيعة العمل في جامعة صنعاء بكل من الرؤية الرسمية لها والطريقة المتبعة في الانتساب إليها. فقد انعكست الرؤية الرسمية للجامعة على طبيعة الدوام اليومي لها، فالدوام الرسمي للجامعة هو المعمول به في بقية الدوائر الحكومية؛ ست ساعات يومياً: من الثامنة والنصف صباحاً وحتى الواحدة والنصف ظهراً. بعد هذا التوقيت تصبح الجامعة خاوية على عروشها. أما من حيث طبيعة العمل، فالجامعة المفتقرة للرؤيا وللهدف، أصبحت الباب المفتوح للتوظيف الدائم غير المشروط، بغض النظر عن كمية العدد المطلوب توظيفه، أو الكيفية التي يجب أن تتوفر فيه، فتضاعف عدد الأساتذة إلى الحد الذي أصبح فيه الأساتذة يتقاسمون تدريس مقرر دراسي واحد. كما أن هذه الكثرة في عدد الأساتذة، قد أسقطت عن الكثير منهم واجب القيام بالتدريس. فنتج عن ذلك زيادة في وقت فراغهم، الذي لا يعرفون كيف وفيما وأين يقضونه.  الأمر الذي أفرز، في نهاية المطاف، ثقافة الفراغ، التي سنشير إلى طبيعتها فيما بعد.

ويتعلق البعد الثالث، في معادلة العبء المؤسسي والمجتمعي لأساتذة جامعة صنعاء، في طبيعتهم، التي قدموا بها إلى هذا الصرح العلمي. وينبغي أن نؤكد هنا، إلى أمر في غاية الأهمية، وهو إن ما سيُذكر في هذا الجزء من الحديث، لا يعتبر، بأي حال من الأحوال تهكماً أو انتقاصاً في حق هيئة التدريس، بقدر ما يُعتبر توصيفاً دقيقاً لخصوصية ثقافتهم. ويمكن أن نضع طبيعة أساتذة جامعة صنعاء في ثلاث نقاط رئيسية، وهي: الأولى، إن ما يزيد على 80 % منهم أتوا من الريف. الثانية، أن ما يزيد عن 90 % أتوا من أُسر فقيرة. الثالثة، إنهم؛ في سلوكهم العام والخاص إفراز طبيعي لثقافة الفقر، التي تُعد بالضرورة ترجمة حقيقية للنقطتين الأولى والثانية. ولا ينبغي للإسهاب في بيان صور أو أشكال السلوك المعبرة عن ثقافة الفقر، وأساتذة الجامعة، بحكم اطلاعهم، لا شك يعلمون علم اليقين المقصود بها، أما القارئ العادي، وخاصة غير المهتم، فهي دعوة له للبحث في المواقع الإلكترونية، وحتى لا يتجشم بعض القراء عناء البحث، نقول له ركز على ما سيتم ذكره عن سلوك أساتذة جامعة صنعاء، وستدرك تماماً المقصود بثقافة الفقر.

إذن، فآلية استقطابهم، وسيادة نظرية الإعالة في توظيفهم، بحيث أصبح عددهم لا يحتمل، وطبيعة البيئة التي أتوا منها (ثقافة الفقر)، شكل بيئة العمل في جامعة صنعاء، وكذلك بقية الجامعات اليمنية. وينبغي علينا أن نذكر أن ما سيتم عرضه، هنا، هو منظومة من العوامل المترابطة فيما بينها ترابطاً شديداً ومعقداً، وأن على القارئ العزيز أن يحاول مشكوراً أن يراها في صورتها العامة الإجمالية لا الفردية، حتى يتسنى له أن يفهمها الفهم اللائق بها، والذي قد يفقده الحديث عنها بطريقة مجزأة. إن أبرز مظهر من مظاهر ثقافة الفقر، وأكثرها تأثيراً وفاعلية، هو اللجوء إلى التحايل والخداع والفهلوة في الحصول على مكاسب مادية، دون أي مسوغ قانوني أو حق شرعي. وسوف تتبين فاعلية هذا المظهر من خلال ما يحدث من سلوكيات داخل الحرم الجامعي.

