السبت, 21 أيلول/سبتمبر 2019  
21. محرم 1441

تحليلات و ملفات ساخنة

كلمة العدد صحيفة طلائع المجد.العدد 37

تأتي الذكرى السنوية الخامسة 6 رمضان لوفاة الإمام مجد الدين بن محمد منصور المؤيدي رحمة الله عليه في خضم أحداث وتحولات عجيبة لم تتضح وجهتها بعد، ومن ذلك هذه الثورات التي انطلقت لتطيح بعروش المستبدين الظالمين والذين أدار الإمام مجد الدين ظهره لهم يوم شهد بنفسه المستنقع السياسي الذي ذهبت الأمة إليه، واتجه إلى بناء الجانب الفكري إذ كان هو الآخر قد أصيب بثلمات وميوعات خلطت الصحيح بسواه، الجانب الفكري الذي يعد الأساس في صناعة التحولات الإجتماعية والسياسية، ومن دون شك فإن العقيدة التي دافع عنها الإمام المجدد المؤيدي التي تجعل الحاكم بشراً يخطئ ويصيب، وتوجب على الأمة أن لا تهاب الظالم، وأن تصارحه في سبيل تصحيح ممارساته قد لقيت قبولاً في الأوساط السنية الأخرى.
قبل حوالي 13 عاما تقريباً استحضر الرئيس السابق علي عبد الله صالح الإمام المجدد إلى قصره في صنعاء، وبعد طول تمنع حضر، ولأول مرة سمع الحاكم المستبد كلاماً من نوع آخر، لقد كان جافاً ولكنه كان صادقاً، لم يزد على أن ردّد على مسامعه مقولة: (العدل ما دام عمّر والظلم ما دام دمّر)، وبضع نصائح تمحورت حول العدالة، ولم يكن بيده ملف يريد توقيعه عليه، لقد تعوّد الرجل أن يسمع آخرين من المحسوبين على التيارات الأخرى وهم يصرفون له كلاما إنشائيا يستدرون به أمواله وأموال الدولة وأراضيها لبناء أجنداتهم الثقافية والسياسية، وكان يطرب لهم وهم يحدثونه بحديث (اسمعوا وأطيعوا) فأنس إلى هؤلاء ورفض نصيحة الإمام المجدد، وما أجدره اليوم هو وخليفته من بعده عبد ربه منصور هادي أن يتذكر تلك النصيحة في هذه المناسبة الكريمة.
ما يطمئن ويجعل المولى قرير العين في رمسه أن تلك الجهود التي بدأها وحيداً مع قلة قليلة من المناصرين في سبيل الإرشاد والدعوة إلى الله عز وجل من أجل الحفاظ على الهوية الزيدية قد آتت أكلها، وأثمر ينعها، لقد أحاط بالفكر الزيدي العملي إشكالات خطيرة في القرن الماضي وتظافرت ضده عدة عوامل داخلية وخارجية، ومنها الإهمال في الجانب العقائدي مع المبالغة في تعلم الشؤون القضائية، وإتاحة الفرصة لعطب داخلي أصاب الفكر بالقلق حين تبني بعض رجالات الحكم بعض الأفكار السياسية الغريبة على الفكر الزيدي اعتقاداً منهم أن بها الإفلات من الأفكار والتقاليد السياسية الزيدية التي يبدو أنهم فهموها خطرا على احتكار السلطة؛ ولما نجح اليسار في اليمن المتدين والمتأخر نسبياً في الإطاحة بالحكم الملكي الذي كان يعد واجهة الزيدية وأفسح المجال للدعوات العنصرية التي استهدفت المذهب الزيدي من خلال قتل رجالات الفكر وإعدامهم في الصراع الذي أعقب ثورة 26 سبتمبر، وجاءت الوهابية بدعم مالي لامحدود في صورة الإخوان المسلمين ثم ما لبثت السلفية أن تميزت عن الإخوانية في بعض المسائل الإجرائية مع بقاء التواصل الإستراتيجي قائما بينهما، وانتشرت معاهدهما في المناطق المختلفة في اليمن مستهدفة الوجود الزيدي والشافعي ذلك الثنائي المذهبي الذي مضى عليه اليمن جيلاً بعد جيل.
