الخميس, 18 تشرين1/أكتوير 2018  
7. صفر 1440

تحليلات و ملفات ساخنة

تتعدد الألوان والرموز والخامات المختلفة المستخدمة في صناعة الأغلفة الجلدية أحياناً والورقية أحياناَ أخرى.. كل مساحة اتخذ أهلها حدوداً لها على هذه الأرض سخروا بداخلها أيضاُ مساحة للألوان والأغلفة والرموز ليحملوا بعدها ما يسمى بجواز السفر... وعبثاَ يُطلق على جواز السفر: الهوية.

أمضى الفلاسفة وعلماء الاجتماع والقانون وغيرهم آلاف السنين منذ عصر الإغريق وحتى الآن لتعريف "الهوية" وبالرغم من التهامي بشغف لكل مؤلف أقابله فأنا لم أجد تعريفاً للهوية إلا في أغنية لأحد الفرق الغنائية القادمة من البقعة الوحيدة في العالم التي يحمل سكانها جوازات سفر تقول أولى صفحاتها : "مجهول الهوية"... الفرقة هي فرقة "توت أرض" من الجولان الذي سلبه الاحتلال الصهيوني، الهوية المكتوبة ولكن كباقي الأراضي المحتلة لم يسلبه المعنى الحقيقي للهوية...

كل ما سبق جال بخاطري وأنا أقرأ ما كتبه منير الماوري عن صديقتي ورفيقتي أطياف الوزير يوم أمس... وفكرت مراراً وتكراراً بكيفية الرد على ما قيل بالوسيلة الوحيدة التي أملكها وهي حروفي... وجدت نفسي لا إرادياً أتغنى بكلمات إحدى أغاني "توت أرض" التي باتت أغانيها رمزاً للنضال السلمي ضد محاولات الاحتلال الصهيوني سلب الجولان هويته... تقول الأغنية: "فلتوني من الهوية.. فلتوني من العبودية.. أني بيتي شجرة خضرا ودولتي الكرة الأرضية" ... قد تختلف اللهجة اليمنية قليلاً فنسمي السجرة, شجرةً بالشين ولكن تظل الشجرة بيت أطياف ودولتها الكرة الأرضية... ليس لجوازات سفرها التي أثارت حفيظة الماوري ولكن لقلبها الذي لم يحمل يوماَ هويةَ أضيق من الإنسانية...

أجلت كتابة هذا المقال عدة مرات حتى كدت أن أفوت موعد تسليمه لعلي أهدأ وأحاول أن أكون موضوعية في كتابتي.. لكني أخيراً توقفت عن المحاولة فكما يقول عالم الاجتماع ماكس فيبر, نحن نحاول أن نكون موضوعيين ولكن حتى في أقصى درجات المحاولة لا يمكننا الإفلات من خلفياتنا التي جئنا منها.. ولأن هويتي أنا كذلك ليست كلمة على جواز سفر, لا أستطيع التجرد من هويتي كإنسان وكامرأة حين أقرأ كل ذلك الحقد في سطور الماوري الظلماء..

 

الأخ منير الماوري

هل تتحدد انتماءات المواطنين السياسية بحسب أسماء أسرهم؟ هل لأن أطياف ولدت لأسرة تحمل نسباً يتصل بأسرِ ذات مشروع معين, تصبح تلقائياً جزءًا من هذا المشروع؟ هل تتقرر خياراتنا في الحياة بأسمائنا؟ مما يقودني إلى عبارة أضحكتني أكثر مما أغضبتني, هل تتحدد خيارات بلال زوج أطياف فرنسي الجنسية باسمه الذي ولد ليجده على "جواز سفره" وبالتالي كون اسمه بنجامين يصبح مباشرةً إسرائيلياً؟

أخي منير, كلامك جعلني أتساءل, هل كوني ابنة أبوين عدنيين جنوبيين, يجعلني تلقائياً جزءًا من الحراك؟ هل لأن اسمي سارة وهو من أقدم الأسماء العبرية, أصبح تلقائياً إسرائيلية؟

قد أكون غضبت في أول وهلة قرأتُ فيها ما كتبت لأنني لم أفهم ما علاقة اختلافك في وجهة نظرك مع شخص بمن تزوج وجنسية من تزوج وكم جواز سفر يحمل وكم بلداً زار مع العلم أنك نفسك تركت هذا البلد الذي تدعي النضال من أجله بينما تسكن أطياف هي وزوجها أحد أبسط مساكنه في ظل الانقطاع المتواصل للماء والكهرباء وصباحاتٍ ومساءاتٍ قضياها بين مساعدة جريح في المستشفى الميداني وشابات وشباب في خيام الاعتصام للتوفيق بين الإصلاحي والحراكي والحوثي والمستقل وبين مخيمات النازحين وجامعة صنعاء المحتلة من قبل العسكر...

