نؤيد المطالب الـ20 التي تقدمت بها اللجنة الفنية للحوار الوطني إلى رئيس الجمهورية ترحيبنا بأصلها الذي جاءت منه، وهو الشروط الـ12 التي وضعها الحزب الاشتراكي اليمني لقبوله بالحوار، ولو صدقت النيات في تغليب المصلحة الوطنية من خلال تنفيذ هذه المطالب لكانت خطوة جبارة في عملية استعادة الثقة المفقودة في ما بين اليمنيين أنفسهم، إنها ستقود إلى وضع جيد يمكن فيه الحوار أن يؤدي إلى شيء ملموس، ومع ذلك لا نخفي توجسنا أن تظل هذه المطالب الـ20 مجرد فرقعة إعلامية أو نقطة مضيئة في ظلام دامس قاتم في حياة اليمنيين المعاصرة، ليس لرفضها من قبل من أمر بشن تلك الحروب عليهم ، ولكن لرفضها أيضاً ممن كانت الحروب تُشَن لأجلهم وبسبب ضخهم الإعلامي المُزيِّف، وهم اليوم يحكمون في البلد بعقلية مذهبية خطيرة، ويتهيئون للإستحواذ على التحكم فيه تماما بذات العقلية، وما يبارك تشاؤمنا أن اليمن من حيث قرارتها الوطنية المستقلة والشجاعة قد أصيبت بمقتل فلن يكتب لتلك القرارات عمر مديد إذا ما كان يتوجب عليها المرور من بوابة الرياض، التي ربما أحست بالحرج حين تعتذر حكومة وفاقها على تلك الجرائم السابقة والتي كان للرياض فيها دور المباشر أو المشجع أو الشيطان الأخرس.

إن دليل تشاؤمنا هذا وتبعية القرار اليمني للرغبة الخليجية (السعودية بالتحديد) المشرفة على المبادرة الخليجية هو موقف اليمن من (قمة عدم الانحياز) التي تعقد هذه الأيام في طهران، حيث ضعف التمثيل اليمني إلى مستوى قياسي ملحوظ، كل ذلك حتى لا تغضب المملكة، وما أشبه حالة اليمن اليوم بحالة (مصر مبارك) التي كانت تخشى فتح العلاقات الدبلوماسية مع (إيران) استجابة للرغبة الخليجية مع أن سفارة المملكة السعودية في طهران تحتل المساحة الأكبر في مساحات السفارات العالمية، ومن المعيب أن ترتفع معدلات حمى اليمنيين بسبب مرض الخليجيين أكثر من معدلاتها لدى المرضى أنفسهم، وهنا لا بد من التذكير أنه ما لم ينفصل الحوار الوطني وموضوعاته ونتائجه عن الرغبة الخارجية فإنه سيكتب لهذا الوطن الشقاء اليوم كما كان له بالأمس، غير أننا على ثقة بأن هذه المطالب تعد بمثابة اختبار حقيقي لجدية اللجنة الفنية للحوار، والأيام ستكشف ما يجب أن نعلمه منهم.

ويبدو أن بعضا من القرارات التي تصدرها اليمن لا زالت بحسب المعطيات والمعلومات التي تقدمها الدوائر الاستخباراتية التي ترتبط بالاستخبارات الأمريكية والخليجية وتتأثر بها، وربما كان بينها أكذوبة (خلية التجسس الإيرانية) في اليمن، التي سمعنا بجعجعتها زمانا من قبل (عبد ربه) ومن بعده، ولكننا لم نر لها طحينا يوما، وهي عبارة عن فرقعات إعلامية أكثر منها واقعية تمارس عملية الإلهاء لتتويه القيادة والشعب اليمنيين وتشتيت حالتهم وإبقائها على حالة المرض الدائم فلا شفاء ولا موت، حتى يضمنوا أن تكون اليمن مضرب المثل لشعوبهم أنها حين سلكت سبيل الثورة جاءها الموت من كل مكان، ومن ثم تقتنع شعوبهم بقلة جدوى التغيير المنشود لكل عربي اليوم، كما أنها تريدنا أن نرى القذى الإيراني إن كان هناك قذى، ونتجاهل الجذع الأمريكي الموجود فعلا في الطائرات بدون طيار التي تضرب وتقتل خارج القانون رضي اليمنيون أم كرهوا، والموجود فعلا أيضا في صلف السفير الأمريكي وتدخله السافر في شؤوننا، غير أنه من المهم أننا لسنا مخيرين بين خياري (إيران) و(أمريكا) ومن يقف معها، بإمكاننا أن نكون (اليمن وكفى).

