قاد جورج غالاوي أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة، في وقت كان يعتبر بعض العرب دعم غزة وصمة عار. خاطر بحياته من أجل القضية الفلسطينية، ويتعرّض لحرب شرسة من اللوبي الصهيوني في بريطانيا، لكنه يصرّ على استكمال طريقه. قابلته ''الخبر'' في كازاخستان أثناء مؤتمر المنتدى الأوروآسيوي للإعلام، ليرحب بنا، مطالبا الجزائريين مشاركته همومه تجاه العرب والقضية الفلسطينية.

معروف عنك مناصرتك للقضية الفلسطينية، كما أنك شاركت في أسطول الحرية لفك الحصار عن قطاع غزة، حدّثنا عن هذه التجربة؟
 لقد اهتممت بالقضية الفلسطينية منذ شبابي، وأتمنى أن أرى فلسطين حرّة ومستقلة في يوم من الأيام، وأنا على يقين أن ذلك سيحصل يوما ما، وأن تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة وعاصمتها القدس. كما أنني لا أؤمن بالتصريحات المتواصلة والكلام الكثير عن هذه القضية، لأن الكلام رخيص، وحان الوقت لتنفيذ كل تلك التصريحات وتحويلها إلى أفعال. وأنا شخصيا، باعتباري نصيرا للقضية الفلسطينية، أعكف حاليا على إنجاز دراسات استراتيجية في العلاقات مع فلسطين، وأعتقد أن ذلك سينجح بفضل الله، مثلما فعلنا في قافلة ''أسطول الحرية'' من أجل إنهاء الحصار على غزة، ومستمرون في ذلك إلى أن ننهي الحصار. مرة بعد أخرى، ومن خلال القوافل الكثيرة، سنكسر الحصار، وسقوط الديكتاتوريين العرب يعطينا قوة في قضيتنا، وقد بدأت في تونس وانتقلت إلى مصر. وفي مصر، تحديدا، كنا قبل الثورة نواجه صعوبات، ونتلقى دعما من الأطباء والحركات الشعبية فقط، لكننا بعد الثورة نتلقى دعما رسميا من النظام المصري. ومن المهم أن نجمع ملايين الدولارات لدعم غزة، لكن الأكثـر أهمية هو حشد الموقف السياسي لدعم القضية الفلسطينية. كما أنني أعتقد أن مشاهدة العرب كل هؤلاء الأجانب القادمين من أمريكا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا، بمثابة رسالة كبيرة للأنظمة العربية، والقواعد الشعبية في العالم العربي تسأل كيف يأتي هؤلاء الناس ويخاطرون من أجل غزة؟! أعتقد أن هذا يساعد الثورة العربية على المدى القصير، كما أن الحصار على غزة اختلف بعد الثورة العربية، لأن الموقف في مصر تغيّر بشكل كامل، وأصبح وضع غزة أفضل مع تغيّر الموقف المصري. لذا، أنا الآن أسلط الضوء على قضية القدس والتوطين، خاصة أن إسرائيل جادة جدا في تهويد القدس ولن تعود أبدا إلى الخلف، ومن المهم جدا دعم قضية غزة. لكن فلسطين ليست غزة فقط، فلسطين هي كل فلسطيني في العالم.
وكيف ترى موقف العرب حيال القضية الفلسطينية؟
 الناس في غزة محاصرون مثل البط، كل البوّابات مغلقة في وجههم، وقد رأيت ذلك بنفسي في الـ22 يوما التي قضيتها هناك، ليس لديهم سوى أرض غزة والهواء والبحر لحدود معيّنة، فهم محاصرون من كل الاتجاهات، والإسرائيليون يصطادون البشر مثلما يصطادون البط داخل هذا الحصار. وكنت قد قابلت فتاة صغيرة أثناء تواجدي في غزة، قالت لي باكية: ''لماذا يحصل لنا هذا، أين هي الأمة العربية التي يتحدثون عنها؟!''. كانت هذه الفتاة تعيش مع جدتها، لأن والديها وخمسة من أفراد عائلتها قتلوا على يد الإسرائيليين، وهذه جريمة لا يجب السكوت عنها. وأن تستفيق وتتحرّك الأنظمة العربية التي غرقت في الفساد، وهذا هو حال الأمة التي تسأل عنها الفتاة الصغيرة.