لقد طرأت لي فكرة، أثناء كتابة هذا المقال، إن أضع الصورة على هيئة نقاط أو معادلات، وذلك ليسهل عليَّ الحديث، ويسهل على القارئ المتابعة، وذلك على النحو التالي:

1)    كثرة عدد هيئة التدريس عن الحاجة = قلة عمل كل منهم =  زيادة فراغهم.

2)    زيادة الفراغ = البحث عما يملأ هذا الفراغ = النميمة + الشللية + التكتم والسرية + المكايدة + المضايقات والتآمر على من يُعتقد بأنه متميز ولا ينتمي إلى الشلة + معارضة آرائه واقتراحاته في الاجتماعات + الوقوف ضد حقوقه + رفض كل ما يأتي من قبله. ولهذا، نجدهم متخاصمون متعادون متفرقون لا يربط بينهم شيء يرفع من شأنهم أو يُعلي من مكانتهم.

3)    السعي غير المشروع وراء الكسب المادي = الكل يعلم بأن أساتذة جامعة صنعاء، النخبة الموكل إليها العمل على نهضة المجتمع وتقدمه وتنويره، يقومون، بين الحين والآخر، بالإضراب عن العمل، وفي كل مرة يعلنون ذلك، نجدهم لا يطالبون بما يحقق المصلحة العامة، ولا يُعبرون عن رفضهم لما يدور داخل مؤسستهم، على الأقل، من خرق للقوانين واستباحة للمال العام، بل نجدهم يطالبون: إما بزيادة الرواتب، وإما بأجهزة حاسوب، التي لا يُكلف شراؤها بضعة دولارات، وإما بأراضي، وغيرها. ويدعون بأنها حق من حقوقهم، ولا نجد ما يؤكد هذا الإدعاء لا بقانون جامعتهم، ولا يُعمل بها في أية جامعة، لا نقل من الجامعات العالمية، بل من الجامعات العربية. + التهافُت على الإشراف على طلبة الدراسات العليا، دون مراعاة للتخصص، أو الأقدمية، أو الأعراف المتبعة + بذل جهود مضنية للحصول على الدعوات من خارج البلد لحضور المؤتمرات، وكثيراً ما تكون هذه المؤتمرات إما وهمية، أو أنهم بعد حصولهم على بدل السفر لا يحضرون تلك المؤتمرات، وقد تنبه المسؤولون الماليون لهذه الخدعة، فاستصدروا قراراً بأن يُصرف بدل السفر عهدة، وعلى الأستاذ المسافر أن يُخلي عهدته بعد عودته من السفر. ولكن الأساتذة كانوا أذكى؛ فكان الأستاذ يذهب ويعود في نفس اليوم، حتى يُثبت بأنه قد سافر. + السعي المخزي والمهين واتباع أساليب المحاباة والمجاملة والتودد والتوسل للقيادات الحكومية وتقديم كل فروض الولاء والطاعة لهم، والانتساب إلى أحزابهم، حتى يحصلوا على وظائف إدارية، سواءً داخل الجامعة أو خارجها، لا بغرض خدمة المجتمع ولكن لتحقيق مكاسب مالية.

