في ذكراه الخامسة  ..


ملف خاص عن المولى العلامة المجتهد/ مجد الدين المؤيدي رئيس حزب الحق

 

 

 

 

 

القسم الشهير:

((قَسَمَاً بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيْرِ، قَسَمَاً يَعْلَمُ صِدْقَهُ الْعَلِيْمُ الْخَبِيْرُ أنْ لا غَرَضَ لَنَا وَلا هَوى غَيْرَ النُّزُولِ عِنْدَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوُقُوفِ عَلَى مُقْتَضَى أَمْرِهِ، وَأَنَّا لَو عَلِمْنَا الْحَقَّ فِي جَانِبِ أَقْصَى الْخَلِقِ مِنْ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيِّ، أَو قُرَشِيٍّ أَوْ حَبَشِيِّ لَقَبِلْنَاهُ مِنْهُ، وَتَقَبَّلْنَاهُ عَنْهُ، وَلَمَا أَنِفْنَا مِن اتِّبَاعِهِ، وَلَكُنَّا مِنْ أَعْوَانِهِ عَلَيْهِ وَأَتْبَاعِهِ، فَلْيَقُلِ النَّاظِرُ مَا شَاءَ، وَلا يُرَاقِبْ إلاَّ رَبَّهُ، وَلا يَخْشَ إلاَّ ذَنْبَهُ، فَالْحَكَمُ اللَّهُ، والْمَوعِدُ الْقِيَامَة، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)).

المولى العلامة المجتهد/مجدالدين المؤيدي

 "رضوان الله تعالى عليه"

 

 

 

أعد الملف للأمة : 

علي أحمد جاحز

عبدالقوي محب الدين

عبد الرحمن الأهنومي

نشوان العماد

 ----------------------------------------------------------------------------------

 

ذكرى وفاة السيد المولى مجدالدين المؤيدي


عدنان أحمد الجنيد


هاهي تطل علينا الذكرى الخامسة لوفاة الامام المجدد السيد المولى مجد الدين المؤيدي والذي برحيله فقدت اليمن خاصة_والعالم الاسلامي عامة_علمآ من اعلام آل البيت عليهم السلام والذين هم سفن النجاة وباب حطة وقرناء القران الكريم ... فمن تمسك بهم وسار على نهجهم وعمل بماجاء في شرع جدهم فقد هدي الى صراط مستقيم ومن تركهم ولم يعمل بشرعهم ولم يسر على نهجهم ضاع في دياجير الظلام

ان مولانا السيد مجد الدين يعد بقية السابقين وقدوة اللاحقين ومنار السائرين ولولا ان الموت مكتوب على بني ادم بمافيهم الانبياء والمرسلين والملائكة والاولياء المقربين لكنا تمنينا على الله تعالى ان يبقي لنا امامنا لنا واجيالنا من بعدنا كي ينتفعوا من علومة العظيمة

لكن مشيئة الله تعالى لامحيص عنها والموت قضاءه محتوم ولكن نقول بلسان المحب المعلول

ماكنت احسب ان يومك سابق

بل كنت ارضى ان اموت فاقبرا

لوكنت تفدي كانت نفسي فدية

لابي الحسين لكي يعيش ويعمرا

اوكان يشري عمري لشريته

لكن قضاء الله طاف وبكرا

ان مولانا السيد مجدالدين لم يمت _حقيقة_بل مازال موجودآ من خلال مؤلفاتة التي تركها لنا وهي كالتالي:الجامعة المهمة لاسانيد كتب الائمة , والحجج المثيرة على الاصول الخطيرة , وعيون المختار من فنون الاشعار والاثار , وكتاب الحج والعمرة وكتاب التحف شرح الزلف , وكتاب ايضاح الدلالة في تحقيق احكام العدالة وكتاب لوامع الانوار ..... وغيرها من الكتب التي تركها للاجيال من بعده وهي كنوز ثمينة تحوي علومآ عظيمة لها اثرها البليغ على كل من يقراها من طلاب العلم


ان السيد مجد الدين خدم الامة في حياته وبعد وفاته من خلال علومه التي بثها للاجيال وقد تخج على يده الاف من العلماء العاملين وطلاب العلم السالكي


ن وهم مازالوا الى يومنا هذا ينشروا علومه ويدرسوا منهجه في اربطة العلم والمساجد وغيرها


سلام الله على سيدي مجد الدين في الاولين

وسلامه عليه في الاخرين

وسلامه عليه الى يوم الدين

-------------------------------------------------------------------------------------------------

 

 

سلام عليه في يوم ذكراه


عبد السلام الوجيه


ماذا عسى مثلي أنا العاجز عن التعبير أن يكتب عن علم من أعلام الأمة وإمام من أئمة العلم والزهد كسيدي العلامة المجتهد حجة العصر السيد / مجدالدين شيخ العلماء ورمز المثل العليا ، رائد النهضة العلمية والاصلاحية المعاصرة من تجلت أنواره في " لوامع الأنوار " التي سطعت بعلوم آل محمد وتضمنت درر الأئمة الهادين وكنوز العلماء المجتهدين والذي كان بحق مدخلاً إلى علوم الآل .. ماذا عسى مثلي أن يكتب عن صاحب " مجمع الفوائد " الذي كان بحق ضالة الرائد وبغية الناشد عن صاحب " التحف شرح الزلف " الذي أتحفنا بسير وتاريخ آل البيت الكرام عن صاحب الثروة العلمية والفكرية التي أنارت دروب الأجيال.. قلمي في هذه العجالة يعجز عن إيفائه بحقه.. لقد كان رحمه الله رائداً من رواد الصحوة الاسلامية المعاصرة ومنارة تضيئ الطريق للأجيال وتكشف للعالم فكر الآل ومنهج الوسطية والاعتدال. 

تجرده ، إخلاصه ، ذكائه ، توقده ، علمه ، عمله ، عطاءه اللامحدود غير خافٍ على أحد ، فهمه العميق وطريقة تفكيره ووسطيته واعتداله وبعده عن الغلو والتطرف والتقليد الأعمى والتعصب المقيت لا يختلف عليه اثنان ، شخصيته الفذة ومواقفه الرائعة وعرفانيته وصفائه ونقائه وقيمه الروحية والعملية وأخلاقه القرآنية كانت وما زالت مثلاً يحتذى وبه يقتدى .

هذا السيد العظيم جمع بين العلم والعمل والإرشاد والجهاد فأنار بعلمه وجهاده البلاد وانتفع بسيرته وهديه العباد ، وأنا على يقين من أن لاحتفال بذكراه يحيي قلوب الذاكرين وينير السبيل الأقوم للسائرين فهو ممن أشادوا صروح الدين واكتملت فيهم صفات العلماء العاملين والباحثين عن الحق والمتجردين ، كيف لا وهو صاحب القسم الشهير:

[ قسماً بالله العلي الكبير ، قسماً يعلم صدقه العليم الخبير أن لا غرض لنا ولا هوى غير النزول عند حكم الله والوقوف على مقتضى أمره ، وأنا لو علمنا الحق في جانب أقصى الخلق من عربي أو عجمي أو قرشي أو حبشي لقبلناه منه وتقبلناه عنه ولما أنفنا من اتباعه ولكنا من أعوانه عليه وأتباعه ، فليقل الناظر ما شاء ولا يراقب إلا ربه ولا يخشى إلا ذنبه ، فالحكم الله والموعد القيامة ، وإلى الله ترجع الأمور] .

