الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019  
11. ربيع الآخر 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

الشاعرة سبأ عباد:

الشعر هو الوطن الذي نفر إليه كلما شعرنا بالعجز عن الحياة في واقع لا يليق بأحلامنا

 

حرف مختلف .. وصوت نسوي لا يشبهه سواها .. من أبرز الأصوات الشعرية النسوية الالفينية في اليمن ..تكتب القصيدة بمختلف أنماطها .. سبأ محمد عُباد ، شاعرة تشعرك كتاباتها بنبل الحرف وبمعنى الشعر المتجرد من العبثية والسريالية المفرطة حد الهذيان .. ومن منطلق اهتمام الصحيفة بالحركة الأدبية في اليمن كان لنا شرف محاورتها في هذه النافذة المحدودة .. فإلى الحوار

 

حاورها/ عبدالقوي محب الدين

بين الهواية والهوية ... كيف تصف لنا سبأ عباد علاقتها بالشعر؟

الهواية.. جزء لا يتجزأ من الهوية ..فبالهواية يتم قراءة الهويّة وسبر أغوارها ورسم ملامحها.. علاقتي بالشعر علاقة لا تتسع لوصفها كل القواميس.. بدأت بصداقة مبكرة ثم تطورت إلى الحب.. نشأنا معاً في علاقةٍ خفيةٍ بعيداً عن أعين القبيلة ، وترعرعنا معاً في ذات العلاقة إلى أن أفصح كلٌّ منا عن الآخر، في وقتٍ متأخر من الحب، ولسان حالنا يقول:

قلمي هنا المصلوب يا زيف الصحافة والجرائد

صلبــــــــــوه ما بين القبيلة والسياسة والمعابد

فبأي قافيـــــــــة أنوحُ ؟وأي معتصـــمٍ أُناشد؟

ما مدى انتماء "راهبة القصيدة" الى ذات سبأ؟ وهل يصف هذا اللقب صلواتها المبتهلة على المقامات الصوفية في بعض أعمالها.. أم أن هذه الأعمال محاولة لتجسيد لقب الرهبنة؟؟

كلّ الأسماء تُنسب إلى أصحابها دون علمهم.. وراهبة القصيدة اسم اخترته وفضلته على كثير ٍ مما أطلق عليّ تفضيلا.. لذلك أعتقد أنه الاسم الشرعي الذي يمكن أن أدلل به نفسي كثيراً، عندما يضعني اسمي بين قوسين لا فكاك منهما ، ما يذكرني بأُحادية الخيارات التي تفرض علينا ابتداءً بأسمائنا .. لذا علاقتي به علاقة حميمة جداً فقد اختارني بعناية كما اخترته بشغف ،وبالطبع نصوصي ليست تجسيدا للقب الرهبنة لأن هذا اللقب جاء إسقاطاً على ما تم إنتاجه من أعمال قُبيل إصدار مجموعتي الأولى.. وهذا يعني أن اللقب جاء وصفاً لأعمالي الأدبية لا تجسيداً لها..

ما هو الشعر من وجهة نظرك؟؟ ومن هي الشاعرة التي تريدين أن تكوني؟

الشعر هو اللغة التي نرتكب على أرضها حماقاتنا ..والوطن الذي نفرُّ إليه كلما شعرنا بالعجز عن الحياة في واقعٍ لا يشبهنا ولا يليق بأحلامنا.. فالقصيدة معملٌ آخر نقيم عليه كل تجاربنا في الخلق التي لا يمتلك الواقع مكونات مفرداتها ولا أدوات وتراكيب ومكونات أجزائها..

إلا أن كل هذا يمكن أن ينطبق على غيره من الفنون الأدبية كالنثر ، لذا فالشعر مخلوقٌ أدبي جاء متفرداً بضوابط وسمات تُميزه عن غيره من الفنون الأدبية كالنثر أو السرد فبينهما أمور متشابهات لا يفقهها إلاّ(شاعر)

أما الشاعرة التي أريد أن أكونها فهي بالطبع (سبأ عُباد)

ولكن ليس بإمكان خيالي الوقوف عند نقطةٍ ما لوصف ملامحها المستقبلية ولكنني حتماً (سأكون يوماً ما أريد)وما أريده لا حدود له ولا سقف..