قلت في تصريح لك إنك لا تعترف بإسرائيل، وانسحبت من نقاش مع طالب بعدما عرفت أنه إسرائيلي؟
 بالفعل لقد قلت ذلك، أنا لا أعترف بإسرائيل، لا ككيان ولا كدولة. لكن، أريد أن أوضح أني لست ضد الديانة اليهودية، لأنني أُتهم دائما بأنني ضد اليهود، وإنما أنا ضد الدولة التي تقوم على تهويد القدس والأراضي الفلسطينية.
وكيف ترى مجريات الأحداث في المنطقة العربية وثورات الربيع العربي؟
 الثورة عملية وليست حدثا، وقد تستغرق عشرات السنين في بعض الأحيان، خطوة للأمام وخطوة للوراء. ولكن، لا أحد يستطيع إيقاف العملية الثورية، أنت جزائرية على سبيل المثال، أفضل جزائر بن بلة وبومدين، وليس جزائر اليوم، لكن هذا ليس من شأني، إنه شأن الجزائريين أنفسهم، لكنني متمسك برأيي. وفي السياق، أرى أن وصول مرسي إلى سدّة الحكم في مصر بالتأكيد خطوة ضخمة بعد مبارك، ولكنه ليس اختياري، أنا لم أصوّت له، ولديه الحق في أن يصبح رئيسا من خلال الانتخابات، إنه ليس خياري، ولكنه خيار المصريين، ويجب أن نسمح له بمزاولة مهامه كرئيس للجمهورية. أضف إلى ذلك أن الإخوان المسلمين يحاولون مساعدتنا في غزة، بكافة الطرق وعلى المدى البعيد، سيكونون دعما لأهالي القطاع.                      
لكن هناك تخوّف كبير من جماعة الإخوان المسلمين؟
 على الإطلاق، أنا لست متخوّفا من الإخوان المسلمين، ذلك أن الإخوان المسلمين يختلفون من بلد لآخر. وإخوان مصر ليسوا القاعدة ولا طالبان، فهم يشبهون إلى حدّ كبير أردوغان والنظام القائم في تركيا الذي حقق نجاحا كبيرا على المستويين الإقليمي والدولي.
وكيف تنظرون إلى مسار الثورة السورية بعد دخولها السنة الثالثة؟
 لقد خرجت الثورة السورية عن مسارها السلمي وتحوّلت إلى حرب أهلية، خرجت عن مسارها الثوري الهادف إلى تحويل البلاد إلى دولة ديمقراطية، خاصة بعد تدخل بعض الدول العربية والغربية التي تقدم الرعاية والدعم المالي واللوجيستي، وتزوّد بعض فصائل المعارضة، على غرار قطر والمملكة العربية السعودية وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. لكن، في الحقيقة، هذه الدول لا تدعم ثورات الربيع العربي، وأؤكد أنني لست داعما لبشار الأسد، ولم أكن أبدا مع النظام السوري، وكنت مع العراق. وهذه الدول الداعمة للمعارضة لا تدعمها من أجل إسقاط نظام الأسد الذي قمع وقتل وعذب شعبه، وإنما من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها الشخصية في المنطقة، لأن سوريا امتنعت، في السابق، عن ضرب العراق من خلال أراضيها، ودعمت حركات المقاومة في العراق، واستقبلت لاجئين بأعداد ضخمة يعدّون بالملايين، والكثير من هؤلاء أسسوا أعمالا لهم في سوريا. ورفضت قطع علاقاتها مع حزب الله اللبناني وإيران، كما أنها رفضت ترحيل حركة حماس المقاومة، حيث أخذت حماس من دمشق مقرا رئيسيا لها، وكان النظام السوري داعما وحليفا لحركة المقاومة الفلسطينية حماس التي رفضت العديد من الدول العربية استقبالها، وعلى العكس، بات مرحبا بها في الدوحة الآن، وقبل حوالي 20 سنة، كانت الأمور عكس ذلك. في حين لازال رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، يحصل على تأشيرة لدخول الأراضي المصرية لمدة 70 ساعة فقط حتى الآن.
وكيف ترى الموقف الإيراني من القضية السورية؟
 أؤكد، جازما، أن العلاقات السورية الإيرانية هي السبب الحقيقي والرئيسي لدعم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للمعارضة، حيث تحاولان تحطيم نظام بشار الأسد بعدما رفض قطع علاقاته مع إيران التي تعتبر شريكا إقليميا ومهما وليس لديها نوايا سيئة، كما أنها لم تغز أي منطقة، وبالتالي لِمَ قطع العلاقات، وهذه هي الأسباب الحقيقية التي جعلت دولا مثل أمريكا تجابه وتحارب من أجل إسقاط نظام الأسد. صحيح أن الشعب السوري قام بالثورة من أجل إصلاح وضع البلاد وتحويلها إلى دولة ديمقراطية، لأن نظام الحكم في سوريا سيء جدا، لكن هذا ليس معناه أن نخرّب ونحطم البلد، ولا نطلب من القوات الجوية لبلادنا أن تذهب لضرب بلدك من أجل دعم الثورة. ثانيا، إذا كانت ثورتك مدعومة من القوى الشيطانية في العالم، فهذا يعني أنها ليست ثورة جيّدة.