إن الاحتفال بيوم ذكرى السيد مجد الدين هو احتفال بكل العلماء العاملين ، هو احتفال بمثيله في جهاده السيد بدر الدين بن أمير الدين وبسائر العلماء والمرشدين والمجاهدين . إنا نريد في هذا الاحتفال ومن إحياء هذه الذكرى أن تتوحد الصفوف وأن تكتمل مسيرة العلم والجهاد والنصح والإرشاد ، وأن يتكاتف الجميع فيما يرضي الله سبحانه وتعالى ، ويخلص البلاد والعباد من الظلم والجور والفساد ، إذ لا علم بلا جهاد ولا جهاد بلا علم ، ومن يريد تصنيف الاحتفال بهذه الذكرى وقصرها على فئة دون أخرى ؛ فليراجع نفسه وليتق الله في الناس ، فكلنا أتباع العلماء العاملين والمجاهدين وكلنا سائرون على نهج مجد الدين وبدر الدين وكلنا في خط الثورة والثائرين وضد كل الطغاة والظالمين والجائرين والمستكبرين ، فسلام على إمام الهدى السيد مجد الدين وسلام على كل أئمة الآل المجاهدين وعلى من اتبع خطاهم واقتدى بهداهم إلى يوم الدين ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله سفن النجاة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 --------------------------------------------------------------------------------------------------

 

الإمام مجد الدين رائد نهضة.. وقائد أمة

 

 العلامة : عبد المجيد عبد الرحمن الحوثي 

 

 

ليس من الغريب أن  تلمع شخصية علمية أو دينية أو اجتماعية أو أدبية في أي عصر من العصور أو في أمة من الأمم.. فقد نرى مثلاً  من برز في مجال العلوم الشرعية ووصل إلى 

 
درجات عالية فيها.. كما نرى إنساناً آخر ارتقى في مجال العبادة والزهادة والإنقطاع عن الدنيا..حتى وصل إلى مراتب رفيعة في ذلك..

وكذلك قد نرى إنساناً وهبه الله أخلاقاً عالية، وتواضعاً جماً فاكتسب محبة الناس وحل في قلوبهم.. كما أن هناك أناساً وهبهم الله الحكمة والسداد في الرأي حتى صاروا مرجعية للمجتمع في جميع شؤونهم وقوانينهم العامة.. وهناك من الناس من برزوا من خلال امتلاكهم للذوق الرفيع والحس الأدبي العالي والمرهف الذي يحس بمشاعر الآخرين بل وقد يصورها في أساليب مختلفة من الشعر والنثر وغيرها من أساليب البيان..هذه الشخصيات وغيرها.. لا غرابة في أن توجد في المجتمع موزعة على أفراده فيأخذ هذا بصفة.. ويأخذ ذاك بأخرى.. ولكن الغريب والإستثنائي هو أن تجتمع كل هذه الصفات والشخصيات في إنسان واحد..تجمعت وتجسدت فيه كل الصفات العالية  والمعاني السامية، فأصبح فرداً متميزاً عن بقية الأفراد.. بل عن بقية العلماء والعظماء وصار وحيد دهره وفريد عصره.. يشار إليه بالبنان وتتناقل فضله وعظمته الألسن والأقلام.. حتى سارت

 


وأما والدته عليه السلام فهي الشريفة الطاهرة حليفة العبادة والزكاة أمة الله بنت الإمام المهدي محمد بن القاسم الحسيني الحوثي..بسيرته الركبان،. وسمع به الخاص والعام... وأعظم شاهد ودليل قاطع على ما ذكرناه.. هو اجتماع الشخصيات المتناقضة، والتيارات المختلفة والإتجاهات المتباينة على احترامه ومحبته..وهي قلَّ أن تجتمع على حب شخصية واحترامها إلا أن تكون شخصية مميزة لا يكاد يوجد فيها ما يعاب، وإن كان الكمال هو للخالق جل وعلا، هكذا كان المولى العلامة الحجة مجدد الدين.. وإمام الآل الأكرمين...  مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي.. رحمه الله رحمة الأبرار،  وجعله في جنات تجري من تحتها الأنهار.. وقد ولد هذا الإمام الأعظم، والطود الأشم في السادس والعشرين من شعبان سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين بالرضمة من  جبل برط، دار هجرة والده علامة العترة وربانيها محمد بن منصور المؤيَّدِيُّ..

وفي ظل هذين الأبوين الطاهرين الزاكيين، نشأ الإمام مجد الدين على التقوى والصلاح والهداية.. وحب العلم والمعرفة منذ نعومة أظافره، فلم يبلغ مبلغ الرجال إلا وقد رقى في العلم أعلى منال.. وما زال يبذل كل جهده وجميع وقته في فترة الشباب.. وعنفوان النشاط في دراسة العلوم وإتقانها والبحث عن المهمات والمشكلات وحلها..لا يعتريه تعب أو فتور عن  ذلك..


يقول أيضاً والدي حفظه الله: فكنا في ذلك الوقت نرى سيدي مجد الدين بعين الإجلال والتقدير الذي لا يكون لسواه..بل نراه كأنه ملك يمشي على الأرض.يقول والدي حفظه الله عبد الرحمن بن حسن الحوثي: كان سيدي مجد الدين يأتي إلى ضحيان وهو في عنفوان الشباب فيخرج كبار العلماء وعلى رأسهم والدي العلامة الحسن بن الحسين الحوثي  رحمه الله.. والسيد العلامة  يحيى بن صلاح ستين وهما كبار علماء ذلك العصر  لاستقباله إلى خارج ضحيان. احتراماً وتقديراً له..

ويخبرنا مولانا الحجة مجد الدين عليه السلام عن قضية زواجه فيقول: كان والدي رحمه الله مصراً على أن يزوجني.. وكنت أرغب أن أتم دراستي وأخاف أن أشتغل بالزواج عن طلب العلم.. ونزولاً عند رغبته قبلت بالزواج، وجاء يوم العرس، ووصلت العروس وأخذوا يبحثون عني للدخول عليها..واستمر بحثهم لساعة متأخرة من الليل..وفي الأخير وجدوني وأنا تحت بيت الدرج أذاكر دروسي، فعاتبوني وأدخلوني على العروس.. ثم في الأيام الأولى للزواج كنت أبقى بالمسجد إلى ساعة متأخرة من الليل..فشكت زوجتي ذلك لوالدي رحمه الله وأصلح بيننا أن يكون لها ليلتان في الأسبوع والباقي خاص بي لطلب العلم.. واستمر رحمه الله على هذا المنوال والهمة العالية من تلك الأيام إلى أن قبضه الله إليه. وهو في عقده التاسع.

يروي لي  والدي حفظه الله قال: كنا ضيوفاً عند مولانا عليه السلام.. فلما أتى الليل سمر معنا حتى وقت نومنا.. فهيأ لنا أماكن للنوم وهيأ له مكاناً معنا.. وخفض السراج كأنه يريد أن ينام، وعندما اعتقد أننا قد نمنا، قام وأشعل السراج ومكث يطالع حتى قبيل الفجر، وهكذا كانت عادته عليه السلام.. يقوم بتدريس العلم من الفجر إلى الليل.. ويكمل الليل بحثاً ومطالعة..وكان يكتفي من النوم بساعتين أو نحوها مدة طويلة مما أثر على صحته في آخر عمره..

وعلى العموم فشغفه بالعلم والتعليم يعرفه الخاص والعام حتى صار  يضرب به المثل في ذلك، فلم يكن يتركه  في سفر ولا حضر.. حتى في السيارة أو في أي مكان.. وقد كنا نخرج معه عليه السلام في نزهة فما يكاد يستقر به المكان إلا وطلب الكتاب وأمرنا أن نبدأ الدرس، ولشدة محبته للعلم والتعليم وأنسه بالبحث والإطلاع، كان يقول لنا يوماً وهو يبكي: والله إني أخاف  أن لا أؤجر على طلب العلم وتعليمه؛ لأنه لم يعد لي راحة في الدنيا إلا بالعلم والتعليم.. فقد أصبح مصدر. سعادتي وراحتي في هذه الدنيا.. ولم يكن الجانب العلمي في شخصيته عليه السلام هو ما جعله يتبوأ هذه المنزلة العظيمة في المجتمع حتى صار المرجع الأول للزيدية وإمامها بلا منازع؛ بل لأنه كان مع ذلك يحمل في نفسه مسئولية الأمة والدين..فكان إحياء الدين ونصرة الإسلام هي همه الأكبر وشغله الشاغل..ساعياً في إصلاح أمة  جده محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكل جد واهتمام.. متواضعاً للصغير والكبير.. دمث الأخلاق، لا يستطيع أحد ممن عرفه إلا أن يحبه.. عطوفاً على المؤمنين رحيماً بهم، قوياً في ذات الله لا يخشى في الله لومة لائم..ساعياً في جمع كلمة المسلمين عامة وأتباع أهل البيت عليهم السلام خاصة..حكيماً.. عادلاً، سديد الرأي، قوي الإدراك.. حازم الرأي، حسن التعامل، همه  رد شبه الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ينتقد الخطأ من أي شخص كان بعبارة حسنة توجه الحق من غير تجريح بالآخرين.