ما تقييمك للمشهد الشعري الحالي.. وعلى وجه الخصوص المشهد النسوي؟

المشهد الشعري رغم اتساع رقعته وزحمة سكانه ،وتطور إمكانياته، إلا أنه كان أفضل مما كان عليه اليوم وذلك لأسباب عدة أهمها :

 غياب الجانب النقدي الذي ما زال يعبُّ في سباتٍ عميق ، وإن وُجد فهو عاجز عن تجاوز المألوف ،عاجز عن التحرر من الرؤى والأفكار الموروثة القديمة ، إلا من رحم الله ..هذا ما يخص الجانب النقدي أما ما يخص الجانب الشعري نفسه فمن ذلك: أن اللغة الشعرية المفتعلة والمبالغ فيها وفي ظل تدني المستوى الثقافي لدى المتلقي وغياب لغة التواصل بين الطرفين كل ذلك أحدث إرباكاً لدى القارئ وخلق فجوة كبيرة ما بين الشاعر والمتلقي ، فأصبح الشعر محصورا بين الشاعر والشاعر أو الشاعر والمثقف عامةً، لذا نجد انزياحا كبيرا وهروبا لدى جمهور الشعر نحو الشعر الشعبي أو النبطي الذي لا يستغلق عليهم فهمه والتحليق معه .. وبالمقابل وجود الكثير من المحسوبين على الشعر وليسوا منه ، سبّب أزمة ثقة أفقدت الشاعر ثقته وهيبته أمام جمهوره ، لذلك كله أصبح الشاعر يمثل دور الشاعر والجمهور ، المُلقي والمتلقي معا ، فعندما تحضر الفعاليات الشعرية تجد أن الجمهور هم الشعراء ،والشعراء هم الجمهور ، وهذا بالطبع يُفقد الشعر دوره الأساسي في التغيير والتطوير ،ويضعنا مباشرة ً أمام مقولة (الفن للفن) التي لا أتفق معها ، إذ من المفترض أن تكون القصيدة رسالة متواصلة بين الشاعر والجمهور عامة .. وأخيراً : تشعّب الشعراء وتشتتهم والالتفاف حول شكل شعري معين ، دون الانفتاح على الآخر أو حتى الاعتراف به، كالتفاف من يُطلق عليهم بالحداثيين حول ما يُسمى بقصيدة النثر مثلا، وإنكار جدوى ما كان دونها ،مع أن الحداثة لا تتنافى مع أي شكل شكل شعري ..

ومثل تعصب أصحاب العمود للعمود الشعري وأنكار ما دونه أيضا ، وهنا أعتقد أن المشكلة تكمن في الخلط ما بين الفنين ، فن الشعر وفن النثر، إذ لكل منهما خصوصيته ومقوماته وأساسياته وأدواته المعترف بها، ولا يمكن الخلط بينهما وقراءة أحدهما بواسطة أدوات الفن الآخر ولا يحق لأحدهما أن يلغي الآخر كما يحدث ، فكل منهما فن قائم بذاته ..

والمشهد الشعري النسوي جزء من المشهد الشعري ككل ،ينطبق عليه كل ما ذكر بعيدا عن التجزئة والتخصيص ..

مع ذلك المشهد الشعري النسوي إن صح التعبير في تطور وإن لم يكن بالشكل المطلوب إلا أن هناك أسماء ً استطاعت أن تصل إلى مراحل متقدمة ومشرفة ولكنها قلة، ولن يتطور بالشكل المطلوب إلا عندما يُنظر إليه كأدب عام مثله مثل غيره ،ولا يُنظر إليه بخصوصيه، فحضور النتاج الأدبي للمرأة لابد أن يكون قوياً ومشرّفاً أمام الحضور الطاغي لنتاج الرجل الأدبي..