كامرأة أحسست بحنقٍ شديد وأنا أرى تحاملك على امرأة تزوجت بغير يمني ونحن نعرف عشرات الساسة والدبلوماسيين من الرجال اليمنيين الذين تزوجوا بغير يمنيات ولكن كالعادة يظن أمثالك أن النساء وضعهن مختلف ويمكن لي ذراعهن بأي شيء حتى وإن كان هذا الشيء صائباً في عين الجميع إلا من غلف قلوبهم ظلام العصبويات العمياء.

بعد غضبي الشديد انتقلت إلى مرحلة الإحساس بالشفقة تجاهك.. قلت لنفسي من المؤلم أن يضطر شخص بهذا التفكير أن يعيش مع نفسه إلى الأبد... كيف تعيش مع نفسك وأنت جل همك النبش في حياة الناس الشخصية بحثاً عن أمور لايرى فيها أحدٌ خطأً سواك... كيف وأنت تصنع افتراضاتك بنفسك وتصدقها.. هل سمعت أطياف تردد شعار الموت لأمريكا واللعنة على اليهود؟ أم أن سطحيتك التي جعلتك تصنف الناس بحسب شهادات ميلادهم لا تمنحك القدرة على التفرقة بين معارضة سياسة أمريكا وكراهية شعبها ومعارضة الاحتلال الصهيوني والتعايش مع اليهودية كديانة؟ هل من الصعب أن تتقبل فكرة معارضة أطياف لطائرات الموت الأمريكية وحبها للشعب الأمريكي كسائر الشعوب؟ هل من الصعب أن تكون أطياف معارضة للاحتلال الصهيوني وفي ذات الوقت لا تكره اليهود من غير الصهاينة المحتلين؟

أطياف لا تتمنى الموت لأمريكا يا أخي الكريم.. أطياف تنتقد سياسة أمريكا في بلدها.. نعم بلدها رغم أنفك.. من هم مثل أطياف يملكون فرص العيش في أي بقعة اختاروها, ولكنها اختارت البقاء بين ناس أحبوها وأحبتهم ليس لاسمها أو لورقة كتبت عليها "الهوية" وإنما لأنها استمعت لأوجاعهم ونقلتها كما هي...

هل كل من يعترض على سياسة أمريكا الاستعلائية وقصفها لتراب هذا البلد وجرائم الحرب التي ارتكبتها في المعجلة وأبين وعلى رأسها اغتيالها لطفل أمريكي دون اعتذار يجب أن يخضع لتصنيفك الطائفي البغيض؟

غضبي ثم شفقتي تجاهك تحولا قبل كتابتي لهذا المقال إلى ابتسامة هادئة عندما مررت بشكل عابر على صورةٍ لأطياف وبلال من مكةَ المكرمة.. تأملتُ طويلاً في الصورة, وتذكرت أن لي في صداقة بلال وأطياف أسرة ورفقة ومثلٌ أعلى في العمل بصمت من أجل الإنسان... في صورتهما أجد هويتي وفي ابتسامتهما أجد صوتي الذي يضيع أحياناً بين أصوات المدرعات في هذا البلد الذي يرأف بالجميع إلا بمن أحبه...

 

الأخ منير,

شكراً لأنك ذكرتنا جميعاً بصدق وقوة قضيتنا.. نحن لا نقبل بضرب الطيران الأمريكي ولا بالانتهاك الصارخ لسيادة هذا البلد من قبل البيت الأبيض.. نحن لا نقبل بتصريحات برينان الوقحة والتي وصفت ضربات الطائرات دون طيار بالأخلاقية! ونحن نعرف ببساطة أن تواطؤ نظام صالح مع السياسة الأمريكية لن يقضي على الإرهاب.. الإرهاب لن يقضي عليه سوى رغيف الخبز والطريق المعبدة والمدرسة والحقل والمصنع... أما الطائرات التي أغضبك هجوم أطياف عليها, فلن تزرع سوى الموت الذي سنجنيه نحن بينما تنتج أنت الحقد من وراء حاسوبك في أمريكا...

شكراً أنك ذكرتنا أن هويتنا هي الإنسانية.. الشجرة.. وابتسامات الأطفال الذين تقف أطياف لتحيتهم كل صباح..

 

الأخ منير,

اقرأ لدرويش علك تفهم من الهوية ما هو أبعد من وريقات ما يكاد الماء يبللها, لتتلف:

"كل قلوبِ الناس جنسيتي.. فلتسقطوا عني جواز السفر.."

صحيفة الأمة " PDF "

روح الشعر

 

  عبدالحفيظ حسن الخزان   أنا طفلٌ يمنيٌ ظامي...
  معاذ الجنيد   البرُّ والبحرُ والأجواءُ...