حين تقرأ شيئاً من كلامه تحس وكأنك تقرأ كلاماً للإمام القاسم أو الإمام الهادي عليهما السلام أو غيرهما من قدماء أئمة الآل الطاهرين.

يحب طلاب العلم ويبجلهم حتى يعتريهم الحياء من فرط تقديره واهتمامه بهم..وهذا يعرفه كل من تفرغوا بالقراءة عليه والأخذ منه.

وعلى العموم فمقامه يحتاج إلى مجلدات.. وفضله لا يحصى وإنما أردنا التشرف  بكتابة هذه الأسطر أداءً لبعض واجبنا تجاهه، ويكفيه أن معظم علماء الزيدية في هذا العصر هم من طلابه والآخذين عنه.. وهو رائد النهضة  العلمية والدينية في هذا العصر، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء وحشرنا في زمرته، وجعلنا من السائرين على نهجه المقتفين لأثره إنه سميع مجيب الدعاء..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم...وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين

 

 --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

 

قبسات من السيرة العطرة للمولى العلامة / مجد الدين المؤيدي (1332هـ ـ 6 رمضان 1428هـ)

 

عرض / عبد الوهاب أحمد الدار

 

العلامة، المجتهد، المولى، مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي الحسني، مرجع علماء العصر وشيخ الشيوخ، العابد، الزاهد، المجاهد، الأديب، الشاعر، المؤرخ، مولده في 26 شعبان سنة 1332هـ بالرضمة من جبل برط ودرس على والده وعلى العلامة حسن سهيل جل العلوم، كما أخذ عن مشاهير العلماء، حتى برع وبلغ الغاية وانتهت إليه أسانيد كتب الآل، ومرجعية علماء العصر وجلهم من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه، وهب عمره للعلم والعمل والجهاد، وعكف على التدريس والتأليف والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسر القلوب بتواضعه وأخلاقه وعمق علومه ومعارفه، مناقبه كثيرة وسيرته مشرقة لا يستوعبها مثل هذا المختصر وترأس منذ قيام الوحدة إلى اليوم حزب الحق الإسلامي في اليمن. يسكن في هجرة سودان غرب مدينة صعده ويمضي شطراً من العام في نجران، والديار المقدسة .

مولده ونشأته:

ولد أسعده الله في 26 شعبان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف، بالرضمة من جبل برط، دار هجرة والده الأولى، لَمَّا انتقل إلى هنالك من هجرة ضحيان صعدة، مع مَن ارْتَحل من العلماء الأعلام إلى مقام الإمام المهدي لدين الله محمد بن القاسم الحسيني الحوثي، لاستقرار الإمام هنالك، وقيامه بواجب الدعوة، ونشر العلم الشريف، رغم استيلاء الأتراك على أكثر قطر اليمن.

ووالده هو المولى السيد العلامة العابد الزكي محمد بن منصور بن أحمد المؤيدي رضي الله عنه، المتوفى في جمادى الأولى سنة ستين وثلاثمائة وألف بمدينة صعدة، كان لا يُجارى في فضل، ولا يُسامى في نُبْل، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

ووالدته هي الشريفة الطاهرة النجيبة الزاهرة، حليفة العبادة والزَّكا، أمة الله بنت الإمام المهدي المذكور آنفًا.

ومن مؤلفاته:

/لوامع الأنوار في جوامع

 العلوم والآثار. طبع في ثلاثة مجلدات سنة 1413هـ وهو من أجل كتبه استوعب فيه أسانيد كتب الآل بسنده إلى مؤلفيها وترجم للرجال وأودعه من المعلومات والمعارف والبحوث الكثير الطيب.

/التحف شرح الزلف (شرح فيه منظومته الزلف الإمامية في تأريخ الأئمة عليهم السلام وأرخ لهم بأسلوب رشيق جذاب مستوعباً أئمة الزيدية من عصر الإمام زيد إلى عصره) طبع أربع مرات (تأريخ).

/عيون الفنون (أجاب فيه على اسئلة الإمام عبدالله بن حمزه في أول الشافي) طبع.

/الجامعة المهمة في أسانيد الأئمة (طبع مراراً وجعله صيغة أجازته العامة لمن طلبها من العلماء) وقد طلبت منه الأجازة العامة فأجازني في رواية مسموعاته ومقروءاته ومؤلفاته.

/المنهج الأقوم في الرفع والضم (طبع).

/كتاب الحج والعمرة (طبع).

/كتاب الشهاب الثاقب (رد فيه على أوهام محمد بن علي الأكوع) طبع تحت اسم مستعار.

/الجوابات المهمة (طبع دار الأندلس).

/البلاغ الناهي عن الغناء والات الملاهي (طبع).

/فصل الخطاب في تفسير خبر العرض على الكتاب طبع ضمن مجمع الفوائد.

/مجمع الفوائد يحتوي على عدة كتب وأبحاث ودراسات وهي:

ـ الثواقب الصائبة لكواذب الناصبة.

ـ الحجج المنيرة على الأصول الخطيرة.

ـ ايضاح الدلالة في تحقيق العدالة.

ـ الجواب التام في تحقيق مسألة الإمام.

ـ الرسالة الصادعه بالدليل في الرد على ما أورده صاحب التضليل.

ـ الفلق المنير بالبرهان على ما أورده العلامة الأمير على حقيقة الإيمان.

ـ عقود المرجان (منظومة شعرية في حصر الأموية والعباسية).

ـ الدليل القاطع المانع للتنازع (رسالة).

ـ الماحي للريب في الإيمان بالغيب (رسالة).

ـ بحث في كلام المحدثين عن حديث المنزلة.

ـ بحث في الخبر النبوي الأئمة من قريش.

ـ بحث في حديث سد الأبواب.

ـ الرد على ابن تيميه وأصحابه في اسم الشيعة.

ـ تعليقات على مباحث في كتاب إيثار الحق.

ـ بحث في مسائل الطلاق.

ـ تعليقات على مباحث في سبل السلام.

ـ تعليقات على الرسالة الوازعة للإمام يحيى بن حمزة.

ـ تعليقات على كلام ابن القيم في المؤاخاة ص56 من زاد المعاد.

ـ حاشية على قبض الشعاع للحسن الجلال.

ـ جواب أسئلة في زكاة المستغلات والشركة العرفيه.

ـ بحث في التوسل والرد على ابن تيميه.

ـ بحث في مسائل نص ابن تيمية على أن الخطأ فيها مغفور.


ـ بحث في كلام ابن تيميه في مقتل الحسين.ـ بحث في الصلاة على غير رسول اللّه منفرداً.

ـ تعليقات على تتمة الروض النظير والرد على من منع الخروج على الظلمة.

ـ الجواب على أسئلة في موضوع صلاة الجمعة وسجود التلاوة، والأجرة فيما يتعلق بالمعاملة والجمع بين الصلاتين.

ـ تعليق على هفوات مؤلف كتاب (علموا أولادكم حب آل البيت) في مسألة القضاء والقدر.

ـ حاشية على تفسير آية 37، 55 من سورة المائدة وآية (وجوه يؤمئذ ناظرة) من فتح القدير للشوكاني.

ـ حاشية على رسالة التحذير للإمام القاسم بن محمد.

ـ تعليق على المراد بالافتراق في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (البيعان بالخيار فيما تبايعا حتى يفترقا عن رضا).

ـ بحث في البيع والشراء في الدم ونقله من شخص لآخر ونقل الأعضاء.