بعد ثورة 26 سبتمبر انشغل كثير من العلماء الذين كانوا مؤهلين قضائياً بأدوار قضائية، وتركوا تحت وطأة الضغط اليساري والعنصري والوهابي وبدافع الخوف على الوظيفة أي دور تثقيفي أو تعليمي خلا أدواراً بسيطة أسرية ومحلية، وكان لذلك استثناء تمثّل في إدراك الإمام مجد الدين هذا الخلل الذي انحرف بالتاريخ الفكري لليمن إلى جهة دخيلة، وحينها أزمع مع قلة قليلة من العلماء لإعادة الدور الإرشادي للعلماء من خلال العودة إلى الإنتشار في أوساط المواطنين وخطابهم مباشرة اعتماداً على سلطة العقل والضمير والتأريخ لديهم، وبدأت عجلة التعليم والإرشاد تتحرك بتؤدة وانتصار كبير، ورغم محاولة السلطة إشعال فتيل النزاعات الداخلية إلا أن المدارس والمراكز الإرشادية التي تجعل من تراث الإمام مجد الدين منهجا باتت تغطي مناطق كثيرة في الشمال والوسط اليمني، وحققت ولا زالت نجاحات باهرة في صد الفكر الوهابي واستنهاض الأفكار الزيدية المعتدلة من بيئتها وتأريخها الطويل.
لقد أدرك أئمة الزيدية في اليمن منذ العصور الإسلامية أن البعد الشعبي هو العامل الأهم الذي يجب التعويل عليه، ولهذا كانت الهجر العلمية لا يخمد أوارها حتى تحت حكم السلطات التي لا يعترف الزيدية بحكمهم، وكانوا يستميتون في دراسة وتعليم مبادئهم إلى الحد الذي تعجز الدول عن منعهم قسراً، وهو ما شاهدناه في تداعيات حروب صعدة لما منعت السلطات تدريس الفقه الزيدي وأرسلت الوشاة في كل مكان عاد الناس للدراسة سراً، وحين ضاقت بهم السبل تحرك فيهم كامن التحدي للدراسة والتدريس جهاراً.
لم يكن الفكر الزيدي الذي يدعو إلى الخروج على الحاكم الظالم مناسباً للحكام في اليمن في الفترة الماضية، ولهذا تم استهدافه في المناهج وفي عزل المناطق المحسوبة عليه فكرياً، وفي إقصاء قياداته وكوادره، وروّجت السلطات لتلك المذاهب السلفية التي تدعو إلى الصبر على الحاكم مهما كانت سيرته ما لم يظهر كفراً بواحاً، وقد كثرت هذه الطروح والإستدلالات بأحاديث يروونها في هذا الشأن إبان حروب صعدة الستة.
في ثورات الربيع العربي تجلى واضحاً صدقية العقيدة الزيدية في التعامل مع الحكام وأنجعيتها، وخطاب أحد أمراء الحرب ضد الزيدية وتعبيره عن احترامه وتقديسه للفكر الحر الذي يخرج على الظالم كان عبارة عن بوح ضمير حقيقي، ومنيت عندئذ العقيدة السلفية السنية في هذا الصدد بالهزيمة في ما يبدو أنه تخل عنها بعد طول تشبث، وما أشبه هذه الحالة الفكرية التأريخية بفكرة كون الإمام من قريش التي سقطت بسقوط القاهرة المملوكية عام 1516م بيد العثمانيين والتي ظلت تحتفظ إسمياً فقط بخليفة عباسي لم يكن يقدم لنفسه نفعاً ولا ضراً.
ليطمئن الإمام مجد الدين أن المرشدين من أجيال مختلفة بعده يملؤون السهول والجبال وينتشرون على طول البلاد وعرضها في وضع فكري قوي أقوى مما كان عليه في عهد السلطة المحسوبة عليهم أيام آل حميد الدين، وما زادتهم تلك الحروب الماضية التي استهدفتهم إلا قوة وثباتاً، ولعل أعظم ما يميز هذه المدرسة الفكرية أنها لم تنتهج لا هي ولا حتى مدرسة محسوبة عليها طريقة الغدر والخيانة في التعامل مع الأعداء، وظل الزيديون شرفاء في خصومتهم مثلما كانوا أعزاء في صداقاتهم، على خلاف تيار الوهابية المتشدد.
لا أعتقد أن الزيدية يشكلون خطراً ضد الحكام العادلين في اليمن، وهم أخطر ما يكونون ضد المستبدين منهم ومن يريد استذلالهم، وقد أثبتوا أنهم أحرص الناس على وحدة هذا الوطن واستقراره، وبدا بيناً أن الخطر يأتي من تلك الجماعات التي تناكف الزيدية وتعاديها والتي من ديدنها التفجيرات الإنتحارية والقتل العشوائي واستهداف الأبرياء وآخر ما اقترفته أياديهم الآثمة جريمة كلية الشرطة، وهي الجريمة التي لن تكون الأخيرة.
إن دخول الإمام المجدد المعترك السياسي يوم الإنفراج السياسي عام 90م بترؤسه لحزب سياسي اعتبر تحولاً كبيراً في الممارسة والعقيدة السياسية، بل كان بمثابة فتوى من أعظم إمام في العصور الحديثة لدى الزيدية؛ ولهذا يجب أن تتوقف الآلة الدعائية للوهابية ومن يقف خلفها عن التحريض ضد الزيدية واستهدافهم فكراً وإنساناً، ولقد أعذر من أنذر.