4)    الدعوات التي يُطلقونها للإصلاح في الكتابات الصحفية، أو المقابلات التفلزيونية أو الحوارات والأحاديث المجتمعية = حتى يُقال بأنهم يفهمون، ولو دققنا فيما يكتبون أو يقولون، لوجدناه كلام مفعم بالتجريدات والمصطلحات والعبارات الرنانة، التي يحرصون على صناعتها وترديدها على مسامع الناس، ولكنه يفتقر للمعلومة ولا يقدم خطة أو مشروعاً عملياً، + لا يمتلكون الجرأة للدعوة إلى إصلاح مؤسستهم (جامعة صنعاء)؛ والسبب في ذلك بسيط للغاية، لأن الإصلاح لهذه المؤسسة سيقضي على المستقبل الوظيفي للكثير منهم، وخاصة أولئك الذين في الكليات غير المهنية (لا في الطب ولا الهندسة ولا الحقوق). + الكثير من منتسبي جامعة صنعاء يعلمون علم اليقين أن انتسابهم للجامعة مكسب لهم وليس للجامعة، فلو حدث لأحدهم مكروه وفُصل من الجامعة، فإنه لا يستطيع أن يجد عمل يقتات منه، لا في الداخل ولا في الخارج. وأبسط مثل على ذلك هو إن العمل في الجامعة عقد بين طرفين، إذا لم يعجب الراتب المعطى لك، فلا ينبغي لك أن تضرب وتمتنع عن العمل، بل الأجدى والأهم من ذلك كله أن تستقيل وتحرم هذه المؤسسة من علمك ومهاراتك التي هي في أمس الحاجة لها، أليس كذلك ؟.

5)    العمل = إتقان + أمانة. إنما يغلب على أساتذة جامعة صنعاء هو عدم الإتقان والتفريط بالأمانة، ويتضح ذلك من خلال:

أ‌.       إن طبيعة عملهم تقتضي تكريس كل وقتهم له، لأنهم توظفوا من أجل ذلك + إنه مطلب نص عليه قانون الجامعة، ومن يقوم بغير ذلك يكون خائناً للأمانة، ومخالفاً للقانون. تعالوا لنرى أساتذة الجامعة (النخبة) هل هم ملتزمون بذلك، الجواب (لا)، فمعضمهم يعمل في أكثر من جامعة من الجامعات الأهلية، وهذا يؤدي إلى عدم الإتقان فيما يقومون به من أعمال، سواء في جامعة صنعاء أو في الجامعات، التي يناوبون فيها، وقد عبر عن هذا وزير التعاليم العالي السابق (صالح با صره)، عندما وصفهم بأنهم دبابات.

ب‌.  الإجازات = حق من حقوق الموظف، وهي متنوعة ومتعددة، وحدد طبيعتها ومدتها القانون، فإذا استغلها الموظف في غير ما حُددت له تعتبر مخالفة يعاقب عليها القانون. تعالوا نرى أهم إجازة تُمنح للأستاذ الجامعي وكيف يستغلها أساتذة جامعة صنعاء. أهم إجازة هي ما يُطلق عليه (إجازة التفرغ العلمي)، تمنح لكل أستاذ كل أربع سنوات. الغرض منها هو أن يقوم الأستاذ المتفرغ بتنمية نفسه علمياً، وتدفع له الجامعة مقابل ذلك مرتب عام كامل وتذاكر سفر له ولزوجته وأولاده، وأشياء أخرى قد لا أعلمها أنا. ولكن ما يقوم به معظم الأساتذة إن لم يكن كلهم هو أن يذهبوا للتعاقد إما مع جامعات محلية أو مع جامعات خليجية، ولا يكتفون بذلك، بل يحرصون كل الحرص (كذباً وزوراً) أن تكون تذاكر سفرهم إلى أبعد نقطة يصل إليها الطيران اليمني. ألا ينم هذا السلوك عن خيانة للأمانة ؟، ألا يعاقب عليه القانون ؟ أليست الأموال التي يتقاضونها تثقل كاهل المجتمع ؟

وفي نهاية حديثنا هذا، لا بد من طرح السؤال الذي لا بد من طرحه وهو: هل يقدمون شيء ما يخدمون به مؤسستهم أو مجتمعهم ؟ إنهم وبحق عبء وعبء ثقيل على مؤسستهم ومجتمعهم، إنهم يأخذون أكثر مما يستحقون.

 

 

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...