ـ حواش على بهجة المحافل للعامري.

ـ بحث في جواز التصور الفوتوغرافي.

ـ فصل الخصام في مسألة الإحرام.

ـ وبحوث مختلفة (طبعت جميعها في مجلد باسم مجمع الفوائد).

/ ديوان شعر سمعت أنه تحت الطبع باسم (ديوان الحكمة) طبع

/ المختار من عيون الأشعار والآثار .

/ النسيم العلوي والروح المحمدي في خبر السيد الإمام اليحيوي أبي محمد محمد بن منصور المؤيدي (كتاب في سيرة والده ضمنه فصولاً كثيرة في تواضعه وحلمه وعلمه، وكلامه ووصاياه وما قيل فيه من المراثي).

وفاته رضوان الله تعالى وسلامه عليه

صعدت روحه الطاهرة المباركة الزكيّة مغرب يوم الثلاثاء السادس من شهر رمضان الكريم لعام 1428هـ.

 

 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

 

 

مجد الدين المؤيدي.. نصف قرن من صياغة الهوية المعاصـــــرة للزيدية

 

محمد عايش

 

في الذروة من مرحلة عاصفة في التاريخ المعاصر للزيدية .. في (18سبتمبر/2007 م) مرجع يجمع علماء مذهبه على منحه لقب "المجدد" ؛ اللقب نفسه الذي يمنح، في العادة ، لكبار أئمة ومؤسسي المذهب الزيدي منذ مطلع القرن الثاني للهجرة.

عن 96 عاماً ، وزهاء 7 عقود من التدريس والاجتهاد ، وقرابة نصف قرن من الإسهام الحاسم في تشكيل الهوية لزيدية ما بعد 2

6 سبتمبر 62م ، رحل العلامة مجد الدين المؤيدي ليترك برحيله فراغا سيلقي بظلاله طويلا ، على واقع واحد من التيارات الرئيسة : الدينية ، السياسية ، والاجتماعية ، في اليمن .

أما "المرحلة العاصفة" فهي هذه التي ينزف المذهب الزيدي تحت وطأتها منذ اندلاع حرب صعدة 2004 ، وأفضت حتى الآن إلى إغلاق أغلب المدارس الزيدية وتجميد مختلف أنشطتها العلمية والثقافية .

لم يكن الراحل طرفاً في الحرب أو هدفاً مباشراً لها ، لكنها في النهاية استهدفت كل ما يمثله وطالت بالأضرار مصالح تياره وطموحات أتباعه .

الأهم أن الحرب في وجهها الآخر ، جاءت نتاجاً لتاريخ طويل من علاقة غير ودية بين السلطات الحاكمة في صنعاء والتيار الزيدي الذي يدين في بلورة كثير من خياراته المعاصرة لاجتهادات ومواقف مجد الدين المؤيدي .

إستنادا لهذه الرؤية نضع اليد على مدخل مناسب لقراءة أولية في جوانب من شخصية الراحل وإسهاماته المعرفية والعملية:

ولد مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي عام 1332هـ ، لأسرة عريقة في العلم والسياسة ؛ والده كان

عالماً مبرزاً كما كان شخصية مقربة من الإمام المهدي محمد بن القاسم ، فيما والدته "أمة الله" هي ابنة الإمام المهدي نفسه.

برز علمياً في مرحلة مبكرة من شبابه ، وفي عهد الإمام أحمد حميد الدين ، سُجل أول اقتراب له من السياسة .

كان اقتراباً من بوابة الدين ، حيث أعلن معارضة حادَّة للإمام أحمد إثر سماح الأخير ببث الأغاني الوطنية ، المصحوبة بالموسيقى ، عبر إذاعة صنعاء حديثة النشأة آنذاك .

وجه رسالة ، بهذه المعارضة ، إلى الإمام تحولت لاحقاً إلى كتاب بعنوان "البلاغ الناهي عن الغناء وآلات الملاهي" ، والأقرب أن ما بدى معارضة فقهية انطوى على مباينة سياسية لنظام الإمام ، إذ لم يُسجَّلْ لاحقاً أي انخراط لمجد الدين في أي من المناشط الرسمية للمملكة المتوكلية كما لم يلتحق بأي منصبٍ حكومي ، وثمة تفسيرٌ شائع بأنه لم يكن يعترف في الأساس بأهلية الإمام أحمد للحكم .

رغم ذلك ، وبعد سنوات من نهاية الملكية ، سيؤلف العلامة المؤيدي كتابه "التحف.. شرح الزلف" مدونا فيه سير وتاريخ أئمة الزيدية بدءاً بالإمام علي بن أبي طالب وانتهاءً بالإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن حميد الدين .

التحول الكبير الذي طرأ مع ثورة سبتمبر 1962 .. وضع كل علماء الزيدية تحت طائلة امتحان عسير ؛ عشرات منهم تمت تصفيتهم جسدياً ، بعضهم وضع رهن الاعتقال ، وآخرون تركوا رهناً للمراقبة وتضييق الحركة .

لم يكن هذا هو الأخطر ، الخطورة القصوى كانت على الصعيد الأعم : حيث انهيار نظام الإمامة شكل في الواقع تهديداً وجودياً للزيدية بما هي مذهب فكري/ سياسي ضرب الانقلاب الجمهوري دعامته السياسية التي ظلت الرافعة الأهم لوجوده طوال قرون .

في تجربة التاريخ فإن الزيدية في العراق حين انتهى وجودها ، كمعارضة سياسية ، أواخر العصر العباسي ، انتهى وجودها 

، أيضاً ، كمذهبٍ فكري وفقهي .

وحين سقط حكم الزيدية في الجيل والديلم ( إيران) توقفت عن الاستمرار هناك كمذهب تعبدي.

لا يتعلق السبب بهشاشة فكرية أو فقهية من نوع ما ، بل بظاهرة أصيلة في الزيدية التي نشأت ، أساسا ، كتيار سياسي مرتبط بواقع المجتمع الإسلامي ووجوده الدنيوي ، وفقط في الفترات اللاحقة للتأسيس ( بعد المائة الأولى للهجرة) أُنْجِزَتْ ، تدريجياً ، نظريتها الفكرية والفقهية متخذة صيغة عقائد سياسية/ عملية ، أكثر منها غيبية/ إيمانية ( أبرز الأصول المميزة للزيدية عن غيرها من الفرق هي: الإمامة ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والخروج على الحاكم الظالم ، وهي قضايا متعلقة بمحض المُعاش الدنيوي) .

هذا الاشتباك بين الفكر والسياسة يفسر لماذا تستعصي الزيدية على التحول لمذهب "زوايا" يحافظ على الاستمرار عبر الشعائر وطقوس العبادات ، كحال عديد مذاهب ومدارس إسلامية أخرى ، كما يفسر أيضا لماذا انهيار الرافعة السياسة ( أيا كانت الرافعة : حكما أو معارضة ) يعني انهيارا للكيان الزيدي .

هكذا سيجد مجد الدين المؤيدي نفسه ، وهو أعلى مجتهدي مذهبه ، أمام مهمة جسيمة للحيلولة بين الزيدية ، بعد 26 سبتمبر ، وبين المصير الذي آلت إليه في العراق والجيل والديلم ، أو بينها وبين مصير ، أكثر شهرة ، هو مصير المعتزلة بعد انقلاب الخليفة العباسي "المعتصم" عليها كمذهب رسمي للخلفاء قبله .

بالفعل خاض المؤيدي ، منذئذ ودون تخطيط مسبق ، معركة وقائية أثمرت زيدية بهوية متجددة وقابلة للحياة ،سياسياً ؛ حافظ على انسحابه من الحياة السياسية ، تاركاً الحماس الثوري في صنعاء ليأخذ مداه خلال الجمهوريات الخمس وصولاً إلى عام 90 ، غير أن انسحابه لم يكن انسحاب المحايد أو غير المعني بالشأن السياسي ، لقد كان انسحابا إلى شكلٍ آخر من أشكال المعارضة هو "المعارضة السالبة" التي ترفض الاعتراف بشرعية ما هو قائم على صعيد الحكم والسياسة ، لترفض بالتالي التعامل مع أي من تفاصيله ، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمالات التعامل مع أي أوضاع جديدة لا تقوم على نفس الشروط والإكراهات الثورية المسيطرة حينها .

