ليست مجرد مدينة

 

تعز ..ملحمة ثورية وشعرية خالدة

 

 

عبد القوي محب الدين- إبراهيم السراجي

 

ليست المرة الأولى التي نزور فيها تعز، لكن لم يكن في تعز عند زياراتنا السابقة ساحات حرية، ولم نكن قد عرفنا شاعر الثورة يحيى الحمادي، أو أننا كنا غافلين عن أحرارها وحرائرها الذين أظهرتهم الفترة الماضية وغربلت الآخرين..!!

الشوق لهذه المدينة مختلف هذه المرة، شهر أو أكثر ونحن نعد للزيارة، وننتظر لحظة الإنطلاق.

بعد يومين متواصلين من العمل في الصحيفة كانت تعز كفيلة بغسل التعب والسهر، انطلقنا من صنعاء بعد ظهر الخميس، كنا قلقين جدا حتى خرجنا من نقطة "نقيل يسلح".

من هنا أدركنا أن تعز قريبة جدا، رغم أننا لم نكن قد قطعنا سوى أقل من عُشر المسافة..!!

 

في الطريق إلى تعز..


في الطريق إلى تعز... نترك صنعاء خلفنا كذنوبٍ نتوب عنها، وفي دواخلنا يقين أننا سنعود لإرتكابها ذات يوم..!!

في الطريق إلى تعز...

تُفرض علينا محطات لنمر بها :

- معبر: وحشة الاسم والمعنى، هنا استوقفنا الاسم ولم نجرؤ على السؤال عنه خوفا من معابرها ومنابرها أيضا..!!

- ذمار: لم ننهك أنفسنا في التفكير بمعنى الاسم... فقط آمنا أن خلود المعاناة فيها سيضمن للشعر الخلود..!!

في الطريق إلى تعز...

تغتسل المسافات من زيفها العالق في الذاكرة، تنتف القواميس أوراقها باحثة عن معنى يستوعب اللحظة.. لتدرك الأغلفة أنها ظلت حاضنة لرفاة لحظات لم يقتنع بها حتى الفيروزآبادي وأصحابه أنفسهم..!!

في الطريق إلى تعز...

تكتشف أن البروق والرعود ليست سوى عدسات الملائكة وهي تؤرخ للمناظر التي تؤمن أننا سنمحوها بعد حين، لتثبت عند ذلك "الحين" أن من شابه أباه فما ظلم..!!

في الطريق إلى تعز...

تصلنا رسالة من معاذ الجنيد "أن المطر في تعز جاء في موعده الذي تأخرنا عنه"، حينها آمننا ونحن نرى "سمارة" تستحم خلسة في الظلام، أن تعز كما وصفها الجنيد في إحدى قصائده: " مدينة تقع في كل اليمن"

في الطريق إلى تعز...

تنطفئ الذاكرة تماما.. وحده أيوب يعشب فيك صوفية لا أظن الصدى سيعجب بصوت سواه ليردده..!!

"يا من رحلت إلى بعيد"... هنا فقط يتوقف الصدى محاولا اقناع أيوب أنه البُعد الذي نرحل إليه، وأن فيزياء اللحظة تثبت فشل نظرية القرب والبعد.. وتبقى حقيقة القرب والقرب فقط..!!

 

على مشارف تعز...


يعبث بنا الصمت وتتسرب أضواء المدينة إلى مسامات الروح في مشهد فلكي يسرح بنا ولا نصحوا إلا على "مطب" المدينة الصناعية في الحوبان..!!

في تعز...

لهفة إلى صبر وأيوب والسيد الجنيد وساحة الحرية..... وخوف من أعين الشهداء أن ترانا..!!

في تعز...

أينما تولي أعيننا فثم ما يجذبها... التاريخ والجغرافيا والحضارة.. والإنسان..!!

تعز ملحمة شعرية تاريخية غير قابلة للتحريف أو التقادم.

جوها يغرينا على الانغماس فيه حتى مطلع الفجر..!!

 

في تعز...


جلسة مقيل طالما انتظرناها، أيوب طارش... هذا الوطن الذي أبهجنا وأبكانا كثيراً، وكم تمنينا أن يكون معنا اليوم الصديق عبدالمجيد التركي، فطالما شوقنا للقاء هذا الإنسان الوطن.

في مجلس أيوب وفي لحظات الصمت الأولى نقرأ تفاصيل وجهه الخجول ونرى خيبة الوطن الذي أدار ظهره لهذا العملاق ولغيره من المبدعين، نرى فيه تاريخا من الأحلام الموؤدة..!!

بدأ أيوب حديثه بابتسامة "طفل"، ولا زالت هذه الابتسامة تجلدنا حتى اللحظة، ابتسامة مليئة بالعتب، ابتسامة وطن تخلى عنه شعبه..!!

يعطيك أيوب كل جوارحه وانت تُسمعه شيئا مما كتبت عنه ذات شوق.

نشعر الآن بعجز عن الكتابة ونحن نتذكر حديثه عن الذين سرقوا الجمال في هذا البلد وأرادوا أن يكفر أيوب عن ذنوبهم بتلحين قصائدهم المليئة بالزيف..!!

"حين يغني أيوب"...هذا عنوان مقال للصديق عبدالمجيد التركي، أي شيء سنكتبه لن يصل إلى مستوى الصدق في مقال التركي الذي بدأه بقوله " حين يغني أيوب ترتعش المرايا.. وتنبض الجدران شجناً وشجواً يجرحك أيوب بصوته الطافح بالحزن كما تجرحكَ أوراق الذرة اليانعة.. ويرويك بظمأه حين يسافر بك فوق الغيم جاعلاً للظمأ مرتبة فوق مراتب الماء.