ما هي حدود الحيرة المستديرة حول إغفاءتك التي شهد النقاد بنجاحها في قضم النوم الأدبي؟ وهل تجدين أن الدراسات النقدية حول مجموعتك الأولى قد لامست البعد الانساني الذي عشتيه في هذه المجموعة؟؟

مجموعتي الأولى كانت ضمن ولادة جماعية لعشر مجموعات أخرى ضمن كتاب سماوات ، ما شكّل عبئا ً كبيرا على النقاد حسب ما وصلني من البعض ، فقد وجدوا أنفسهم بين خيارين ،إما أن يقدموا دراسات لـ 11 مجموعة وهذا صعب من ناحية الجهد ومن ناحية الذوق أيضا، وإما أن يعزفوا عن تقديم دراسة لأي منها وهذا ما حدث ..

هذا إذا ما تحدثنا عن الدراسات الأدبية الجادة والموسعة .. فهناك من عرج على تلك المجموعات بشكل سريع ومختصر وأبرزهم الدكتور عبدالعزيز المقالح والدكتور حاتم الصكر والناقد والشاعر حاتم شراح و هذا ما نُشر ..

وهناك من قدم لي دراسات نقدية لا بأس بها قُدمت حول مجموعتي خاصة ،اطلعت عليها، ولكنها للأسف لم تُنشر حتى الآن ولا أدري لمَ؟

أما من ناحية البعد الإنساني فلا أظن أن جميع ما قُدم قد لامس البعد الإنساني الذي عشته ومن خلاله كانت المجموعة، باستثناء الدراسة التي أعدها الناقد صدام الشيباني والتي لم تُنشر أيضا..

قد لا يعرف الكثير أن سبأ عباد تكتب الشعر بالمفردة الشعبية أيضا ، فما هي ملامح قصيدتك الشعبية؟ وما رأيك في المحاولات الشعبية الحداثية لبعض الشعراء الشباب؟

ملامح قصيدتي الشعبية لا تختلف عن ملامح قصيدتي الفصحى ، أي أنها عمودية أيضا

من فوق غصن المنى سافر فؤادي وخاطر يجمع فصوص الوعود

يعزف شجوني أغاني يلعب بها حظ عاثــر

وأنت تعـــزف رعود!!

ولكنني لم أتطرق لشكل آخر كالتفعيلة كما في الفصيح

أما بالنسبة للمحاولات الشعبية الحداثية التي قام بها البعض أعتقد أن قصيدة التفعيلة الشعبية بدت رائعة ولاقت استحسان الجميع ، أما مسألة النثر الشعبي ففي ذلك نظر.

تعكفين حاليا على اصدار مجموعة سردية...حدثينا عن هذه التجربة؟

مجموعتي السردية (ذاكرة الفراشة ) مجموعة لم يحل بينها وبين النور سوى انشغالي الدائم إذ كان من المفترض أن تصدر قبل عام تقريبا

تعتبر مغامرة جديدة ، لكنني أحببت الخوض فيها ، واطمأن لها شعوري الذي أثق به تماماً ،وهذا النمط الأدبي لم أكتبه عن نية وقصد و لا تجربة مسبقة ولكنه فاجأني فرض نفسة عليّ بقوة في فترة ما ، إلى أن حدث بيني وبينه ألفة ، عندها قررت أن أدع للقلم والمزاج حريتهما

هل يعكس تعدد أنماط الكتابة لدى سبأ ، بين الفصيح والشعبي والسرد تذبذبا وعدم تحديد موقف لاسلوب محدد ترغبين في استمرار الكتابة به؟

لا أعتقد ذلك.. سبأ عُباد عُرفت بالشعر الفصيح ولم تُعرف بالشعبي حتى الآن لم أُقدّم سوى نصا شعبيا واحدا في إحدى الفعاليات ، رغم أنني أكتب الشعبي منذ زمن ولدي مجموعة مكتملة مخطوطة ( كسور الظل)ولكنني أعتبره متنفسا خاصا بي أنا فقط ربما لأني أواجه صعوبة في قراءته بحكم تخصصي وانغماسي بالفصحى أما بالنسبة للسرد فنمط لا أخفيك أنني أحببته كثيرا ،إلا أنني أجد نفسي أولاً وأخيراً مع الشعر الفصيح.

كلمة أخيرة ؟

أشكرك على هذه الفرصة الجميلة ، وأتمنى لكم التوفيق والنجاح ، كما أتمنى لك مسيرة صحفية ثقافية مغايرة.