نخبة الزيدية ومقلدوها ، كما الحكومات المتعاقبة في صنعاء ، ظلت واعية بهذا الموقف للمؤيدي ، والذي ما لبث أن أصبح موقفاً لسائر علماء الزيدية ومثقفيها مع استثناءات قليلة جداً ، والحال أن خيارات الرجل المنطلقة من هذا الموقف تحولت لدى هؤلاء ، وآلاف من أتباعه ، إلى معيارٍ أعلى لما ينبغي وما لا ينبغي الإقدام عليه من علاقات مع النظام الحاكم .


عدم التفريق بين ملكية آل حميد الدين وبين الزيدية ، واستمرار حكومات الثورة في تبني خطاب تحقيري لـ "الرأس مال" الرمزي لهذا التيار ، وفَّرا مبرراً كاملاً لاعتماد المؤيدي هذا النمط من المعارضة ، ليتولًّد عن ذلك تاريخٌ من الشكوك المتبادلة بين السلطة والزيدية الدينية ( تمييزا لها عن الزيدية المناطقية التي ترتكز عليها شرعية النظام اليمني المعاصر منذ الثورة) .

لقد نجح العلامة المؤيدي إذاً ، في صياغة متحد سياسي جديد أمكن للزيدية الاعتصام به طوال عقود ، بعد أن ظل المتحد السياسي التاريخي للمذهب هو : إما المعارضة ، سلميا أو بالسلاح كالحال في العصرين الأموي والعباسي ، وإما الحكم عبر نظام الإمامة على النحو الذي استمر في اليمن حتى الستينات ، وقام قبل ذلك في أجزاء من المغرب العربي كما في جزء من إيران لشطر من الزمان .

المستوى الآخر لمعركة العلامة المؤيدي ، في سياق الحفاظ على كيان المذهب ، كان المستوى المعرفي :

عملية بعث قصوى للتراث الزيدي بذلها خلال عقود ، أثمرت كتبا وموسوعات ورسائل استقصت كل المقولات والعقائد الأساسية والثانوية داخل هذا التراث .

اتخذت عملية البعث هذه طابع الموسوعية والتأرخة ، وبدا أن الهدف الذي فرضته اللحظة التحولية هو التوثيق وإعادة إحياء قيم وأفكار المدرسة العريقة حفاظا عليها من الاندثار وتسهيلاً لنقلها عبر أجيال جديدة قادمة .

من هنا ألف موسوعاته في الفكر الزيدي من مثل " لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار وتراجم أولي العلم والأنظار" و " مجمع الفوائد المشتمل على بغية الرائد وضالة الناشد" و " التحف شرح الزلف" و " عيون المختار من فنون الشعر والآثار" وغيرها .

بالتزامن مع هذا الجهد قاد حركة تدريس عريضة في صعدة ، الطائف ، ونجران ، وهناك في صعدة وحدها 3 أجيال من العلماء تخرجوا على يديه أو على يدي تلاميذه ، وجميعهم يملكون الآن تأثيراً بالغاً في الجمهور الزيدي .

انسحاب مجد الدين المؤيدي من الحياة السياسية ، حتى العام 90 ، انطوى على رفض لمجمل ممارسات أنظمة ما بعد الثورة ، دون أن يمتد رفضه إلى شرعية النظام الجمهوري نفسه .

يتضح ذلك في مناقشته لإشكالية النسب وشرط " البطنين" ضمن نظرية الإمامة :

في كتاب " التحف" ، مثلاً ، يقول إن شرط الهاشمية في الإمام هو " مسألة استدلالية " وليس ضرورة من "ضرورات الدين" ، أي أن تجاوز هذا الشرط جائز ولا مشكلة دينية في ذلك .

مستعيداً في هذا السياق ، ممارسة تاريخية لأئمة الفقه والفكر الزيدي : إنهم كانوا يتعاملون مع من تولى الحكم من غير العلويين " وسار بالعدل وأقام أحكام الشريعة ؛ أحسن المعاملة ، كعمر بن عبدالعزيز ، وإنما يجاهدون من جار وظلم المسلمين" (التحف) .

هذه الزحزحة لمعيار "العنصر" وإحلال معيار "الحكم العادل" محله لا تفضي ، فحسب ، إلى انفتاح الزيدية على النظام الجمهوري ، بل تسقط ، في الواقع ، واحداً من العوائق المهمة بين الفكر السياسي الزيدي وبين إمكانية الالتحاق بالعصر .

وإذن فإن مقولة "الحاكم العادل" ونموذج "عمر بن عبدالعزيز" سيتم تداولها وتكريسها لتصبح جزءاً من الثقافة اليومية لنخبة الزيدية ومقلديها .

العام 1990 ، حدث متغير الوحدة الذي سيحرك كل المياه الراكدة ، بما فيها مياه الزيدية الدينية.

تبني الديمقراطية وإطلاق التعددية الحزبية والحريات السياسية ، قوبل باستجابة واضحة من قبل مجد الدين المؤيدي ، كما بقية العلماء ، للانخراط في العملية السياسية والتنافس على مواقع الحكم والقرار .

فكرة تأسيس حزب الحق تبلورت لدى العلماء في صنعاء وطُرحت على العلامة المؤيدي في صعدة.

ظهر اسمه على رأس قائمة المؤسسين ، وتولى بعد إشهار الحزب رئاسة هيئته العليا .

بالتزامن مع تأسيس الحزب ، أُعلن ما عُرف ببيان علماء الزيدية ؛ البيان الذي تضمن فتوى بتجاوز فكرة الإمامة والنسب وتبني الديمقراطية وخياراتها كوسائل للحكم والوصول إليه .

لقد كان البيان ، في الواقع ، وخصوصاً في جانبه الأول (الإمامة وشروطها) تحصيل حاصل للمعالجة التي نفذها المؤيدي لهذه القضية أواسط السبعينيات .

عام 93 خاض حزب الحق الانتخابات البرلمانية مراهناً ، بشكل أساسي ، على دوائر محافظة صعدة ، نفوذ مجد الدين المؤيدي على العلماء والجمهور الزيدي هناك ، كان ركيزة هذا الرهان.

6 دوائر انتخابية، في المحافظة ، نافس فيها الحزب ، بعد أن حصل كل مرشح من مرشحيه الـ 6 على تزكية من قبل المؤيدي .

الاستقطاب الحاد لناخبي صعدة بين المؤتمر الشعبي العام وحزب الحق أظهر نفوذاً كبيراً للأخير استناداً إلى تأثير المؤيدي ، وعلماء آخرين ، في الجمهور هناك .

وفقاً لبيانات حزب الحق آنئذ فإن المؤتمر الشعبي لجأ إلى حسم المعركة عبر التحايل على عملية الاقتراع والفرز ، ما أدى في النهاية إلى فوز اثنين فقط من المرشحين الـ 6 للحزب فيما سقط الـ 4 الآخرون ، وبينهم حسين مجد الدين ، نجل العلامة المؤيدي نفسه .

بمعزل عن النتيجة المعلنة ، فإن واقع التصويت والاستقطاب السابق له حولا انتخابات 93 إلى مؤشر بالغ الدلالة على إمكانات هذا التيار الديني في استعادة النفوذ والتأثير بعد "إسبات" قسري خضع له لـ3 عقود .

إن فعالية رمزية مثلاً ، من فعاليات حزب الحق التي أقيمت برعاية مباشرة من المؤيدي ، هي مخيم الفتح في صعدة ؛ شارك فيها نحو 25 ألف شخص .