إن حالة الانفلات التي تشهدها اليمن اليوم لا تبعد عن هذه الإرادة المشتتة، ومن ذلك حالات القتل التي تمارس هنا وهناك ضدا على هذا الشعب من دون حسيب ولا رقيب، وتكشف حالة الدكتور ياسين سعيد نعمان ما يعانيه الشعب من انفلات، وما تعانيه أجهزة الأمن والأجهزة العاملة في الدولة من عشوائية واضطراب في التعامل، فهم لم يصدقوا بوجود دولة ولهذا يدير البعض ظهره، ويتحمس البعض بجهل للمنطق الثوري فيسيء التعامل، ومن حسن حظ أولئك الجنود أن صادفوا الدكتور ياسين، ولم يصادفوا أحدا من آل الأحمر حتى من صغارهم مثلا والذين كانوا سيجدون أنفسهم معهم في معركة دامية ربما نقلتهم إلى الحياة الآخرة، على أنه يجب على المسؤولين معرفة أن التعبية الإعلامية الخاطئة هنا وهناك هي المسؤولة عن نزق عناصر الأمن والجيش، وتحدث حالات خطيرة ضد المواطنين العاديين منهم ولا أحد يخبر بها، وهو أمر يجب أخذه في الحسبان في توحيد قوى الجيش والأمن وإعادة ترتيب أفكارهم وسلوكياتهم وانتمائهم الوطني.

ولا غرابة أن يكون في اليمن الوفاقية قرارات ومواقف جيدة هنا ومواقف وقرارات سيئة هناك، وفي هذا الصدد لا يفوت أن نشيد بقرار تحرير ميناء عدن من قبضة شركة موانئ دبي البشعة والمذلة التي أماتت أعظم ميناء (بندر) في التاريخ للشرق الأوسط على الإطلاق، والذي كان مخزن البضائع ومهوى أفئدة التجار من كل حدب وصوب، نحن إذاً نسير على قافلة عرجاء، وأخشى أن يتزايد العرج وتتوقف القافلة قبل الوصول إلى الغاية المطلوبة.

ليعلم الرئيس عبد ربه أن من حسن حظه أن لا كبير أمل يعلقه عليه اليمنيون، ويكفيه أن يحقق الاستقرار ويدير عملية الحوار الوطني فقط، وهو عامل سيساهم في تخليده بطلا إذا ما أنجز بعض الأعمال الوطنية والتي منها توحيد الجيش تحت قيادة وطنية، وحرره من السيطرة العائلية والفئوية والحزبية، وكذلك إذا ما نجحت عملية الحوار الوطني وآلت إلى الاتفاق على شكل الدولة القادمة، وإلى الطبيعة الإيجابية في العلاقة بين سلطاتها والشعب، وأعظم من ذلك تأثيرا لو استطاع (عبد ربه) تحرير القرار السيادي اليمني، وكبح جماح التهور الأمريكي بالتدخل في شؤون اليمن، وانتهاك سيادته الوطنية، خاصة بعد أن بدّد الشكوك بنفيه لأي تمديد في فترته الرئاسية، ما يعني اقتناعه في أن يكون شيئا أو لا يكون.