وما هو الحلّ لإيقاف آلة الحرب في سوريا في نظرك؟
 أرى أنه لا حلّ للأزمة السورية سوى خطة سلام كوفي عنان، لأن النظام السوري لا يمكنه هزيمة المعارضة، والمعارضة لا يمكنها هزيمة نظام بشار، وبالتالي نحن أمام طريق مسدود. وعليه، تبقى خطة كوفي عنان الحلّ الأمثل والوحيد لإنقاذ سوريا، وأتمنى أن يتوقف الطرفان عن القتال وتدمير سوريا، لأن استمرار العنف والعنف المضاد الممارس في حق هذا البلد الذي يطارده شبح مصير العراق، سيقسم البلد إلى قسمين ولن تتوحد مرة أخرى، والنموذج العراقي موجود أمامنا، وبالتالي نأمل أن يتفق النظام والمعارضة على إيجاد حلول منطقية للجانبين، وأن يجلسوا إلى طاولة المفاوضات.
وما تقييمك لمهمة الدبلوماسي الجزائري، الأخضر الإبراهيمي، الذي تحدث عن صوملة سوريا؟
قد يكون توقع الإبراهيمي صحيحا، لكن هناك بعض العوامل قد تمنع حدوث ذلك، باعتبار أن الصومال بلد كبير من ناحية المساحة وسوريا بلد صغير جدا، والوضع الذي عاشته الصومال يختلف تماما عن سوريا، ذلك لأنها لم تستسلم لدول أخرى وتأثـرت بالضرورة بالأنشطة داخل الصومال، أما سوريا التي التهبت شوارعها بآليات الحرب الأهلية التي تدور رحاها على الأراضي، شأنها شأن الحرب الأهلية في لبنان والعراق. 
تحدثت في مداخلتك بالمؤتمر الأوروآسيوي للإعلام بكازاخستان، عن الحرب المفتعلة بين الشيعة والسنة، والصراع الدائر بين المسلمين، ماذا تقصد بالمفتعلة ولصالح من؟
 منذ اتفاقية سايكس بيكو، أصبح تقسيمهم سهلا العرب، لم يتعلموا من دروس سايكس بيكو الأولى، وظلوا طوال مائة عام يقتلون بعضهم البعض من أجل ملوكهم وأشياء أخرى تافهة. طبقا لما كان مخططا له، فقد نفذ العرب بجدارة كل بنود سايكس بيكو، ونحن الآن أمام سايكس بيكو 2 لخلق صراع طائفي بين السنة والشيعة. ويذهب العرب أيضا في نفس المنحنى، وربما يعيشون 100 عام أخرى يقتلون بعضهم، بسبب السنة والشيعة. إذا أراد العرب أن يدخلوا القرن الـ24 عليهم أن يعرفوا كيف يخطط لهم الأجانب، ويقفوا أمام هذه المخططات. ففي سايكس بيكو 1 قال الأجانب إنه ليس في مصلحتهم أن تظل هذه المنطقة الكبيرة والغنية بالثروات الطبيعية والبشرية في استقرار، وإلا أثرت على العالم كله، لذا، ظلوا 100 عام يتصارعون لخدمة الأجانب. وأتذكر ذات مرة قبل وفاته، ذهبت إلى الصين رفقة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أتذكر وقتها حين قال له رؤساء الصين إن العرب ليسوا جديين حيال القضية الفلسطينية وتحرير الأراضي المحتلة، ولو كانوا جديين لتوجه جميعهم إلى فلسطين من أجل تحريرها. وقتها، كان عدد الإسرائيليين أربعة ملايين مقابل 300 مليون عربي، ولو اتحد العرب وقتها وكان هدفهم الحقيقي هو نصرة القدس وتحرير الأراضي الفلسطينية، لفعلوا ذلك منذ وقت طويل، واعذروني إن قلت إننا في طريق توقيع اتفاقية سايكس بيكو 2 بعد نجاح سايكس بيكو 1 بامتياز، فالأوضاع الملتهبة وحالة الانقسام الشديد التي تعيشها المنطقة العربية يكرّس ذلك، حيث بات من السهل جدا تفتيت المنطقة.