 

خلف المشاركة السياسية كان الهم الأساس "إحياء المذهب" وتعميق الولاء له لدى أتباعه ؛ في كتاب "لوامع الأنوار" ينقل المؤيدي نصاً لصارم الدين الوزير ، أحد الأعلام التاريخيين للزيدية ، يتحدث فيه عن الدور الحاسم لـ"الدولة" في دعم المذاهب ونشرها والحفاظ عليها ، وعن الكيفية التي كان "مذهب آل البيت" يزدهر بها طالما كانت دولتهم "قائمة وظاهرة" ، ليخلص إلى أن المذاهب "تتقوى بقوة الدول وتضعف بضعفها" .

الحريات السياسية والفكرية ، التي أطلقت في البلاد العام 90 ، مثلت التعويض المناسب لغياب هذه "الدولة" التي ترعى "المذهب" ، حيث الجميع في ظل قيم الحرية والتعدد قادرون على ممارسة أنشطتهم الدينية ورعاية مذاهبهم بأنفسهم .

هكذا بدا أن دعم المؤيدي لانخراط أبنائه وأتباعه في الممارسة السياسية.. هو نوعٌ من إظهار الامتنان لقيم التعددية نفسها ، أو لنقل "مباركة" لها بما هي أمرٌ حيوي لجماعة دينية تبحث عن إعادة الاعتراف والقبول بها كمكون من مكونات المجتمع .

ما من نص أو رأي علني أطلقه المؤيدي بهذا الخصوص ، لكنه استنتاج خاص من قراءتي لطبيعة الحراك الذي قاده منذ العام 90 ، إنه الحراك الذي تُرك هامشه ، فقط ، للنشاط السياسي والحزبي ، فيما انصرف بحيوية أكبر نحو المناشط الدينية التعليمية .

ومعه بدأت صعدة في العودة إلى مكانتها ككرسي للزيدية ، وفقاً لتسمية تقليدية .

برعاية مباشرة من مجد الدين المؤيدي إضافة إلى بدر الدين الحوثي ، الرجل التالي له في قائمة كبار مراجع الزيدية ، ترجمت عشرات المدارس والمساجد هذه العودة عبر استقطاب آلاف الطلاب و"المهاجرين" لتلقي العلوم الشرعية .

وفي الواقع فإن "صحوة" المدرسة الزيدية ، المستفيدة من الانفتاح السياسي ، لم تقتصر على صعدة وحدها ، بل امتدت إلى معظم الرقعة الجغرافية التي عرفت ، تاريخياً ، كمنطقة حاضنة للمذهب الزيدي ، وهو ما بدا بالنسبة للنظام الحاكم في صنعاء أمراً جدَّ خطير :

إن تنامي هذا النشاط الديني داخل المنطقة التي ينتمي إليها الحكم هو ، بنظره ، تفريغ بطيء للعصبية القبلية ، التي يستند إليها في شرعيته ، لمصلحة عصبية أخرى هي العصبية المذهبية التي تدين بالولاء لـ"العالم" و "المذهب" مقابل "الشيخ" أو "المنطقة" .

المبادرة لتفادي هذا الخطر جاءت في شكل تغذية رسمية لخلافات داخلية ما لبثت أن شطرت الحراك الزيدي في صعدة إلى نصفين ؛ مجد الدين المؤيدي على رأس النصف الأول ومعه معظم العلماء المعروفين هناك ، وبدر الدين الحوثي على رأس جماعة "الشباب المؤمن" مشكلاً مع أبنائه ووجوهاً صاعدة في النشاط المذهبي ؛ النصف الثاني .

بدأ الانقسام على شكل خلاف بين محافظين ومعتدلين ، لكنه استفحل ليلامس ، في النهاية ، صيغاً من العراك العنصري .

لم يكن الخلاف ، ولم يمارس بأي قدر ، بين المؤيدي والحوثي الأب ، فالمعارك الكلامية دارت بين أتباعهما ، فيما اكتفى كلٌ منهما بتوجيه انتقاداته لأتباع الآخر .

تدريجياً ، ومع بداية النصف الثاني من التسعينيات ، سينضج الصراع وتتضح معالمه أكثر ، فيما تدخل السلطة سيزداد اتساعاً .

القيادة العسكرية ومحافظ صعدة اضطلعا بدور حاسم في تصعيد حدة الاستقطاب بين الطرفين ، كما كان لمشائخ القبائل حضورهم الفاعل في التفاصيل .

بالتزامن ، وداخل جماعة "الشباب المؤمن" ، تراجع أبناء بدر الدين الحوثي "حسين ، محمد ، ويحيى" إلى الظل في هذا النزاع ، ليتصدر المعركة مع مجد الدين وأتباعه جناح آخر في الجماعة هو جناح محمد عزان ، الذي يضم إلى جانبه عبد الكريم جدبان وعلي أحمد الرازحي ، وثلاثتهم عند تأسيس منتدى "الشباب المؤمن" ، وجوه بارزة في الجيل الجديد من تلامذة المؤيدي والحوثي .

ألف الرازحي كتيباً في العقيدة اعتبرت جماعة "العلماء" بعضاً مما ورد فيه "خروجاً" على عقائد "آل البيت" ، وقام عزان وجدبان بتحقيق كتب من التراث الزيدي تدخلا فيها بتعديل بعض مفردات النصوص الأصلية أو حذف فقرات منها ، نزولاً منهما عند رغبة "الانفتاح والتسامح" تجاه المذاهب الأخرى ، العلماء رأوا في الأمر "تزويراً وتشويهاً" متعمداً لكتب الأئمة ( من وجهة محايدة فإن تحكيم المعيار الأخلاقي ، على حساب المعيار العلمي ، في تحقيق التراث هو أمر خطير وذو نتائج مكلفة على الصعيد المعرفي : مثلاً المفردات والمصطلحات الحادة التي استخدمها ابن حريوه السماوي بكثرة في كتابه "الغطمطم الزخار" لنعت خصمه الشوكاني ، تحمل وحدها مخزوناً هائلاً من الدلالات على واقع نفسي واجتماعي واقتصادي لعصر بأكمله هو عصر تأليف الكتاب ، لقد حذفها عزان ، فقط ليظهر المؤلف في صورة لائقة) .

استغرق هذان الأمران المساحة الأوسع من مبررات الخلاف ، وبغض النظر عن تفاصيل عديدة ، فإن ما أظهره الانقسام هو حجم المكانة المرجعية التي مثلها المؤيدي لدى الزيدية ؛ لقد تم التعامل مع المواقف والآراء التي صدرت عنه بالتقديس نفسه الذي تحاط به نصوص ومواقف الشخصيات التاريخية "الملهمة" في الوعي الديني ، وهي هنا شخصيات الأئمة المؤسسين .

طبيعة الردود و "الدفاع" من قبل "الشباب المؤمن" كانت ، نفسها ، مسكونة بهذه الهيمنة لشخصية المؤيدي ؛ وهي تعاملت معه فعلاً كإمام ، لذلك كان الهاجس الذي اشتغلت عليه الجماعة ، تحديداً جناح عزان ، هو التقليل من شأن "الإمام" في التاريخ .. تمهيداً للوصول إلى التقليل من شأن المؤيدي ؛ هكذا استعيدت مقولات يعترف بها الفكر الزيدي من مثل إن "أئمة آل البيت ليسوا معصومين بأفرادهم بل بجماعتهم" ، وفي خطوة متقدمة استعاد محمد عزان قضية تاريخية ليستدل بها على أن الأئمة قد يخطئون ، وهي قضية المطرفية والإمام عبدالله بن حمزة ، في محاولة لإسقاط ما اعتبره عزان خطأً ارتكبه هذا الإمام ؛ على تعامل المؤيدي مع "الشباب المؤمن" الذين بدوا ، وفقاً لهذه الاستعادة ، في موقع المطرفية "المظلومة" من قبل ابن حمزة !!!.

مع تردي جماهيرية جناح عزان ، تدريجياً ، بدأ أعضاؤه باللجوء لسلاح أكثر قسوة ؛ إذ أخذوا يطرحون أن المعركة ضدهم تشن في الأساس لأنهم ، ثلاثتهم ، "غير هاشميين" !! .