هيمان.. قدره أن يظل كذلك.. وقدرنا أن نهيم بهيامه حتى ولو لم تكن في قلوبنا امرأة تتدلى من شرفات القلب كقنديلٍ يحقن أرواحنا بالضوء ويصعد بنا في معارج البهاء حين يشدو بــ(أحباب وادي جيرون)، التي كتبها العارف بالله أحمد بن علوان"

ونختتم الحديث عن أيوب بما اختتم به التركي مقاله "لن أزيد شيئا..لأنني لن انتهي"

في تعز...

جبل صبر.. لا تفسير للمعنى المُرّ الذي التصق به هذا الجبل سوى مرارة صبره على الذين يصعدون إلى قمته وتأخذهم نشوة قلوبهم القاسية إلى قصف الحياة في المدينة..!!

عندما ترى العشرات والمئات على جانبي الطريق الى قمته.. فكن على يقين أن المشهد من الأعلى يستحق أكثر من عناء الطلوع..!!

منظر الغروب في تعز ملهم جدا، روحانية الزمان والمكان معا، وعند التقاطنا لصورة تذكارية أحسسنا باللحظات التي سنشتاق فيها للمكان، تأخذنا لحظات شرود في عبارة "أن الصور التذكارية تخوين للذاكرة"..!!

نوافذ الغرف الكبيرة وعلو صبر يشعرانك بأنك في رحلة معراج توقفت عند نقطة معينة للصلاة..!!

من ليل صبر.. تمنحك الكهرباء مشهدا شطرنجيا للمدينة..

من صبر.. لا تبدو قلعة تعز قاهرة.. فانكشافها لصبر يوحي اليك أن رمية حجر كفيلة بمسح اسطورتها التاريخية..!!

 

تعز... فينيق الثوار والأشجار

 

في ساحة الحرية بتعز، كان للساحة خصوصيتها كما اعتادت تعز أن تخص نفسها بكثير من الصفات ما أهلها لتكون عاصمة الثقافة، وعاصمة الثورة، وعاصمة المدنية، فكانت ساحة الحرية ساحة الثقافة، والثورة والمدنية، أسوة بالمدينة التي استضافتها.

الدخول إلى ساحة الحرية بتعز بعد أكثر من عام شهدت فيه تعز صمود ثوارها وخيامها وأشجار الساحة أيضاً، الخيام التي توزعت على أرصفة الساحة تؤكد أن ساحة تعز هي الأكثر سلمية ومدنية، الخيام التي رفضت أن تقطع الطريق، ومنصتها التي لا يعلو صوت ميكرفوناتها، لتزعج السكان إلا عندما يخرج صوت الثورة وخطابها وقصائدها ويمتد من تلقاء نفسه.

يجلس الثوار في خيامهم، الثوار مدركون أن الخروج للساحات وإشعال الثورات يمنع عليهم العودة إلى البيوت قبل أن تحرق ثورتهم أعداء الوطن لا أن تستلم الثورة لمحرقيها، ويعرف الثائر هناك أن الثورة لا تنتهي بالحصول على وظيفة عليا في رئاسة الوزراء بعد أن ملأت أصواتهم وادعاءاتهم الثورية فضاءات الإعلام، قبل أن يرتدوا "بدلاتهم" الأنيقة في طريقهم لما حصلوا عليه، خارجين من ساحة الثورة، بعد أن لفظتهم الساحات وأدركت غاياتهم الخيام.

ثوار تعز الذين يرفعون صوراً للثائر "جيفارا" يدركون معنى هذا الرجل الذي اختار الحرية واختار أن يكون أينما كانت الثورة، هو الذي رفض أن يشغل منصب وزير في حكومة "كاسترو".

الساحة التي أحرقت في مايو من العام الماضي، فيما عرف "بمحرقة تعز" لم تطفئ النار جذوة الثورة، بل انها أتاحت لتعز الفرصة لتثبت أن الفينيق الذي ينبعث من رماده يتمثل في أشجار الساحة وثوارها.

أشجار الساحة عاليها محترق وأسفلها يخضر من بين رمادها "فينيق الشجرة".

الثوار الذين يقبعون في خيامهم ترى في أعينهم خيبة لكنها خيبة تشعرك في رمادها أن ثمة ما سينبعث من رماده.. أسطورة الثوار.

وإذا كانت "حاملة نوبل" قد فرزت شهداء الثورة حزبياً ووزعت حق البكاء والتباكي على الشهداء على نفس الأساس، فساحة تعز تكتض بصور شهداء الثورة في صنعاء قبل شهداء ساحة الحرية وترفع صور شهداء عدن قبل الشهداء الذين سقطوا في وسط مدينة تعز، ساحة تعز ليست عنصرية ولكنها كانت تلك التي أرسلت أبناءها ليشعلوا فضاءات الثورة شمالاً وجنوباً.

قبل أن نغادر الساحة نقف قليلاً عند النصب التذكاري لشهداء "محرقة تعز" نقف بخشوع، يتهادى صوت داخلي يقول: أن من رماد هذه الساحة فينيق سينبعث ليعيد صرخة "الشعب يريد إسقاط النظام" إلى الواجهة.

 

لحظة وداع...

 

بعد رحلة مليئة بالجمال وبعد يومين من الاغتسال في هذا المعين الخالد، توجب علينا الحياة العودة إلى رتابتها.. تقرع اجراس الرحيل لحظة الغروب.. تتمسك المدينة بأطراف الطريق محاولة جره إليها...ولكننا لا نلتفت لشهقاتها ونمضي ككل الذين مروا على هذه المدينة..!!

وتبقى تعز قِبلة للثورة.. للجمال.. وللحياة أيضا.