لم يجد المؤيدي وسيلة معقولة للرد على هذه التهمة ، التي بدت وفقا لتعامله معها مؤلمة جداً له ، فلجأ إلى الوسيلة التي لا تستخدم في العادة إلا عند نفاد إمكانيات الحوار المنطقي ، وهي اليمين ؛ إنه اليمين الذي سيتخذ قيمة رمزية كبرى وسيتم تداوله وإرفاق نصه بصور المؤيدي لدى كل أتباعه ، كما أنه اليمين الذي ستخف بعده حدة الخلاف قبل أن تنتهي الأمور إلى الحرب الحكومية ضد جناح بدر الدين الحوثي وأبنائه في "الشباب المؤمن" وانقلاب جناح عزان على الجماعة والتحاقه العلني ( باستثناء الرازحي) بالمؤيدين للحرب ، التي رفضها المؤيدي من جهته ولم يمنحها هو أو أي من العلماء الموالين له أية شرعية رغم محاولات حكومية كبيرة لجرهم إلى ذلك.

أستحسن إنهاء الموضوع بنص اليمين:

" قسماً بالله العلي الكبير ، قسماً يعلم صدقه العليم الخبير ، أن لا غرض لنا ولا هوى ؛ غير النزول عند حكم الله ، والوقوف على مقتضى أمره ، وأنّا لو علمنا الحق في جانب أقصى الخلق من عربي أو عجمي أو قرشي أو حبشي لقبلناه منه ، وتقبلناه عنه ، ولما أنفنا من اتّباعه ، ولكُنّا من أعوانه عليه وأتباعه ، فليقل الناظر ما شاء ، ولا يراقب إلا ربه ، ولا يخش إلا ذنبه ، فالحكم الله ، والموعد القيامة ، وإلى الله ترجع الأمور ".

.............

 نشر في صحيفة "الشارع" في سبتمبر 2007م

 -----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

في الذكرى الخامسة لرحيل الإمام مجد الدين بن محمد المؤيدي:


الشمس لا ترحل ولكن تذهب للجانب الآخر لتضيء للآخرين .. كما تضيء لنا حياتنا بإشراقاتها العلمية

 

الأمة/ عبد الرحمن الأهنومي

حين طلبت من الكثير ممن عرفوه وعاصروه وغرفوا من علمه الكتابة عنه يتلعثمون قائلين "نشعر بقصور كبير عن أن نكتب فنوفِّي فقد كان الإمام مجد الدين سلام الله عليه عملاقًا يتضاءل بجانبه كل مارد ويعجز قلمٌ أو لسانٌ أن ينصفه بين الناس أو يوفِّيَه حسابَه ونحن حين نذكره كإمامٍ للجيل نذكر معه حديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: "إن الله ليرسل لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها أمر دينها" نجد أن الإمام مجد الدين يبزّ أقرانه من أئمة القرون ويفوقهم ويرتفع فوقهم درجات من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

قيل قديماً " ليس للعظمة مقياس خاص فقد يكون العظيم عالمًا أو فاتحًا أو مخترعًا أو مربيًا روحيًّا أو زعيمًا سياسيًا ولكن أجدر العظماء بالخلود هم الذين يبنون الأمم وينشئون الأجيال ويغيرون مجرى التاريخ والإمام مجد الدين المؤيدي كان أحد هؤلاء الخالدين فكلما باعدت الأيام بيننا وبين يوم وفاته ازدادت شخصيته وضوحا وإشراقا وإثارة نورا وبهاء إنه كاللوحة الفنية البديعة كلما ابتعدت عنها محملقا في روعتها كلما وضح أمام ناظريك رواؤها ودقة الإبداع فيها إنه مجدد الزيدية ومحيي روحها المتجددة.

صاحب دستور} قَسَمَاً بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيْرِ، قَسَمَاً يَعْلَمُ صِدْقَهُ الْعَلِيْمُ الْخَبِيْرُ أنْ لا غَرَضَ لَنَا وَلا هَوى غَيْرَ النُّزُولِ عِنْدَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوُقُوفِ عَلَى مُقْتَضَى أَمْرِهِ، وَأَنَّا لَو عَلِمْنَا الْحَقَّ فِي جَانِبِ أَقْصَى الْخَلِقِ مِنْ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيِّ، أَو قُرَشِيٍّ أَوْ حَبَشِيِّ لَقَبِلْنَاهُ مِنْهُ، وَتَقَبَّلْنَاهُ عَنْهُ، وَلَمَا أَنِفْنَا مِن اتِّبَاعِهِ، وَلَكُنَّا مِنْ أَعْوَانِهِ عَلَيْهِ وَأَتْبَاعِهِ، فَلْيَقُلِ النَّاظِرُ مَا شَاءَ، وَلا يُرَاقِبْ إلاَّ رَبَّهُ، وَلا يَخْشَ إلاَّ ذَنْبَهُ، فَالْحَكَمُ اللَّهُ، والْمَوعِدُ الْقِيَامَة، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ{

 

مجد الدين..الهوية الزيدية المعاصرة:

 

ولد الإمام مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي عام 1332هـ ، بالرضمة من جبل برط من أسرة عريقة في العلم والسياسة والده محمد بن منصور المؤيدي كان عالماً مبرزاً كما كان شخصية مقربة من الإمام المهدي محمد بن القاسم والدته "أمة الله" ابنة الإمام المهدي نفسه برز علمياً في مرحلة مبكرة من شبابة عاش مع والده وأسرته في مسقط رأسه بالجوف لينتقل مع أسرته إبان الستينيات آوان الحرب اليمنية بين الجمهوريين والملكيين, إلى نجران في جنوب السعودية ليستقر بها, وهنالك أحاط به طلاب العلم، ثم انتقل إلى الطائف ، فما زال يَتَنَـقَّل بين نجران والطائف وجدة والرياض ومكة والمدينة وصنعاء وصعدة.

عاش شبابه آوان حكم الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين لليمن وسجلت بعض المواقف له معارضة لأحمد حميد الدين فسرت أنها كانت من باب النصح والإرشاد ، وثمة تفسيرٌ شائع بأنه لم يكن يعترف في الأساس بأهلية الإمام أحمد للحكم..

التحول الكبير الذي طرأ مع ثورة سبتمبر 1962 .. وضع كل علماء الزيدية تحت طائلة امتحان عسير ؛ عشرات منهم تمت تصفيتهم جسدياً ، بعضهم وضع رهن الاعتقال ، وآخرون تركوا رهناً للمراقبة وتضييق الحركة..

بعد ذلك وجد الإمام مجد الدين المؤيدي نفسه أمام مهمة جسيمة للحيلولة بين الزيدية بعد 26 سبتمبر وبين المصير الذي آلت إليه الزيدية في العراق والجيل والديلم لكنه خاض معركة وقائية أثمرت زيدية حية متجددة حفظ بذلك مسار المذهب الزيدي واستطاع أن يتجاوز به محطة مهمة ومفصلية لربما كانت نهايته فيها.

بقراءتنا لنظرياته التي تتميز بالروح العقلانية والواقعية العلمية والتي استطاع من خلالها أن ينتج ثقافة منفتحة على الثقافات الأخرى وفي نفس الوقت لم يهمل التراث الزيدي فنجد أن من أوائل مؤلفاته هو التحف.. شرح الزلف.. دون فيه سير وتاريخ أئمة الزيدية بدءاً بالإمام علي بن أبي طالب وانتهاءً بالإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن حميد الدين.

استمر في نهجه المعرفي للحفاظ على الكيان الزيدي عقود من الزمن واستطاع أن يحقق عملية بعث قصوى للتراث الزيدي بذلها خلال عقود أثمرت كتبا وموسوعات ورسائل استقصت كل المقولات والعقائد الأساسية والثانوية داخل هذا التراث وكان مدركاً أن تلك اللحظة التحولية تفرض عليه التوثيق وإعادة إحياء قيم وأفكار المدرسة العريقة حفاظا عليها من الاندثار وتسهيلاً لنقلها عبر أجيال جديدة قادمة.

من هنا ألف موسوعاته في الفكر الزيدي من مثل "التحف شرح الزلف" لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار وتراجم أولي العلم والأنظار" و " مجمع الفوائد المشتمل على بغية الرائد وضالة الناشد " وعيون المختار من فنون الشعر والآثار" وغيرها .

بالتزامن مع هذا الجهد قاد حركة تدريس عريضة في صعدة ، الطائف ، ونجران ، وهناك في صعدة وحدها 3 أجيال من العلماء تخرجوا على يديه أو على يد تلاميذه ، وجميعهم يملكون الآن تأثيراً بالغاً في الجمهور الزيدي.

سياسياً حافظ على انسحابه من الحياة السياسية في العقود الأولى لما بعد 26 سبتمر مستمراً في اتجاهه المعرفي والعلمي ومستعيداً في هذا السياق ممارسة تاريخية لأئمة الفقه والفكر الزيدي التي حدثت أثناء حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز مثلاً.

 

الحكم العادل:

قال الكاتب و الصحفي محمد عايش أن الإمام استطاع أن يحل معيار "الحكم العادل" محل معيار أحقية الخلافة مستفيداً بذلك من تعايش ائمة المذهب الزيدي تأريخياً مع من حكموا بالعدل وبذلك أوجد انفتاحاً زيدياً على النظام الجمهوري ليأتي عام 90 الذي أعلن فيه قيام الوحدة وتبني الجمهورية اليمنية الديمقراطية وإطلاق التعددية الحزبية والحريات كل ذلك قوبل باستجابة واضحة من قبل الإمام مجد الدين المؤيدي كما بقية العلماء للإنخراط في العملية السياسية وبالتالي تبلورت فكرة تأسيس حزب الحق لدى العلماء في صنعاء وطُرحت على العلامة المؤيدي في صعدة وكان ذلك بمثابة تحصيل حاصل لجهوده في الفترات السابقة كما قال "محمد عايش" ليكون اسمه على رأس قائمة المؤسسين وتولى بعد إشهار الحزب رئاسة هيئته العليا والذي كان من أهم مبادئه السياسية هي العمل على ترسيخ النظام الجمهوري وبناء الدولة اليمنية المدنية الحديثة بما يتفق مع مبدأ الشورى في الإسلام ووفقاً لمبادئ الثورة اليمنية.

 

مؤسس الصحوة الزيدية:

استطاع الإمام الراحل مجد الدين المؤيدي أن يوجد صحوة زيدية مستفيدة من الإنفتاح السياسي لم تقتصر على صعدة وحدها بل امتدت إلى معظم الرقعة الجغرافية اليمنية.

كان رحمه الله صاحب رسالة وكان موفَقاً كل التوفيق حيث لمس حقيقة الداء وعالجه بأنجع دواء حتى إذا ما وافاه الأجل المحتم كان قد بلغ الآلاف المؤلفة وقابل ربه بنفس راضية مطمئنة أثابه الله بقدر نفعه للوطن وللمسلمين وأسكنه فسيح جناته..

 

رحيل الشمس:

قد نقول رحيل الشمس مع أن الشمس لا ترحل بل تذهب للجانب الآخر لتضيء للآخرين كما أضاءت لنا حياتنا بإشراقاتها العلمية ..

صعدت روحه الطاهرة المباركة الزكيّة مغرب يوم الثلاثاء السادس من شهر رمضان الكريم لعام 1428هـ..

 

قالوا عنه:

• القاضي والعلامة/عبدالله بن محمد الشاذلي يتحدث ألينا بعد طلبنا منه أن يقول ما يراه في هذا الإمام قائلا :

الانسان يتلعثم عند الكلام عن مثل هذا العلم الشامخ ويتحير من اين يبدأ وما يقدم وما يؤخر لا لقلة ما يعرفه الإنسان عن هذا الإمام ولكن حياء من الله ومن الناس أن لا يوفي هذا الإمام حقه ولكني تذكرت أن توفيت حقه ليس أمراً سهلاً ولا ممكناً كيف لا وأخلاقه تذكرك الأخلاق المحمدية وعلومه تدعوك إلى الإنقياد إليها شئت أم أبيت لشدة أحكام الأدلة التي يستدل بها وظهور الإنصاف الشديد مع الخصوم وشدة التحرز من الوقوع في الباطل وجودة الفكر عند المناظرة حتى لقد أجبر مخالفيه قبل محبيه على إجلاله وتعظيمه.

ويواصل كلامه قائلاً شغف بالعلم حتى صار لا يفرغ شيئا من أوقاته لغيره وحتى قدمه على طعامه وتنزهاته من جلس معه لم يرد مفارقته وكان جليسه في رياض الجنة التي لا يرد التحول عنها ترى في عينيه شوقاً إلى من يلقي إليه بالعلوم التي تحملها يكاد أن يقفز من السرور لرؤية طالب مجد تتبين السعادة في وجهه عند ما يرى كتاباً قدرطبع أوعلماً قد نشر أو إشكالاً قد حل أو شبهةً قد فضحت ، ملئت كراماته أيام حياته فقل من له صحبة له إلا وقد رأى منها الكثير الطيب.

الدنيا عنده لاشي لم يلتفت إليها ولم تره يعرها هي ولا أهلها أي اهتمام يذكرك بزهد العارفين وعبادة المستبصرين وورع الخائفين وخشوع المقربين يصغر بين يديه كبار الدنيا وزعماؤها وتدين بتعظيمه وإجلاله ترى العلماء عنده تلالاً عند جبلٍ وأقزاماً عند عملاق والقوم والقرآن فاعرف قدرهم ثقلن للثقلين نص محمد ولهم فضائل لست أحصي عدها من رام عد الشهب لم تتعدد وصلى الله على سيدنا محمد واله الطاهرين

 

• أما الكاتب الأستاذ: عبدالكريم الخيواني لم يزد على أن قال :

((فكرةٌ.. تتهاوى أمامه كل الأفكار)

 

• الأستاذ محمد أحمد مفتاح يكتب عنه عبارات قلائل ويقول :

كان نهج الإمام مجد الدين هو (إحياء نهج البحث والتحقيق والتعامل الحكيم والتفاني في خدمة العلم)

 

• ويقول الباحث والمحقق الأستاذ عبدالسلام الوجيه :

(كان الإمام في قمة العلم والزهد والتواضع والورع والإخلاص وبحر لا ينضب ومثال للصفاء والنقاء وإمام من ائمة آل البيت الكرام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) فسلام الله عليه يوم ولد يوم مات ويوم يبعث حياً..

سلام الله عليك وسلامه يا سيدي يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حياً.. لمست حقيقة الداء وعالجته بأنجع دواء يا من بفضله أعدت الحياة لتراث كاد يسحق ويلتهم من قبل أعداء الفكر والعلم والمعرفة أوجدت جيلا متسلحاً بالعلم والمعرفة يقود الأمة إلى بر الأمان ستبقى أنت الروح الحية والمتجددة لفكر أجدادك زيد بن علي والهادي يحيى عليهم السلام..

 

• و يقول الكاتب الصحفي علي جاحز عن الإمام مجد الدين المؤيدي : 

كان إمام هذا العصر الفقير إلى إمام ، أغنى اليمن بشخصه و علمه و فكره عن الاستجداء العلمي و الفكري ، و استطاع ان يقف بوجه مرحلة ملئت مؤامرات كانت تريد أن تنقض على المذهب الزيدي في اليمن ، بحكمته أحاط الزيدية بأسوار منيعة و بعلمه استطاع أن يعيد للمذهب اعتباره ..

الإمام مجد الدين المؤيدي رحمه الله لايزال مرجعا للعارفين و ملاذا للسائلين و منبرا للفصحاء و المتحدثين و نظرة ثاقبة في شئون الدنيا و الدين ، نقرأ من خلاله التاريخ و نستنير بضوئه لقراءة الحاضر و نستشف من فراسته الغد الغامض ..

رحمة الله شملته و أسكنته فسيح الجنان